التقاريرثقافة

نجيب سرور.. جثة في نعش ترى الناس دمى من قش!

رؤية

في أسرة فقيرة ولد سرور في 1 يونيو عام 1932 بقرية أخطاب بالدقهيلة لأب فلاح فقير، ليصبح “ابن الشقاء” يراه بعينيه يلف جسوم الملايين من أمته، ليخبرنا فيما بعد عن قريته وعمدتها “الإله” الذي يحيط بأعناق أبنائها كالقــدر، بعدما شهد ضرب والده بالحذاء من هذا “الإله”، فيظل يتساءل لماذا أبي؟

وكان أبي صــامتا في ذهول

يعــلق عينيــه بالزاويـة

وجـدي الضــرير

قعيـد الحصــير

تحسسني وتولى الجـواب: بني.. كذا يفعل الأغنيــاء بكل القرى

بدأ سرور يقول شعرا نضاليا وهو لا يزال تلميذا، ليظل عالقا بذهنه حتى بعد انتقاله إلى القاهرة والتحاقه بكلية الحقوق، لكن ميله المبكر إلى المسرح جعله يتجه في نفس العام إلى المعهد العالي للفنون المسرحية، وعندما تخرّج وأخذ الدبلوم 1956 ترك كلية الحقوق، حيث تم تعيينه بالمسرح الشعبي.

لم يمر عامان حتى ذهب سرور في بعثة لموسكو، وهناك ضرب العزلة حول نفسه لاقتناعه بأن المبعوثين المصريين آنذاك كانوا منتقين بعناية من أجهزة المباحث بحيث لا يفلت منهم تقدمي واحد.. وهناك تزوج من طالبة الآداب السوفيتية ساشا كورساكوفا التي أنجب منها ولديه شهدي وفريد.

بعد عودته إلي مصر بدأ مسيرته الفنية التي استوحى خلالها التراث الشعبي استهلها عام 1965 بـ “ياسين وبهية” وأخرجها كرم مطاوع، وتمثل الجزء الأول من ثلاثيته التي تضم “آه يا ليل يا قمر” و”قولوا لعين الشمس”. وسرعان ما تجددت معاناته عام 1971 عندما كتب وأخرج “الذباب الأزرق” عن مذابح أيلول الأسود في الأردن، إذ منعت أجهزة الرقابة في القاهرة عرض المسرحية.

عاش نجيب إحباطات شعرية لا تنتهي فقد أدركته حرفة الأدب، وكتابة الأشعار، فكان نصيبه التشرد والحبس، يفتش في مدينته عن اسمه فلا يجد سوى الموت الأسود، الذي لا تجدى معه الحرب، ولا يجدى معه غير الصبر والإصرار والصمت، بل والمكر!

كان السجن والاضطهاد والنفي والفصل من العمل بل والاختطاف من الشارع وإيداعه بمستشفى الأمراض العقلية؛ جزاء للشاعر الماركسي الثائر الذي لا يلين وظل يهاجم في نصوصه المسرحية الأنظمة العربية.

في مدينته ظل نجيب يموء كقطة جريحة فى البرد بغير مأوى، يقطع كل يوم رحلة الضياع، فلا يرى الصباح سوى وجه قرد، ويرى كل الناس دمى من قش، يعيش بينهم “جوعان فى القرن العشرين/ والإنسان الجائع كلب”..!

“ماعدشي غير دمي ياللا سيحوا دمي، أنا صليبى تعب يا مصر من كتفي، أنا أبويا انقتل يا مصر بعد أمي، وأنا كمان هانقتل وَلّا هاموت منفي”.. لم يعمر سرور طويلا حيث رحل في مثل هذا اليوم 24 أكتوبر 1978 بمدينة دمنهور عن 46 عاما، وكان قد تنبأ بموته أكثر من مرة “أنا عارف إني هاموت موتة ما متها حد/ وساعتها هايقولوا لا قبله ولا بعدُه/ وبطانة بتقول يا عيني مات في عمر الورد/ وعصابة بتقول خُلُصْـنا منه .. مين بعده”!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى