بعد انتصارها لصالح بكين.. ترامب يفتح النار على منظمة التجارة العالمية


١٦ سبتمبر ٢٠٢٠

كتبت - ولاء عدلان

مرة أخرى عادت الحرب بين إدارة الرئيس دونالد ترامب والمنظمات العالمية إلى الواجهة، فبعد شهور انخرط فيها الرئيس الأمريكي في صب غضبه على منظمة الصحة العالمية وسط رياح كورونا، اليوم، قرر أن يفتح النار على منظمة التجارة العالمية، مهددًا بتحرك وشيك ضدها، ردا على حكمها لصالح الصين في ملف الحرب التجارية.

أكدت منظمة التجارة، أمس الثلاثاء، أن الرسوم الأمريكية على المنتجات الصينية "لا تنسجم" مع القواعد التي تحكم التجارة العالمية، وأن على الولايات المتحدة تصحيح مسارها، ولفتت مجموعة خبراء شكلتها المنظمة للبت في هذه القضية بطلب من بكين، إلى أن الولايات المتحدة لم تقدم أدلة أو إيضاحات كافية لإثبات تأكيداتها السابقة بأن الرسوم التي فرضتها تعد استثناء مبررًا لالتزاماتها بمعايير التجارة العالمية.

كانت بكين قد رفعت القضية إلى منظمة التجارة عام 2018، عندما فرضت واشنطن حزمة أولى من الرسوم الجمركية على سلع صينية بقيمة 250 مليار دولار، لتدق طبول الحرب التجارية.

أمام الولايات المتحدة 60 يومًا للطعن على القرار، لكن ليس من الوارد أن تقدم واشنطن على هذه الخطوة، لأنها ستكون رمزية للغاية؛ إذ تمكنت إدارة ترامب بالفعل من شلِّ منظمة التجارة منذ ديسمبر الماضي عندما رفضت تعيين أعضاءً جددًا في الهيئة القضائية المسؤولة عن النظر في طعون المنازعات التجارية، لتتحول الهيئة إلى جهاز غير فعال.

الغضب الأمريكي
في أول تعليق على القرار، قال الرئيس الأمريكي: إنه لم يطلع عليه، مجددا التأكيد على أنه ليس من المعجبين بمنظمة التجارة، ومضيفًا: سننظر في ذلك وسيتعين علينا إذن عمل شيء ما حيال منظمة التجارة؛ لأنهم سمحوا للصين أن تفلت بجريمتها، بوسعي أن أقول هذا من الآن "لعلهم أسدوا إلينا معروفًا كبيرًا".

من جانبه قال ممثل التجارة الأمريكي روبرت لايتهايزر: إن منظمة التجارة العالمية لم تعترض على الأدلة الكثيرة التي قدمتها الولايات المتحدة، بشأن سرقة الصين للملكية الفكرية، ومع ذلك قرارها الجديد لا يوفر أي حل لهذا الخطأ.

وأضاف: هذا الحكم يؤكد ما تردده إدارة ترامب منذ أربع سنوات، وهو أن منظمة التجارة غير مؤهلة بتاتا لوضع حد للممارسات التكنولوجية الصينية المضرة، لذا ينبغي السماح للولايات المتحدة بالدفاع عن نفسها، في وجه الممارسات التجارية غير العادلة.

وأكد أن الإدارة الأمريكية لن تسمح للصين باستخدام منظمة التجارة لاستغلال الشركات والعمال، والمزارعين الأمريكيين.

إدارة ترامب سبق، وأن أكدت لمنظمة التجارة أن الرسوم الجمركية التي فرضتها على بكين منذ 2018 كانت ضرورية لكبح سنوات من التلاعب التجاري من قبل الصين، لكن المنظمة رفضت هذا الادعاء وأكدت أن الرسوم كانت انتقامية في المقام الأول وتعد انتهاكا صارخا لقواعدها التي يفترض أن تلتزم بها واشنطن.

وعندما تحدت المنظمة واشنطن، قررت الأخيرة أن تتحرك ضدها على طول الخط وبدأت حملة للتشكيك في جدوى المنظمة واتهمتها بشكل صريح عام 2018 بالعمل ضد المصالح الأمريكية، ولعدة مرات هدد ترامب بالانسحاب من المنظمة ما لم تصلح من نفسها، وفي يوليو الماضي طالبها بإصلاحات تحول دون التعامل بطريقة مميزة مع الدول النامية، والمقصود هنا الصين، إذ تتعامل المنظمة معها منذ سنوات طويلة على أنها دولة نامية مما يعفيها من بعض الالتزامات.

تداعيات القرار
قرار منظمة التجارة لصالح بكين لن يكون له تأثير كبير على أرض الواقع،  قالت ويندي كاتلر نائبة رئيس معهد سياسات مجتمع آسيا والمفاوضة التجارية الأمريكية سابقا لـ"واشنطن بوست": إن قرار منظمة التجارة يوضح الضعف الذي وصلت إليه، ففي حقبة أخرى كان لمثل هذا القرار أن يتحول إلى حديث المجتمع التجاري عالميا، لكن اليوم مع عدم وجود هيئة قضائية للنظر في المنازاعات التجارية لن يكون للقرار أي أثر يذكر، ولن تتمكن المنظمة من إلزام واشنطن بشيء.

تجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الهيئة لو كانت مكتملة الأعضاء وفعالة كان يمكن لمنظمة التجارة أن تأذن للصين باتخاذ إجراءات انتقامية، في حالة لم تتراجع واشنطن عن الرسوم العقابية أو يتفق البلدين على شكل من أشكال التعويض عن هذه الرسوم.

لكن القرار يمثل ضربة دبلوماسية لسياسة ترامب "أمريكا أولا"، خصوصا مع تزامنه مع انتكاسه أخرى لحرب الرسوم الجمركية الأمريكية، إذ أعلن لايتهايزر أمس، أن واشنطن تعتزم إلغاء الرسوم المفروضة على واردات الألومنيوم من كندا حتى نهاية العام الحالي على الأقل، وهذا التراجع الأمريكي جاء بعد أن هددت كند بفرض رسوم مضادة على المنتجات الأمريكية واللجوء إلى سياسة "الدولار مقابل الدولار".

وبشأن تأثير القرار على الاتفاق التجاري الموقع في يناير الماضي بين أكبر قوتين اقتصاديتين بالعالم، قال لايتهايزر: هذا القرار لن يؤثر على الاتفاق التاريخي بين الولايات المتحدة والصين، والذي يتضمن تعهدات من قبل الصين لمنع سرقة التكنولوجيا الأمريكية وزيادة الواردات الصينية من المنتجات الأمريكية، وغيرها من الالتزامات التي تضمن تحقيق توازن تجاري بين البلدين.

سبق للاتفاق التاريخي أن تعرض لضربة من ترامب الشهر الماضي، عندما قرر تأجيل المحادثات التجارية مع بكين إلى أجل غير مسمى، وهذه الجولة من المحادثات كان يفترض أن تخصص لمراجعة المرحلة الأولى من الاتفاق المبرم في يناير الماضي.  

الأكيد أن ترك التهديدات جانبا سيكون أفضل للجميع الآن سواء لترامب أو بكين خصوصا في ظل إعصار كورونا الذي يضرب العالم بلا هوادة، لكن فيما يتعلق بتهديدات ترامب لمنظمة التجارة والخطوة التي قد يقبل عليها مع اقتراب انتخابات نوفمبر، فقد نفهمها أكثر – كما تقول "فورين بوليسي"- بالعودة إلى العام 1945 عندما انتهت الحرب العالمية وأصبحت الولايات المتحدة القوة العسكرية والاقتصادية العالمية المهيمنة، وبدأت في استثمار ذلك لتعزيز التجارة وتمكين المصدرين الأمريكيين من الوصول إلى الأسواق بشكل أكبر، فأطلقت عام 1948 الاتفاقية العامة بشأن التعريفات الجمركية والتجارة "الجات"، التي خفضت قيود التجارة الدولية والتعريفات الجمركية والحواجز التجارية كافة، لكن بحلول منتصف السبعينيات، بدأت بعض نقاط الخلل تظهر في آليات تطبيق الجات، مثل عدم وجود آلية لمحاسبة الدول التي تنتهك الاتفاقية.

استغلت واشنطن خلل "الجات" وبدأت سياسة الإجراءات الأحادية العدوانية، وبدأت منذ الثمانينيات فرض تعريفات جمركية أحادية الجانب، ما أغضب الشركاء التجاريين بما في ذلك الأوروبيون.. وما أشبه اليوم بالأمس فالنهج الأمريكي ما زال كما هو بل أنه في ظل إدارة ترامب ازداد عدوانية تجاه الأخر وإعلاء لقيمة "أمريكا أولا"، لذا في من غير المستبعد أن تنسحب أمريكا من المنظمة كما فعلت مع الصحة العالمية واتفاقية المناخ وغيرها، فترامب لا يعترف بالتعددية الدولية، حتى أنه ربما لن يكلف نفسه عناء الانسحاب من المنظمة التي قلم أظافرها منذ ديسمبر الماضي. 


اضف تعليق