أين يختفي الوقود في لبنان؟ أزمة حلها بيد السلطة!


١٣ سبتمبر ٢٠٢٠

حسام عيد - محلل اقتصادي

استنادًا إلى بيانات تتبع السفن، فإن حركة سفن الشحن المحملة بالمشتقات النفطية المتجهة نحو لبنان لم تتوقف خلال الأشهر الماضية، لكن كيف بلغ الأمر حد أزمة اختفاء الوقود في لبنان.

المسألة بحسب خبراء لا تتعلق بشح الوقود المستورد من الخارج؛ فوفق موقع "فوربس" فإن حركة البواخر نحو مرافق النفط في لبنان مستمرة بشكل طبيعي، كما أن عمليات التفريغ متواصلة.

الأمر الذي يثير عدة تساؤلات، من بينها؛ عندما يتم تفريغ هذه الشحنات في لبنان من يقوم باستلامها؟ ومن يقوم بتوزيعها؟ هل هناك احتكار وتخزين؟

اللبنانيون باتوا يعانون أزمة غير مسبوقة من فقدان مادة المازوت ووقود السيارات وانقطاع شبه تام للتيار الكهربائي، ويوميًا يتساءلون فيما بينهم؛ أين يختفي الوقود في لبنان! هذا ما سنحاول إيجاد تفسير له في التقرير التالي.

تخزين.. احتكار.. تهريب

التخزين والاحتكار والتهريب كلمات ترددت أصداؤها في زمن الحرب الأهلية اللبنانية، ولكنها عادت اليوم بقوة ولبنان في عين عاصفة الأزمة الاقتصادية.

كل هذا على مرأى ومسمع من الدولة وأجهزتها والتي بحسب متابعين لا تقوم بواجباتها في ملاحقة المخالفين ومحاسبتهم.

قبل انفجار مرفأ بيروت وبعده يتواصل الحديث عن كارتلات نفطية تقوم بشراء النفط وبيعه بالسوق السوداء ومن بينها شركات مقربة من أحزاب سياسية وتجار يحتكرون المازوت قبل بيعه بأسعار خيالية.

وتقول مصادر متعددة: إن أحزابًا سياسية ومتنفذة تقوم بتخزين المازوت فيما تذهب مئات آلاف اللترات إلى سوريا عبر طريق التهريب.

لا يوجد شح في لبنان ولكن في احتكارات قوية وسوق سوداء محمية من أحزاب السلطة، والمافيات التي تدير تجارة هذه المنتجات، ابتداءً من الشركات المستوردة، مرورًا بالموزعين ومحطات المحروقات، ووصولا إلى التجار.

رفع الدعم عن "الوقود المسروق"

الوقود المدعوم من مصرف لبنان بات يسمى بالوقود المسروق لأن كميات كبيرة منه يتم تخزينها وتهريبها ثم بيعها بأسعار عالية.

أزمة تدفع البلاد نحو كارثة سببها الأساسي غياب الرقابة وتفشي الفساد إضافة لعمليات الغش والاحتكار.

طوابير سيارات أمام محطات المحروقات، والتي رفعت بعضها خراطيمها وأعلنت عدم توفّر البنزين والمازوت، إضافة لدعواتٌ على مواقع التواصل الاجتماعي ومجموعات الواتساب، لتخزين ما يمكن من المحروقات، تحضيرًا لأزمة مؤكّدة تختلف حدّتها عمّا سبق من أزمات، ذلك لأنّ المرحلة المقبلة ستكون أسوأ، وهي مقرونة باعتراف رسميّ من حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بأن دعم استيراد المواد الأساسية، وعلى رأسها المحروقات، سيتوقّف.

وكان رئيس تجمع الشركات المستوردة للنفط مارون شماس، قد حذر من أزمة محروقات كبيرة وقاسية في الأيام القريبة المقبلة.

وعن سبب الأزمة، أوضح شمّاس أنَّ مصرف لبنان كان قد طلب من وزارة الطاقة تزويده بالكميات التي تريد الشركات المستوردة للنفط استيرادها من الآن حتى نهاية عام 2020، وذلك في محاولةٍ منه لجدولة مصاريفه، ليقسّم كم تبقى لديه من أموال.

تحميل المستهلك العبء الأكبر

لم تفرغ خزّانات المستوردين والموزّعين فجأة، فما زال يوجد مخزون يقي المستهلكين شرّ الطوابير والتزاحم والاقتتال أحيانًا. والأهم، يسحب حجّة رفع الأسعار من أمام بعض أصحاب المحطات، الذين يجتهدون في إصدار فتاوى شخصية، تبيح لهم رفع الأسعار وتجاوز جدول الأسعار الأسبوعي الصادر عن وزارة الطاقة.

الخزانات تعجّ بالمحروقات، لكن القلق المتزايد من عدم توفير الاعتمادات بالدولار، يدفع إلى التمسّك بكل قطرة محروقات متوفّرة، بهدف رفع أسعارها في المستقبل القريب، تماشيًا مع تقلّبات أسعار الدولار، والأخير يتحضَّر بدوره لبلوغ معدّلات أعلى مع غياب كافّة المؤشّرات الإيجابية المساهِمة بانخفاضه.

ومن هنا، يحاول أركان قطاع المحروقات، عدم التفريط بالكميات المتوفّرة تفاديًا لتحمّل عبء توفير الدولار للاستيراد. فهؤلاء يفضّلون تحميل المستهلك عبء توفير الدولار، أو دفع ثمن الوقود بالليرة، وفق سعر صرف السوق السوداء التي يتم تأمين الدولار وفقها، وليس وفق السعر الرسمي المحدد من قِبَل مصرف لبنان.

والسياسة الحمائية الخاصة التي يعتمدها أهل القطاع، من مستوردين وموزّعين وأصحاب محطّات، تنذر المستهلكين بأن عليهم أيضًا البحث عن طرق لتأمين أكبر كمية ممكنة من المحروقات قبل انفلات الوضع، بعد أقل من ثلاثة أشهر. فحينها، سيكون من الأصعب، تأمين الدولار، إذ سيرفع الطلب المتزايد أسعاره.

لا حل للأزمة قبل الحل السياسي

أكثر ما يثير القلق، هو الغموض الذي يلفّ الفترة الانتقالية بين حكومة تصريف الأعمال برئاسة حسّان دياب، والحكومة الجديدة التي يعمل الرئيس المكّلف مصطفى أديب على تشكيلها. فالوقت يضيع في زحمة الصراعات السياسية تحت المظلّة الفرنسية، التي تراعي بدورها المصالح الدولية؛ فزبدة الكلام بالنسبة للمجتمع الدولي، هو الوصول لتحاصص مقبول، وليس رعاية شؤون اللبنانيين.

وقبل حلّ الملف السياسي، لا حلّ للمشكلة الاقتصادية والنقدية. وبالتوازي، لا حلّ لأزمة المحروقات المحكومة بتوفير الدولار للاستيراد. وبكلام آخر، فإن أسعار المحروقات ستستمر بالارتفاع إلى أن يجد المعنيون آلية لتوفير الدولار، وهو أمر ملقًى على عاتق حكومة أديب المُطالَب بالتشكيل السريع للحكومة، لتسهيل التواصل مع المجتمع الدولي "كشرط لفك القيود عن الأموال التي يمكن تمويلنا بها من الخارج، لأن هذا الحل هو الأمل الوحيد المتاح لنا اليوم"، وفق ما يراه رئيس نقابة أصحاب محطات المحروقات في لبنان سامي البركس.

وختامًا، تكثر مخاوف اللبنانيين من أزمة محروقات مرتقبة، ومخاوف أكبر من ارتفاع لافت في أسعارها بعد توقُّف دعم مصرف لبنان، وهذا ما قد يصبح واقعًا لا مفر منه، فتأمين الدولار هو المطلوب وهذا أمر مستحيل في ظل ما تمر به البلاد، بالإضافة إلى غياب الرقابة الصارمة على عمليات تفريغ الشحنات النفطية القادمة إلى لبنان، وكذلك عمليات تخزينها حتى وصولها إلى الأسواق؛ لذلك، أسعار المحروقات، بالحدّ الأدنى، ستتضاعَف عمّا هي عليه الآن، ومن ثم دخول البلاد في أزمة محروقات خانقة.


اضف تعليق