التقاريرثقافة

“أبونا يوسف” نافذ البصيرة.. تراث حي على أرض المحروسة

كتب – عاطف عبد اللطيف وهدى إسماعيل

تزخر منطقة الإمام الشافعي بالقاهرة التاريخية بالكثير من الأماكن الأثرية والأسرار والكنوز التاريخية؛ منها المعروف ومنها ما لم نسمع عنه شيئًا. تحت رقم 279 بشارع القادرية بالإمام الشافعي، يقع رباط وضريح الشيخ “يوسف بن عبد الله بن عبد الرحمن الكردي” المعروف بـ”أبونا يوسف”، ولكنها معروفة مشهورة بضريح مصطفى باشا، ولكي نتعرف على قصة كل منهم اقتربنا أكثر رغم السكون الذي يعم المكان، وكانت الإجابة تنطق بها معالم المكان التاريخي.

أمير الأمراء

مصطفى باشا هو “مصطفى بن عبد الله الرومي المعروف بـ”النشار”، تولي إمارة الحج عامي 938هـ، 939هـ. كان يقوم بحراسة الحجاج بنفسه فيتتبع اللصوص والمفسدين ويقطع رؤوسهم ويشهر بها، بل إنه صنع منشارًا لينشر به السارق من رأسه إلى أسفله، ولذلك لقبه العربان بـ”النشّار”.

تذكر “سميرة فهمي” في إمارة الحج في مصر العثمانية (وفي عام 947هـ / 1540م منحه السلطان العثماني سليمان خان باشوية اليمن، فتوجه إلى وليها، وكان أول حاكم لليمن أطلق عليه لقب باشا وبكلربك “أي أمير الأمراء”).

كما ذكرت لجنة حفظ الآثار العربية تربة أبونا يوسف وعرفتها بـ”ضريح مصطفى باشا حاكم اليمن في العصر العثماني”. وفي العمارة الإسلامية في مصر عصر الأيوبيين والمماليك يذكر الدكتور “حسني نويصر” عن سبب شيوع اسم مصطفى باشا هو أنه استخدم كمدفن لهذا الحاكم الذي قام بإصلاحه وظلت هذه التسمية عالقة به حتى الآن”.

في الأثر

يقول المقريزي عن تربة ورباط أبونا يوسف المعروفة أثريًّا بمدفن مصطفى باشا النشار بشارع القادرية بالإمام الشافعي: الرباط هو بيت الصوفية ومنزلهم ولكل قوم دار والرباط دارهم، والقوم في الرباط متفقون على قصد واحد وعزم واحد وأحوال متناسبة ألا وهو الزهد في الدنيا والتعبد للواحد الأحد، ومُنشئ هذا الرباط هو الشيخ الصالح التقي الزاهد سيدي يوسف بن عبد الله بن عبد الرحمن الكردي المعروف بأبونا يوسف المتوفى عام 696هـ/ 1297م.

يذكر “السخاوي” في “تحفة الأحباب وبغية الطلاب”:” كان أبونا يوسف شيخًا صالحًا خيرًا، مجتهدًا في خدمة الفقراء والقيام بوظائفهم والمبالغة في إيصال الراحة إليهم مع كثرة العبادة والتخلي عن الدنيا وكان مقيمًا بهذه التربة ودفن بها”.

نافذ البصيرة

كان قدوم “العجمي” إلى مصر – والحديث لحسن قاسم في المزارات الإسلامية – واستقراره بها من الأسباب التي أدت إلى حلول الطائفة العدوية بها وإقامتهم الزوايا والمدافن مجاورة لمدفن “يوسف العدوي”.

كان الشيخ “العجمي” حسب ما جاء في “مساجد مصر وأولياؤها الصالحون”، للدكتورة سعاد ماهر محمد، راجح العقل نافذ البصيرة؛ ما جعل السلطان بيبرس يستشيره ويأخذ برأيه في أدق أحوال البلاد السياسية، فقد كان من أقوى المشجعين والمؤيدين للسلطان في نقل الخلافة العباسية من العراق بعد سقوطها على يد التتار، إلى مصر.

أما المواقف التي لا ينساها التاريخ له وهي عندما انخفض منسوب فيضان النيل عام 662م، ووقع الغلاء بمصر، أشار الشيخ “يوسف” على السلطان أن يوزع الفقراء على الأغنياء والأمراء وألزمهم بإطعامهم، ففعل كما أشار عليه، كما كان له تأثير كبير على السلطان الظاهر بيبرس، حتى إنه كتب بإزالة الخمور وإبطال الفساد والخواطئ من القاهرة ومصر وجميع أعمال “أقاليم” مصر فطهرت كلها من المنكر.

وسلبت جميع أموال المفسدات “بائعي الهوى” وحبسن حتى يتزوجن، كما أمر بنفي كثير من المفسدين، وكتب السلطان إلى جميع البلاد بمثل ذلك.

البناء الداخلي

تبلغ مساحته 23 مترًا و28 مترًا عمقًا، وهو بناء لا مثيل له في مصر، وقد بُنيت جدرانه من الخارج من الحجر الكبير المقطوع ومن الداخل من حجر صغير.

المدخل يقع في الزاوية الشمالية للبناء، وهو مدخل مستطيل معقود بعقد على هيئة حدوة الفرس، ويزخرف العقد من أعلى صنج متداخلة على هيئة دوائر، ويزين العقد من أسفل شريط كتابي وقد سقط جزء منه حاليًا. يوجد مدخل آخر في الواجهة الشمالية الغربية ولكنه مسدود حاليًا.
يوجد بالجهة الغربية من الحجرة باب يؤدي إلى ممر، بالضلع الجنوبي منه باب يؤدي إلى الصحن وهو عبارة عن مساحة مربعة في الجهة الشرقية منها خمس خلاوي، يعلوهم خمس فتحات لطابق آخر معقود بعقود مدببة منكسرة.

إيوان القبلة يوجد بالجهة الجنوبية من الصحن، وهو عبارة عن مساحة صغيرة بصدرها حنية محراب ذات عقد منكسر، ويكتنفه دخلتان ويبدو أنهما كتبيتان لحفظ المصاحف. يعلو جدار المحراب عقد مدبب كبير مزخرف بزخارف جصية هندسية ونباتية، يتوسطه نافذة ثلاثية محاطة بشريط من الكتابة النسخية وقد سدت إحدى هذه النوافذ وسقط جزء من الشريط الكتابي يتقدم المحراب تركيبة حجرية، وقد يكون هذا هو مكان دفن مصطفى باشا.

معمار مبهر

يوجد بالزاوية الشرقية من الإيوان فتحة باب تؤدي إلى حجرة مستطيلة، بصدرها ثلاثة محاريب مزخرفة وقد سقط أجزاء من هذه الحشوات. يعلو هذه المحاريب نافذة ثلاثية مسدودة حاليًا ومزخرفة بزخارف نباتية، ويعلو هذه النافذة شريط كتابي زخرفي، وغطي سقفها بعروق خشبية.

الواجهة الجنوبية الغربية يعلوها من الخارج صف من الشرافات عبارة عن مثلثات ترتكز على قاعدتها شكل مستطيل، وخلاوي إقامة الجند ووجود أماكن للمراقبة يمثلها الأبراج مع وجود فتحات السهام التي بداخل الحجرات، ومن التخطيط المعماري الذي يتكون من مساحة مستطيلة يتوسطها صحن مكشوف.

كما يوجد بالجهة الجنوبية منه مصلى ويشغل الضلعين الشرقي والغربي خلاوي المرابطين كما يشتمل المبني على مدخل واحد غالبًا يكون بارز يكتنفه برجان مربعان للمراقبة والدفاع عند الهجوم عليه ومن المعروف أن نشأة هذه المنشآت كانت تقام في أول الأمر على حدود الدولة أو على سواحلها أو في الأماكن النائية كتحصينات عسكرية.

وبصحن الرباط عدة شواهد قبور لدفنى عتقاء “مصطفى باشا النشار” ونُظّار وقفه السابقين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى