صراع الغاز في "المتوسط" نار لا تهدأ.. إسرائيل وتركيا واحتمالات الصدام


١١ يناير ٢٠٢٠

كتب – عاطف عبد اللطيف

الصراع حول الغاز والثروات النفطية في البحر المتوسط يضم العديد من الأطراف والدول، وتسعى تركيا ولا تزال للحصول على نصيب وافر من "كعكة النفط" ومناطق التنقيب عن الغاز في المتوسط، وفيما توترت الأجواء بشكل كبير بين كل من مصر واليونان وقبرص من جانب وتركيا من جانب آخر على خلفية توقيع تركيا وحكومة الاتفاق اتفاقًا للتنقيب عن النفط والغاز في الشواطئ الليبية ومحاولة أنقرة التدخل العسكري في طرابلس.

يأتى هذا بعدما أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تحريك قوات عسكرية لنصرة ما أسماه شرعية حكومة الوفاق برئاسة حليفه فايز السراج ضد قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر - وهذا كهدف معلن - فيما يكمن السبب الحقيقي لتحرك أردوغان في نيل امتيازات أكثر للتنقيب عن النفط في المياه الإقليمية الليبية وما يشاطئها، وهو ما ترفضه العديد من دول المتوسط تتقدمهم مصر واليونان وقبرص وفرنسا وإيطاليا، ودول عربية ترفض الحل العسكري التركي في ليبيا بينهم الجزائر وتونس والمغرب.

وانضمت إسرائيل إلى الصف الرافض لتدخل تركيا في ليبيا وتشكيل خطر إقليمي كبير، كما رفضت تل أبيب تزايد النفوذ التركي في البحر المتوسط، الجمعة قبل الماضي، ندد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، والرئيس القبرصي نيكوس اناستاسياديس في بيان مشترك للدول الثلاث، قرار تركيا بنشر قوات عسكرية لها في ليبيا.

وذكر البيان، الذي أوردته وكالة أنباء (كاثميريني) اليونانية: "أن قرار تركيا بنشر قوات عسكرية لها في ليبيا يمثل تهديدًا خطيرًا للاستقرار الإقليمي"، مُشددًا على أنه يعتبر انتهاكًا لقرار مجلس الأمن الدولي لعام 2011، الذي يحظر توريد الأسلحة إلى طرابلس".

كما وصفت الدول الثلاث القرار بأنه يقوض الجهود الدولية الرامية إلى التوصل لتسوية سلمية من شأنها أن تضع حدًا للصراع القائم في ليبيا، بحسب البيان.


حبال الود

في وقت سابق، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن إسرائيل لن تتمكن من نقل الغاز إلى أوروبا عبر البحر المتوسط دون موافقة بلاده. وأكد أردوغان في حوار مع قناة "تي أر تي" المحلية، أن أنقرة لن تسمح بأي خطوات أحادية الجانب في البحر المتوسط، وهو ما زاد من التوتر المعلن بين البلدين.

وأضاف قائلًا: "لن تتمكن إسرائيل من نقل الغاز عبر البحر المتوسط دون موافقتنا، ولا تستطيع اليونان ومصر وإسرائيل وقبرص اتخاذ أي خطوة دون موافقتنا بعد توقيعنا على مذكرة التفاهم مع ليبيا"، يأتي هذا استمرارًا للجفاء المعلن بين البلدين بعدما خفضت تركيا مستوى العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل في عام 2018 وعاد كلا السفيرين إلى بلادهما.

التغيير في سياسة المصالح بين البلدين كأمواج البحر، فالرفض الإسرائيلي للتدخل التركي في ليبيا سبقه تسليم تركيا، في ديسمبر الماضي، رسالة إلى إسرائيل، أعربت خلالها عن استعدادها لخوض التفاوض مع تل أبيب، حول نقل إمدادات الغاز الإسرائيلية إلى القارة الأوروبية عبر الأراضي التركية.

ووفقًا لقناة "كان 11" العبرية، وصلت الرسالة إلى إسرائيل عن طريق مسؤول تركي كبير في مجال الطاقة، قال إن: "تركيا ستكون سعيدة بإسرائيل إذا قامت بإعادة تقييم خيار نقل الغاز من تل أبيب إلى أوروبا، عبر تركيا".

وأوضح المسؤول التركي أن بلاده "تنتظر تشكيل حكومة مستقرة في إسرائيل وتعيين وزير طاقة جديد لبحث هذه المسالة".

وأوضحت هيئة البث الإسرائيلية أن "هذه الرسالة تختلف عن مواقف تركية سابقة مفادها أن أنقرة لن تسمح بمد أنابيب غاز إسرائيلية إلى أوروبا عبر المياه البحرية الإقليمية والأراضي التابعة لتركيا" إضافة إلى ذلك، أخبر المسؤولون في تركيا القائم على السفارة الإسرائيلية أنهم لن يسمحوا بوضع خط الأنابيب، وأضافوا أيضًا أنهم مستعدون للحوار والمفاوضات مع إسرائيل حول قضية الغاز الطبيعي.

وأضاف المسؤولون أنفسهم: "من الصحيح أن الرئيس وجه تهديدات، لكن رسالته الرئيسية كانت أننا نريد الحوار والتعاون، وليس الصراع".

وبدوره، قال القائم على السفارة الإسرائيلية إن هناك بعض المشاكل القانونية في محاولاتهم لمنع بناء خط أنابيب الغاز بين إسرائيل وقبرص واليونان وإيطاليا، والمقصود به نقل الغاز الطبيعي من إسرائيل إلى أوروبا.

وفي وقت سابق، أفادت "كان 11" بأن إسرائيل تعتقد أن تصريحات تركيا العدوانية بشأن هذه القضية تعني أنها تحاول الحصول على موطئ قدم في قطاع الغاز المتطور في مياه البحر المتوسط.

عداء

قالت المتخصصة في تحليل الخطاب الإعلامي الإسرائيلي، الدكتورة رانيا فوزي، إنه على أثر التغيرات الحاصلة في البحر المتوسط والعدائية الحاصلة الآن بين تركيا وإسرائيل؛ لمحاولة "أنقرة" تحويل البحر الأبيض المُتوسط إلى منطقة نزاع جديدة، لا مفر من أن تجد تل أبيب نفسها جزءًا من الأزمة الليبية، وفي تقديري ليس مستبعدًا أن يكون الدعم الإسرائيلي لطرف ما بالأزمة الليبية يتم بشكل غير مباشر، وفي ترجيحي أن تأخذ صف المشير خليفة حفتر عبر وساطة طرف ثالث من الدول المعادية للتدخل التركي بالمنطقة، ويكون دعمها على شكل مُساعدات أو تقديم استشارات استخباراتية على أقصى تقدير.

وذهبت رانيا فوزي في تصريحات خاصة لـ"رؤية" إلى أن التدخل الإسرائيلي الصريح في المشهد الليبي أمر مستبعد خاصة في ظل المأزق السياسي والأمني الحاصل الآن في إسرائيل؛ فحكومة تصريف الأعمال بزعامة بنيامين نتانياهو لن يكون بمقدورها فتح جبهة جديدة فجبهتها الشمالية مهددة الآن بالاستهداف من إيران وتابعيها بعد اغتيال الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس.

وأضافت: لا أستبعد تدخل إسرائيل في الخفاء، حيث تعد ليبيا قطعة عقارية اقتصادية واستراتيجية مهمة في العالم، فهي كعكة مغرية للاعبين الدوليين بما فيهم إسرائيل، خاصة بعد ما مرت به البلاد من أحداث مرورًا منذ عام 2011 وحتى الآن جعل منها فريسة للتدخل الأجنبي نظرًا لتدهور وضعها المركزي؛ فتركيا وقطر لأسباب سياسية واقتصادية هدفهما الرئيسي تصدير الإرهاب الداعشي لمصر وممارسة مزيد من الضغط السياسي عليها بما يدفعها للقبول بموائمة سياسية مع مصدري الإرهاب للمنطقة وهما الرئيس التركي رجب أردوغان وأمير قطر تميم بن حمد.

ومع التباين في المواقف حسب المصالح المتبادلة بين حكومتي أنقرة وتل أبيب، ورغم الموقف المعلن برفض تل أبيب تدخل تركيا في ليبيا عسكريًا بحسب البيان الثلاثي المشترك بين (إسرائيل واليونان وقبرص)، هل تنضم إسرائيل إلى صف المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي وتتصدى لأطماع أردوغان النفطية في المتوسط أم إلى صف فايز السراج رئيس ما يسمى بحكومة الوفاق وتطلق يد رئيس تركيا لنهب ثروات طرابلس؟


اضف تعليق