التقاريرالصفحة الرئيسيةثقافة

قبر ابن هشام النحوي.. هزمه الإهمال أمام باب النصر

كتب – عاطف عبداللطيف وهدى إسماعيل

قبر مهمل على يسارك في مقابر الصوفية التي يفصلها عن باب النصر، أحد أشهر أبواب القاهرة التاريخية، طريق للسيارات، دفن أسفله أحد أساطير النحو والصرف واللغة العربية إنه “ابن هشام”. قد تمر بالشارع الرئيسي للمقابر ولا تلتفت له، لكن تدلك عليه بقايا لافتة رخامية كبيرة للعالم الجليل كتب عليها: “هذا مقام العالم العلامة والإمام العظيم والصوفي الجليل مؤسس علوم النحو في اللغة العربية وعلم أعلام الطريقة الكناسية الأحمدية الحسيب النسيب الشريف العارف بالله سيدي أبومحمد عبدالله جمال الدين بن هشام الكناسي الأحمدي المتوفى في عام 761هـ، رضي الله عنه ونفعنا ببركاته، آمين”.

رغم حداثة اللافتة إلا أن نصيبها من الإهمال كان وافرًا ولحقت بحال القبر المغلق ذي الباب الواحد، تكسر نصفها الأسفل. للقبر شباكان مغلقان مزخرفان إلا من فتحات تسمح بمرور الضوء والهواء، تعلوه حجرة للسكن لها سلم حديدي أكله الصدأ، وتحيط بالقبر القمامة من كل جانب؛ فصناديق القاذورات ومخلفات الورش تحاصره من الجانبين، ويجاور القبر من داخل البوابة الخارجية حمام عمومي تفوح منه روائح منتنة وهو حال لا يليق بالقبر ولا صاحبه ولا يراعي حرمة الموت.

البداية

ولد الشيخ الإمام العالم العلامة بن هشام النحوي، وهو ابن هشام جمال الدين بن عبدالله بن يوسف بن عبدالله المصري، فارس اللغة العربية ومالك زمامها وشيخ مشايخ النحاة في زمانه في شهر ذي القعدة من عام 708هـ بالقاهرة وتلقى بها دراسته الأولى، تعلم العلوم الدينية وأتم حفظ القرآن الكريم وعلوم اللغة العربية كالنحو والصرف حتى صار حجة في علم اللغة العربية وعقدة في الفنون الأدبية.

جمع وصنف وقرط الآذان- أي كأنه ألبسها قرطًا وهو الحلق- فأسكت من حضر ونفع الطلبة وأفاد وأجاب عن المسائل النحوية وأجاد، وذلك طبقًا للدراسة الأثرية للباحث الآثاري أبوالعلا خليل.

اللغة والدين

ويرى خبير الآثار الدكتور عبدالرحيم ريحان أنه طبقًا للدراسة فإن الفقيه ابن هشام النحوي تعلم الفقه في أول عمره على المذهب الشافعي، وقبل وفاته بخمس سنوات انتقل إلى المذهب الحنبلي، وحضر مدارس الحنابلة، ومن جميل شعره: (ومن يصطبر للعلم يظفر بنيله.. ومن يخطب الحسناء يصبر على البذل/ ومن لم يذلَّ النفس في طلب العلا.. يسيرًا يعش دهرًا طويلًا أخا ذل.

كان بن هشام النحوي ذا قدرة شديدة في التعبير عن مقصوده بما يريد مسهبًا وموجزًا مع التواضع والبر والشفقة ودماثة الخلق ورقة القلب مع كثرة الديانة والعبادة مما جعله موضع تقدير وإعجاب معاصريه من العلماء والفقهاء.

أسطورة النحو

وذكر ابن خلدون، شيخ مؤرخي المغرب، في كتابه الشهير “المقدمة” عن ابن هشام النحوي (ما زلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر بمصر عالم بالعربية يقال له ابن هشام أنحى من سيبويه)، ومن مؤلفاته الشهيرة في النحو كتابه الإعراب عن قواعد الإعراب، وكتاب مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، ويقول عنه ابن حبيب صاحب تذكرة النبيه (ولو لم يكن له غير كتابه مغني اللبيب لكفاه وأغناه).

وتوفي، مساء يوم الخميس، خامس ذي القعدة سنة 761هـ، ودفن بمقابر الصوفية خارج باب النصر في القاهرة بعد صلاة الجمعة، ورثاه الشعراء بقصائد طوال، ويبدو أن من نعى موته تنبأ بما سيكون عليه حال قبر العالم النحوي الكبير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى