التقاريرالصفحة الرئيسيةسياسة

فرنسا.. عوامل داخلية وأطراف خارجية تؤجج التطرف والإرهاب

رؤية –  جاسم محمد

تشهد فرنسا اليوم تحديًا أمنيًا كبيرًا في محاربة التطرف والإرهاب، تأتي هذه التحديات أكثر في أعقاب شن السلطات الفرنسية حملة واسعة، ضد المراكز والجمعيات والمساجد، التي ينشط خلفها الجماعات المتطرفة وجماعات الإسلام السياسي والإخوان المرتبطة بالتنظيم المركزي، تركيا و قطر.

إن توقيت حدوث عمليات إرهابية، وبهذه الدرجة من الدموية، وأن يقوم شاب مهاجر، بذبح أبرياء داخل كنيسة في مدينة نيس الفرنسية، يوم أمس 29 أكتوبر 2020 له دلالات كبيرة؟ هي رسالة تحد لفرنسا و”قيمها “الاجتماعية والثقافية، ورفض للتعايش السلمي، هي رسالة تهديد من الداخل.

التطرف والإرهاب في فرنسا، ممكن أن يكون نتيجة عوامل محلية وسياسية في نفس الوقت.

العوامل الداخلية: 

ـ الطبيعة الديموغرافية: إن الطبيعة الديموغرافية للجاليات المسلمة، البعض منها ذات خلفيات مغاربية، شمال أفريقيا وأفريقيا، انتقلت إلى فرنسا، مع تراكماتها “الأيدلوجية” المتطرفة.

ـ الانعزالية : تعيش غالبية الجاليات المسلمة في أحياء منعزلة بأطراف باريس والمدن الفرنسية، لتصبح على شكل محميات، لها “ثقافتها” ولغتها وعاداتها وتقاليدها ولا تمت بصلة  لفرنسا بقدر ما تكون امتدادًا إلى البلد الأم.

ـ  المجالس والجمعيات والمساجد: استغلت جماعة الإخوان المسلمين في فرنسا المجالس والجمعيات والمساجد لتكون واجهة عمل لها، بعد أن نجحت بالالتفاف على قوانين التسجيل تحت جمعيات ومؤسسات مختلفة. بعض تلك المراكز نقدم الدعم اللوجستي للتنظيمات المتطرفة خارج أوروبا والبعض الآخر يقوم بالتحريض على الكراهية والتطرف، خاصة بين الشباب.

ـ التمويل الخارجي: تحصل جماعة الجماعات المتطرفة على تمويل خارجي، خاصة من دول مثل قطر وتركيا وإيران، ويتم غسيل الأموال عن طريق شراء العقارات أو التجارة، وهذه لا تخضع للرقابة الحكومية. لكن الحكومة الفرنسية انتبهت لذلك مؤخرا، وأصدرت قوانينها منذ عام 2018 لمعالجة ذلك.

ـ مدارس اللغة العربية الخاصة: استغلت جماعة الإخوان تحديدًا وكذلك بقية جماعة الإسلام السياسي، بكل أنواعه ومذاهبه، مدارس تعليم اللغة العربية، إلى أبناء الجاليات، هذه المناهج تتضمن دروس ” دينية” يتم وضعها وفقًا لمناهج الإسلام السياسي في تفسير النصوص الدينية والشرح.

ـ أئمة المنابر: ما زالت فرنسا إلى جانب دول أوروبا، تعتمد على أئمة من خارج فرنسا، من دول مثل تركيا وشمال أفريقيا،يقومون بتعليم أبناء الجاليات سلوكيات “منغلقة” تمثل البيئة التي خرجوا منها، أكثر ما تدعو إلى سلوكيات العيش في دول أوروبا بالتعايش السلمي والاندماج في المجتمع. انتبهت الحكومة الفرنسية لذلك وأصدرت قبل أيام قانون جديد يمنع استقدام الأئمة من الخارج.

ـ محاربة التطرف مجتمعيًا: تعاني فرنسا إلى جانب دول أوروبا، من نقص في برامج محاربة التطرف مجتمعيا، برامج الوقاية من التطرف أو منع النزوح إلى التطرف، وبرامج نزع “التطرف العنيف” الذي يشمل الجماعات التي حصل على الخبرات القتالية إلى جانب داعش في سوريا والعراق ودول أخرى. وبجانب ذلك هو برامج إعادة الاندماج بالمجتمع بتوفير فرص العمل والدراسة وتقديم الدعم النفسي، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأطفال والقاصرين وعائلات المقاتلين الأجانب.

ـ عسكرة الأمن: إن نشر قوات الجيش والشرطة في باريس وشوارع مدن فرنسا، أبرزها عملية الحارس بنشر أكثر من سبعة الآلاف جندي، يمكن أن يثير سلوكيات العناصر المتطرفة، ويجعلهم أهدافًا يمكن مهاجمتها. يذكر أن نشر القوات على الأرض، لا يمنع حدوث عمليات إرهابية، على غرار “الذئاب المنفردة” ولكن ممكن أن تقلل أي خسائر، وذلك يعتمد على قوة الرد السريع للقوات المنشورة على الأرض.

ـ اليمين المتطرف: يستغل اليمين المتطرف العمليات التي تنفذها عناصر أو مجموعات إسلاموية متطرفة، من أجل تحشيد التظاهرات وفبركة الأخبار ضد الجاليات المسلمة، وهذه ما يخلق كراهية وعنفًا أكثر، يحرض على التطرف والإرهاب.

ـ طموحات سياسية : تسعى الحكومة الفرنسية البقاء في السلطة، وتراهن على كسب أصوات أكثر في مواجهة اليمين المتطرف، بالرهان على  منح حرية التعبير عن الرأي” بشكل غير منضبط لتصل إلى حالة التطرف الليبرالي، اليساري، وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذه السياسة: بعدم الفصل ما بين حرية الراي والتطرف، مثل التجاوز على الأديان والرموز الدينية مهما كانت الديانة، تمثل مصدر لصنع الكراهية والعنف والتطرف والإرهاب داخل فرنسا، ولا يمكن لفرنسا، تجاوز معضلة “التطرف المحلي” دون معالجات تلك المشكلة أو تفسير أو توضيح أكثر.

العوامل الخارجية

ـ  مكافحة الإرهاب: دور فرنسا في مكافحة الإرهاب خارج أراضيها وداخل التحالف الدولي، في سوريا والعراق ودول الساحل الأفريقي ـ قوة برخان، وغرب أفريقيا، يجعلها أن تكون وسط أعين الجماعات المتطرفة.

ـ دور فرنسا في ليبيا : الدور الفرنسي في ليبيا إلى جانب أطراف إقليمية مثل مصر، كان له دور كبير، في إفشال أو تعطيل خطط الرئيس التركي أردوغان في ليبيا وفي غرب أفريقيا ودول الساحل الأفريقي، بحثا عن المصالح الاقتصادية، والتي تمثل تهديدًا مباشرًا لمصالح الفرنسية هناك.

ـ دور فرنسا في شرق المتوسط: لعبت فرنسا دورا بارزا في ردع البحرية التركية وتهديداتها لليونان ولحدود الاتحاد الأوروبي، وتقدمت فرنسا كثيرا على دول أوروبا في مواجهة تهديدات أردوغان شرق المتوسط ولحدود أوروبا. 

ـ دخول أردوعان على خط الأزمة : استغل أردوغان خطاب ماكرون الأخير، ولعب على بعض التوصيفات والعبارات، ليقوم بتصريحات تحشيد داخلي وخارجي ضد فرنسا، وليس مستبعدًا أن شبكات عمل أردوغان داخل فرنسا وخارجها، دفعت منفذ العملية وغيرها بالتحريض على الإرهاب.

الرئيس الفرنسي انتقد الرئيس التركي بسبب سياسته في سوريا وليبيا ومؤخرا بسبب النزاع العسكري بين أرمينيا وأذربيجان حول منطقة ناغورني كاراباخ المتنازع عليها، مما أدى إلى الزيادة في حدة نبرة الخطاب من أنقرة حيث دعا الرئيس أردوغان إلى مقاطعة البضائع الفرنسية.

المعالجات 

 قدمت فرنسا الكثير من الإنجازات في مجال محاربة التطرف والإرهاب محليا ودوليا، وتمتلك فرنسا ما يكفيها من التشريعات والقوانين، لكن ما تحتاجه فرنسا اليوم تحديد، تقديم تفسيرات أكثر إلى خطاب ماكرون وضروري جدا، أن تضع حدا للجماعات الليبرالية المتطرفة إلى جانب الجماعات الإسلاموية واليمينية واليسارية المتطرفة، بعدم التجاوز على الأديان والرموز الدينية.

التنسيق مع بعض دول منطقة الشرق الأوسط المعروفة في محاربتها للتطرف ومع مشيخة الأزهر في موضوع استقدام الأئمة. بات ضروريا أن تعتمد أيضا فرنسا سياسات محاربة التطرف مجتمعيا أكثر من عسكرة الأمن.

وعلى الأمم المتحدة، مجلس الأمن أيضا تفعيل قرارات الأمم المتحدة المعنية في محاربة التطرف والإرهاب، لوضع حد لسياسات أردوغان بالتحريض على التطرف ودعم الإرهاب دوليا وإقليميا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى