التقاريرالصفحة الرئيسيةثقافة

«المالد».. تراث روحاني في حب النبي المصطفى

محمود طلعت

يتمايلون بأكتافهم يمينًا ويسارًا بأشكال منتظمة، تعطي انطباعًا عن اندماجهم الشديد، واستغراقهم في حب الكلمات المنشدة، وتماهيهم في أوصاف صاحبها، ويردد المنشدون البيت الشعري الذي يكون «اللازمة» المغناة في النشيد.

فن «المالد» وجذوره

إنه فن «المالد» أو «المولد» كما اشتهر اسمه، وهو موروث إسلامي قديم تعود جذوره إلى أهل التصوف ويتم خلاله الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم من خلال أداء الأناشيد، وقراءة قصة ولادته عليه الصلاة والسلام.

وترجع جذور هذا الفن إلى استقبال أهل المدينة المنورة للنبي صلى الله عليه وسلم عند قدومه مهاجراً إليها من مكة المكرمة، وفتيات المدينة من بني النجار ينشدن في استقباله:

طلـع الـبــدر عليــنا .. مـن ثنيـــات الوداع

وجب الشكر عليــنا .. مـا دعــــا للـــه داع

أيها المبــعوث فيــنا .. جئت بالأمر المطاع

جئت شرفت المدينة .. مرحبا يا خيــر داع

ما الذي يقرأ في «المالد»؟

يتم في «المالد» قراءة بعض النصوص النثرية والشعرية ذات المستوى الرفيع، التي كتبت لسرد قصة ولادة النبي صلى الله عليه وسلم ومجمل سيرته، أو في مدحه وذكر شمائله الشريفة.

ومن أشهر النصوص النثرية التي نالت القبول عند العلماء وعامة الناس، مولد «عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر»، الشهير بـ«مولد البرزنجي»، لمفتي الشافعية بالمدينة المنورة زين العابدين جعفر بن حسن البرزنجي (المتوفى سنة 1177هـ/1764م) وهو من الموالد التي تقرأ في مختلف البلاد حول العالم.

المالد في الموروث الإماراتي

تنوعت طرق أداء هذه الأناشيد بتنوع البلاد، وتنوع اللغات والشعوب التي تعبر عن محبتها للنبي صلى الله عليه وسلم، ومواجيدها الروحية.

ففي الموروث الإماراتي يعبر «المالد» عن الجانب الروحي، حيث المحبة، والتعلق بالقيم الروحية السامية، والتعريف بشخصية نبي الرحمة، وتعلق القلوب بها، والتراحم المجتمعي، والجمال والفن، وهذا هو الإسلام الذي ورثه أهل هذه البلاد منذ عصور، ولم يزل إلى يومنا هذا.

أداء «المالد» في الإمــارات

تأدية «المالد» في الإمارات يتم بإحدى طريقتين، الأولى يتم خلالها قراء النصوص النثرية، كمولد «البرزنجي» أو غيره من الموالد التي تسرد قصة النبي عليه الصلاة والسلام، وكثيرًا ما يقتصر الناس في المناسبات الصغيرة على قراء قصة المولد من كتاب «البرزنجي».

أما الطريقة الثانية فتكون بالإنشاد الجماعي للقصائد، وفي الغالب ما تكون من شعر سلطان العاشقين عمر بن الفارض، أو الشيخ عبدالرحيم البرعي، أو الإمام عبدالله الحداد.

وقد تستخدم فيه «السماعات» جمع «سِماع» وهو الدف، ويكون إنشاده بجلوس المنشدين في صفين متقابلين، في أحد الصفين يجلس «النظيم» وهو قائد المجموعة ويجلس معه المنشدون الذين يحملون «السماعات»، وهم الذين ينشدون أبيات القصيدة الرئيسية، وفي مقابلهم يجلس صف «الرديدة» الذين يكررون أبيات القصيدة.

قصيدة “البردة” للبوصيري

ومن أشهر النصوص الشعرية أيضا قصيدة “البردة” للإمام البوصيري، التي تعد علامة لافتة في تاريخ الأدب العربي، وقد ارتبطت بوجدان المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها منذ أنشدت، ولأهل الإمارات عناية بهذه القصيدة، حيث كان ينشدها الكبار على ظهور الإبل.

ويتغنى بأبيات البردة المنشدون والمغنون، وينظم على منوالها العلماء والشعراء، وقد أقام الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مبادرة ضخمة باسم «البردة» لإحياء ذكرى الحبيب صلى الله عليه وسلم، لا تزال قائمة إلى اليوم.

مجالس شهيرة بإقامة «المالد»

ومن المجالس الشهيرة بإقامة المالد في إمارة أبوظبي: مجلس أسرة آل نهيان الحاكمة والتي توارثت إقامة «المالد» منذ عهود قديمة، وكذلك مجلس أسرة آل حامد، ومجلس آل عتيبة، ومجلس أحمد بن خليفة السويدي.

وفي دبي عند حكام الإمارة من آل مكتوم، وآل مجرن من المرر، وفي عدد من مجالس الأعيان والتجار كالفطيم، وتجار البستكية وغيرهم.

وفي الإمارات الشمالية تقام الموالد عند القبائل الشحية، في رأس الخيمة ودبا، وعند الحماديين وآل علي في خورفكان وكلباء، وآل بو مهير في منطقة المعيريض برأس الخيمة، واللزيمة بإمارة أم القيوين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى