التقاريرثقافة

لويز جليك: عليك دائما أن تندهش قبل أن يصيبك الملل حد البكاء

رؤية

“كنت أكتب عن الموت منذ استطعت الكتابة. على وجه التحديد منذ كنت في العاشرة وأنا أكتب عن الموت. صحيح أنني كنت فتاة حيوية. الشيخوخة أكثر تعقيداً. وليس الأمر أنك ببساطة أقرب إلى موتك، إنها قدراتك العقلية التي تعتمد عليها – تناسقك الجسدي وقوتك ونباهتك الذهنية – هذه أشياء تتعرض للخلل أو التهديد. إنه موضوع من الطرافة التفكير فيه والكتابة عنه”.

تستلهم لويز جليك، الفائزة بجائزة نوبل للأدب هذا العام؛ أعمالها من جمال وبساطة الطبيعة، وذكريات الطفولة. تقول: “كنت طفلة منزوية، وكان تفاعلي مع العالم ككائن اجتماعي، قسرياً وغير طبيعي كثيراً وكنت في قمة السعادة عندما كنت أطالع، لم يكن الأمر بهذه المثالية فكنت أشاهد التلفزيون وآكل كثيراَ أيضاً”.

وتوضح: “منذ سن الرابعة أو الخامسة أو السادسة بدأت بقراءة القصائد، وبدأت أرى الشعراء الذين كنت أقرأ قصائدهم بوصفهم رفاقي وأسلافي ـ منذ البداية آثرت أبسط المفردات. ما فتنني كان الاحتمالات التي يتيحها السياق الذي توضع فيه المفردة”.

وقالت الأكاديمية السويدية في حيثيات منحها “نوبل”، إن جليك كوفئت “على صوتها الشاعري المميز الذي يضفي بجماله المجرد طابعاً عالمياً على الوجود الفردي”.

وأكدت الأكاديمية أن جليك “تكتب شعراً روائياً حالماً يستحضر ذكريات وأسفاراً ويتردد ويتوقف لفتح آفاق جديدة، فيه يتحرر العالم ويحلق قبل أن يحضر مجدداً بسحر ساحر”.

ولدت جليك في 22 أبريل عام 1943 في نيويورك في كنف عائلة يهودية منحدرة من المجر ونشأت في حي “لونغ آيلند” ونشرت ديوانها الأول وهي في الخامسة والعشرين بعد تخرجها من جامعة كولومبيا. وبلغ مجموع دواوينها سبعة عشر ديوانا منهم “وجه يدنو” و”انتصار أخيل” و”القزحية المتوحشة” و”افيرنو” عام 2006 الذي يعتبره النقاد الأمريكيون الديوان الأهم في مسيرتها الشعرية. إضافة الى كتاب حول الشعر بعنوان “براهين ونظريات: مقالات في الشعر” صدر عام 1994.

لا تنتمي جليك الى أي تيار شعري أو مدرسة نظرية كما هو حال غالبية الشعراء الأمريكيين الذين يصنفون في خانة واضحة دون الأخرى. ولعل الخاصية الأكثر طغيانا في شعرها هو الميل الى المتحرك وكل ما يمثل سيرورة متحولة في الحياة والطبيعة والنفور من الجماد والأشياء المكتملة و المنتهية والميتة مقابل الشغف بما هو ناقص ومتوتر وقابل للتنقل من صيغة الى أخرى. هكذا يلاحظ النقاد أن شعرها يحبل بمواضيع مثل الولادة والشيخوخة والحداد والموت والخيانة والخذلان.

لم تكمل لويز جليك دراستها، وتزوجت وسرعان ما انفصلت عن زوجها، وبدأت تلفت الانتباه عام 1968 من خلال ديوانها “فيرستبورن” (الطفل البكر)، وقد عرفت الاستقرار النسبي من خلال زواجها الثاني فاستأنفت دراستها وأصبحت أستاذة جامعية، وتدرس حاليا في جامعة يال.

تقول الباحثة في مجال الأدب أليسون كوك “من خلال عمل جليك الشعري نرى أن الكثير من الشخصيات المحورية في قصائدها من النساء، فإما تكون امرأة شابة تعرف على أنها ابنة أحد ما، أو أنها أم”.

وتضيف: “المرأة الشابة في شعر غلوك تندمج في الخطاب النسوي المتواصل منذ عقود عدة حول ما معنى أن يكون المرء امرأة”.

يعتبر شعر جليك متاحاً للجميع فهي تعتمد لغة بسيطة يفهمها كثيرون، وهي من أتباع الأسلوب المتجرد، حيث تأثرت في شبابها بشعراء معروفين بوضوح تعبيرهم الأدبي مثل وليام باتلر ييتس (نوبل العام 1923) وت.س. إليوت (نوبل 1948).

تحبك الحديقة
ومن أجلك تلطخ نفسها بالخضرة
وبأحمر الورود
لكى تدخليها على عشاقك
أترين كيف أنشأت أشجار الصفصاف
خيم الصمت الخضراء هذه
لكن ما زال ثمة ما تحتاجين إليه
جسدك لين جدا، حى جدا،
بين الحيوانات الحجرية
اعترفى أنه من الرهيب أن تكونى مثلها
بمنأى عن الأذى

تقول جليك: صراعات ومباهج البشر، أولئك الذين يولدون ثم يجبرون على الخروج. أظنني أكتب عن قابليتي للفناء لأن من الصدمات المزعجة في الطفولة أن تكتشف أنك لن تمتلك هذا إلى الأبد.

وتضيف: إنك تكتب لكي تكون مغامراً. أود أن أُحمل إلى أماكن لا أعرف عنها شيئاً. أود أن أكون غريبة في المكان. من الأشياء الطيبة القليلة التي يمكن قولها عن الشيخوخة أنك تعيش تجربة جديدة. وثمة ما يقال عن هذه الحال. أعتقد أن عليك دائماً أن تندهش وأن تبدأ من جديد، على نحو ما، وإلا فسأصاب بالملل إلى حد البكاء. وقد مررت بأوقات ظننت أنني كتبت تلك القصيدة. إنها قصيدة جميلة، ولكنك كتبتها من قبل.

وترى جليك في حوار أجرته بعد فوزها بنوبل: “كل من يكتب يستمد قوته ووقوده من أكثر الذكريات قدماً، ومن الأشياء التي غيرتك أو لمستك أو أثارتك في طفولتك. قرأ والداي عليّ برؤيتهما العميقة الأساطير الإغريقية، وحين استطعت القراءة بنفسي واصلت قراءتها. شخوص الآلهة والأبطال كانت أكثر حيويةً بالنسبة لي مما كانت للأطفال الصغار الآخرين في الحي في لونغ آيلاند”.

وغالبًا ما توصف “جليك” بالشاعرة ذات طابع السيرة الذاتية، يُعرف عملها بكثافته العاطفية وبتصويره المتكرر للخرافة أو التاريخ أو الطبيعة للتأمل في التجارب الشخصية والحياة العصرية.

كان زمناً
تحدّه المتناقضات، حيث
لم أحس بشيء
وكنت خائفة.
الشتاء أفرغ الأشجار، وأعاد ملأها ثلجاً.
لأنني لم أستطع الإحساس، تساقط الثلج، تجمدت البحيرة تماماً.
لأنني كنت خائفة، لم أتحرك؛
نفَسي كان أبيض، لوناً للصمت.
مرّ زمن، بات شيء منه هكذا.
وشيء منه تبخّر ببساطة؛
تستطيع رؤيته عائماً فوق الشجرات البيضاء
يشكّل ندف ثلج.
تنتظر الزمن الملائم طوال حياتك.
ثم يكشف الزمن الملائم
عن نفسه كفصل انقضى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى