اقتصادالتقارير

للمرة الأولى.. “موديز” تخفض تصنيف الكويت وتدق ناقوس الخطر

كتبت – ولاء عدلان

للمرة الأولى على الإطلاق قامت وكالة موديز لخدمات المستثمرين بتخفيض تصنيف الكويت الائتماني بواقع درجتين من “Aa2” إلى “A1″، في قرار يدق ناقوس الخطر بشأن زيادة مخاطر السيولة الحكومية، وسط اقتراب موارد صندوق الاحتياطي العام من النفاد.

كانت وكالة “فيتش” ثبتت في أبريل الماضي التصنيف الائتماني للكويت عند الفئة AA، وحذت حذوها “ستاندرد آند بورز” في يوليو الماضي، وتتفق ووكالات التصنيف الائتماني الثلاث على أن احتياطي السيولة الرئيسي “صندوق الاحتياطي العام” لن يكون كافيا لتغطية عجز الموازنة مستقبلا، إذ تعرض رصيده لتناقص شديد خلال السنوات الثلاث الماضية، وسط تراجع أسعار النفط وحاجة الحكومة للسحب منه لتغطية العجز.

لكنها أيضا تتفق على أن الكويت ما زالت تتمتع بنظرة مستقبلية مستقرة، إذ يبلغ صافي الأصول السيادية الخارجية التي تديرها الهيئة العامة للاستثمار نحو 529 مليار دولار أو ما نسبته 472 % من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم يجعل الوضع المالي للبلاد قويا ويعطيها هامشًا جيدًا لتنفيذ الإصلاحات المالية المطلوبة لمعالجة عجز الموازنة والحد من مخاطر السيولة الحكومية.

أزمة السيولة وقانون الدين العام
قالت موديز في تقريرها الصادر في 22 سبتمبر الماضي: إنها خفّضت تصنيف الكويت نظرا لزيادة مخاطر السيولة الحكومية، في ظل استمرار غياب قانون جديد للدين العام يمكن الحكومة من الاستدانة من الأسواق العالمية، وعدم السماح للحكومة بالسحب من صندوق “احتياطي الأجيال القادمة” – الذي يشكل حوالي 489 مليار دولار من إجمالي أصول الهيئة العامة للاستثمار-، وسط اقتراب موارد صندوق الاحتياطي العام “السائلة” من النفاد.

أسباب الأزمة:
-ضعف معايير الحوكمة وعدم كفاءة الإدارة المالية في البلاد.

-وجود خلل في استراتيجية التمويل المتوسط الأجل للحكومة.

-عدم وجود أي تدابير فعالة لضبط المالية العامة.

ومع سردها للأسباب سالفة الذكر، أكدت موديز أن الكويت تمتلك مخزوناً ضخماً من الأصول السيادية يمكن أن يقلّص مخاطر السيولة في حال استخدامها لتمويل عجز الموازنة.

وحذرت الوكالة من تداعيات عدم اتفاق السلطتين التنفيذية والتشريعية على تدابير تمويل عجز الموازنة العامة في الأجل القريب، ما من شأنه استنزاف الموارد السائلة المتاحة قبل تواريخ استحقاق السندات الدولية، بما في ذلك الشريحة البالغة 3.5 مليار دولار التي ستستحق في مارس 2022.

وأوضحت أن تمرير قانون الدين العام سواء من قبل مجلس الأمة أو بمرسوم أميري يعد ضرورة في الوقت الراهن، مضيفة أنه في حال تم تمريره بسقف اقتراض 20 مليار دينار، فإنه سيتم استنفاده في أقل من عامين، إذ يتوقع أن تبلغ متطلبات التمويل الحكومية نحو 90 مليار دولار، خلال الفترة من السنة المالية الحالية وإلى مارس 2024، منوهة هنا إلى أن عجز الموازنة للعام الحالي سيصل إلى نحو 13.7 مليار دينار.

كان وزير مالية الكويتي براك الشيتان أكد حاجة الحكومة لإقرار قانون الدين العام في أغسطس الماضي، لتمكينها من اقتراض 20 مليار دينار خلال ثلاثين عاما، إلا أن اللجنة المالية والاقتصادية في مجلس الأمة طالبت بتخفيض سقف الدين العام وتقليص آجال الاقتراض، ما جعل مصير “الدين العام” معلقا حتى اللحظة لدرجة دفعت الحكومة للمطالبة بتمريره بمرسوم أميري لإنقاذ الوضع الاقتصادي للبلاد.

وأكد الشيتان في أكثر من تصريح أن السيولة المتوفرة لدى الحكومة حاليا تكفي لتغطية رواتب الموظفين حتى نوفمبر المقبل، متوقعا أن يصل عجز الميزانية العامة إلى 14 مليار دينار في ضوء استمرار انخفاض أسعار النفط الذي يعد المصدر الوحيد لتمويل الميزانية.

خلال الأشهر القليلة الماضية زادت جائحة كورونا من الضغط على ميزانية الكويت، ما جعل الخلاف بين الحكومة ومجلس الأمة بشأن قانون الدين العام يحتدم أكثر، وبحسب ما هو معلن يتضمن مشروع القانون تخصيص ثمانية مليارات دينار لسد عجز الميزانية العامة و12 مليار للإنفاق الرأسمالي.

تحذير من محافظ المركزي
محافظ بنك الكويت المركزي الدكتور محمد الهاشل، دعا في الـ23 من سبتمبر وزير المالية إلى إجراء إصلاحات مالية ملموسة لتعزيز الاستقرار المالي والاقتصادي، وتحقيق استدامة الرفاهية في البلاد، وقال في رسالة جاءت تعقيبا على تخفيض موديز غير المسبوق: ما لم تُتّخذ إجراءات صحيحة وجدية وملموسة في جانب الإصلاحات المالية والاقتصادية، فلن تتمكن الكويت من تحقيق الاستقرار الاقتصادي واستدامة الرخاء للمجتمع، وستشهد مزيداً من التخفيض في التصنيف الائتماني السيادي، ومن ثم مزيداً من التداعيات والانعكاسات السلبية على الأوضاع الاقتصادية والمالي.

وأضاف: سبق وأن حذر “المركزي” من أن التراخي في تبني الإصلاح المالي والاقتصادي، من شأنه ترسيخ الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد المحلي، ومنها اختلالات الموازنة العامة، والتي سيكون لها تداعيات سلبية جسيمة على الاستقرار الاقتصادي، أحد أشكالها تخفيض التصنيف الائتماني السيادي، وما يجره ذلك من ارتفاع الكلفة على المال العام في حال اللجوء إلى الاقتراض من الأسواق الخارجية.. يشار هنا إلى أن الكويت في السابق وبناء على تصنيفها الائتماني القوي كانت تصدر سندات دولية بفوائد تنافسية لا تتحصل عليها كثيرا من الدول.

وتابع: تخفيض التصنيف الائتماني من شأنه التأثير سلبًا على سمعة الكويت المالية المشهود بها لسنوات طويلة، والانعكاس على القطاع المصرفي في الدولة الذي لطالما حافظ على تصنيفات ائتمانية عالية يساندها بذلك التصنيف الائتماني السيادي للدولة.

عجز الموازنة ومشكلة التمويل
كان مجلس الأمة أقر هذا الشهر ميزانية الدولة للسنة المالية الجارية 2020/2021 ، بعجز متوقع قدره 14 مليار دينار، وذلك بعد إجراء تعديلات لخفض الإنفاق الحكومي ومرعاة تراجع أسعار النفط وتحديد سعر البرميل عند سقف 30 دولارا، ويعد هذا العجز هو الأكبر خلال عقد.

وبحسب الحساب الختامي للسنة المالیة 2019/2020 ، بلغ عجز الموازنة 5.6 مليار دينار كويتي بزيادة نسبتها 68.6% عن الحساب الختامي للسنة المالية السابقة، وانخفاض نسبتة 31.8% عن موازنة الحكومة التقديرية للسنة المنتهیة في 31 مارس 2020.

وكباقي الدول تأثرت الكويت بجائحة كورونا، واضطرت الحكومة في ظل استمرار تراجع أسعار النفط إلى تخفيض الإنفاق ما عد البنود المتعلق بالصحة، إذ قامت بتعديل ميزانيات الوزارات ومخصصات الهيئات الحكومية في موازنة 2020/2012  بزيادة مبلغ 500 مليون دينار كويتي، لتغطية خطة مواجهة كورونا.

ومشكلة عجز الموازنة في الكويت قديمة وبدأت تطفو إلى السطح بعد 2016، إذ اعتمدت الكويت على متانتها المالية في مواجهة أزمة انهيار أسعار النفط التي انفجرت عام 2014، دون أن تضع خطة جادة لتنويع الاقتصاد أو ترشيد الإنفاق الحكومي، لتلجأ للمرة الأولى إلى أسواق الدين العالمية في 2017 لإصدار سندات بقيمة ثمانية مليارات دولار، ومنذ هذا التاريخ لم تقدم على مثل هذه الخطوة، لعدم وجود قانون يسمح برفع سقف الدين العام.

وفي ظل غياب قانون الدين العام ستكون الحكومة مجبرة على السحب من صندوق الاحتياطي العام مع العلم أن أصوله السائلة على وشك النفاد، ما اضطر الحكومة إلى اقتراح تدابير أخرى مثل مشروع القانون الذي تقدمته به أخيرا لتعديل القانون رقم 106 لسنة 1976 لوقف استقطاع نسبة الـ 10% من إيراداتها النفطية لصالح صندوق احتياطي الأجيال القادمة في أحوال، والذي تؤكد الحكومة أنه سيسهم في حال إقراره من قبل مجلس الأمة في تخفيض عجز الميزانية.. يشار هنا إلى أن مجلس الأمة سبق وأن رفض المساس بصندوق الأجيال باعتباره ضمانة الأجيال المقبلة في حياة كريمة في حال نضوب النفط الكويتي.

كما اقترحت الحكومة بيع أصول تعود لصندوق الاحتياطي العام إلى صندوق الأجيال القادمة بما يسمح بتمويل عجز الميزانية بمصادر محلية.

وتحذر وكالات التصنيف الائتماني من تسويف الحلول لمعالجة مشاكل تمويل عجز الموازنة الكويتية وصولا إلى نضوب موارد صندوق الاحتياطي العام “السائلة”، ما قد ينتج عنه ضغط قاس على الموازنة وإجراءات تقشفية حادة مع ضعف في الأداء الاقتصادي للبلاد.

وسبق أن حذر صندوق النقد الدولي من هذا الأمر وقال في تقرير صدر مايو الماضي: وسط استمرار السحب من صندوق الاحتياطي العام من أجل تمويل الإنفاق الحكومي نتوقع استنفاد أصوله المتاحة بسهولة في أقل من عامين بدون التحول لمصادر تمويل جديدة، منوها إلى أن اللجوء إلى الاقتراض من الأسواق العالمية من شأنه تقليص السحوبات من صندوق الاحتياطي العام واستمراره لفترة أطول.

وقدر الصندوق احتياجات الكويت تمويلية على مدى السنوات الست المقبلة بنحو 180 مليار دولار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى