التقاريرالصفحة الرئيسيةمنوعات

غالية.. حلم عمره 25 سنة «خاص»

كتابة وتصوير: سهام عيد

“في ليلة صيف جميلة منورة، كان القمر مستخبي بس النجوم ملعلة، ليلتها أنا مكنتش لسه بقيت أم، لكن ليلتها حلمت أجمل حلم.. عند بوابات الجنة كان واقف بيدور، لابس أبيض في أبيض ووشه كان منور، بدأ يشاورلي في سلام على كرسي فاضي جنب سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام..

قالي الكرسي ده محجوز ليكي، بس لو أنتي اختارتي الجنة بين إيديكي، قال صلى الله عليه وسلم: “أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى”..  

“قلبي كان مليان بيكي عرفت ساعتها، لازم أعمل إيه ليكي، عملت كل اللي كان لازم يتعمل على طول، وابتديت أدور عليكي في كل مكان معقول، معنديش فكرة إزاي بس دلوقتي عرفت ليه، ليلتها كان الليل صافي والنجوم كانت بتلمع فيه، ليلة ما شوفت الحلم كان يوم ولادتك، وبعدها بأسابيع وقعت أنا في حبك.. أه مشلتكيش في بطني وولدتك بس انتي جيتي من قلبي وده يخليني أمك..

يمكن جيتي الدنيا دي لوحدك، لكن أوعدك عمرك مهتبقى تاني لوحدك، مفيش حاجة في العالم أقدر عليها مش هعملهالك، ولا يمكن هخلي أبدا أي حد إنه يئذيكي أو يصعبهالك، باقي أيام حياتك هتكون مليانه حب وحنان ورعاية.. من النهارده أنتي بتاعتي أنتي حبيبتي، وبنتي للنهاية”.

لا تزال تفاصيل الرؤية التي حلمت بها ياسمينة محفورة في وجدانها منذ قرابة 25 عامًا، لم تدرك حينها سبيلًا لتحقيقها لكنها عزمت على تنفيذ الخطوة يومًا ما، دونتها في مذكراتها واحتفظت بها في هاتفها حتى تحقق الحلم وأصبح واقعًا ملموسًا ووهبها الله “غالية”.

ياسمينة وغالية

حكاية ياسمين الحبال -40 سنة- بغالية بدأت أول العام الجاري حينما علمت أن وزارة التضامن قامت بتحديث الإجراءات الخاصة بطلبات الكفالة، إذ أصبحت تسمح للفتيات اللاتي لم يسبق لهن الزواج، والمطلقات والأرامل، بأن يكفلوا أطفالًا، فضلًا عن إمكانية تغيير اسم الطفل، ومنح الوصاية التعليمية الكاملة لصاحب الطلب.

تسهيل الإجراءات شجع ياسمينة على تنفيذ الخطوة، خاصة إن حلم “كفالة طفل” كان يداعبها منذ سنوات، قائلة: “حكايتي مع الكفالة بتبتدي قبل كده بكتير أوي، من 25 سنة تقريبا من وأنا في المدرسة زرت أول دار رعاية في حياتي من ساعتها، وأنا عارفه إني هاخد الخطوة دي في مرحلة ما في حياتي، عمري ما فكرت إني هاخدها لوحدي، حتى كنت بفكر إني لما أتجوز وأخلف إني هكفل طفل مع ولادي وكدا، بس أهو النصيب بقى، ربنا أراد أنها تكون لوحدي”.

عن فكرة احتضان الطفل في منزلها، تشير ياسمينة إلى أن الأطفال مكانهم الأساسي وسط الأسرة وليس الدور، وكل طفل من حقه أسره تحبه وترعاه، كما أنه لم يشعر بالانتماء في الدار لأي شخص لتعدد مهام المشرفة ومتابعتها أكثر من طفل في وقت واحد، فضلا عن عدم استمرارها في وظيفتها للأبد، فقد يجد الطفل مشرفة جديدة يتعامل معاها كل سنة، الحياة صعبة وجافة ليس بها مشاعر ولا دفء.

وتضيف ياسمينة: “البني آدم عشان يطلع سوي مش محتاج ياكل ويشرب ويلبس ويروح مدرسة، كل العيال ممكن يبقى عندهم ده لكن مش كلهم بيبقوا أسوياء، لو مفيش مشاعر مفيش طبطبة مفيش حد بيكلمهم ويعرفهم هما بفسهم لنفسهم”.

سألت عن  الإجراءات واتجهت إلى وزارة التضامن لتقديم الطلب، ثم بدأت تعرض الفكرة على الناس: “يوم ما قدمت في الوزارة ورجعت قولت لصديقتي المفضلة، وقولت لأختي، وبعدين قولت لبابا، وقولت لباقي الناس، صاحبتي قالتلي انتي ليه تشيلي عبء إنك تغيري المجتمع مع نفسك، المجتمع مش قابل الفكرة، ليه تبقى انتي في وش المدفع، ليه تجيبي لنفسك تعب القلب، وتعرضي نفسك لكلام الناس اللي ممكن يبقى سخيف وجارح، قولتلها عشان أنا أقدر”، هكذا قالت ياسمين.

تفاصيل الإجراءات

في خلال أسبوع واحد كانت ياسمينة قد أنهت الإجراءات وقدمت الطلب أونلاين وجهزت الأوراق المطلوبة الخاصة ببياناتها الشخصية وتفاصيل دخلها “مفردات المرتب أو أي دخل ثانوي” وحالتها الاجتماعية، ونوع الطفل الذي ترغب في كفالته، ثم اتجهت إلى مديرية التضامن حتى تخاطب الإدارة السكنية التابعة لها لمتابعة الملف وعمل بحث ميداني “زيارة منزلية”، مضيفة: “روحت قدمت بعدين الإجراء اللي بعد كدا إن المديرية بتخاطب الإدارة اللي انتي تبعها تبع منطقتك السكنية عشان تبعتلهم الملف بتاعك وهما يبدأوا يعملولك زيارة اسمها بحث اجتماعي أو بحث ميداني، يشوفوا البيت اللي انتي ساكنة فيه يصلح لتربية طفل ولا لا، علاقتك بالجيران عاملة إزاي، سمعتك في المنطقة عاملة إزاي، هما بيسألوا الشخص نفسه هما بيسألوكي انتي عن كل الحاجات اللي عايزين يعرفوها، بالذات لو انتي قايلالهم مش عايزة حد من المنطقة يعرف إنك هتجيبي طفل تكفليه في البيت يعني عشان في ناس كتير بتبقى مش قايلة لحد بس ده بيخلص وبيرجع تاني للمديرية، وكدا ورقك تمام، وإن البحث الاجتماعي ده نتيجته إيجابية، الخطوة الجاية بتخشي اللجنة العليا، اللجنة اللي بتقرر انتي بقى وكل الأسر اللي تبعها وطالبه كفالة تعملهم مقابله، وبعدين يا يقبلوا، يا يرفضوا”.

تتابع: “أنا روحت عملولي إنترفيو أنا وكل الأسر اللي مقدمة، تاني يوم على طول عرفنا اللي اتقبل اتقبل واللي متقبلش، وخدنا جوابات المشاهدة دي بيبقى مكتوب فيه اسمي ورقم بطاقتي، وإني أنا اتقبلت من اللجنة العليا وإني من حقي أروح الدار الفلانية وأشوف الأطفال، أنا ببقى قايلالهم إني عايزة أروح الدار الفلانية، والمديرية كمان بتساعدنا إنها بتوجهنا للدور اللي فيها أطفال رضع أو أطفال سنواتهم متقاربه مع السنوات اللي طالبينها”.

رحلة البحث عن غالية

بعد حصول ياسمينة على الموافقة الرسمية من الوزارة والمديرية، بدأت تبحث عن طفلتها، قائلة: “قبل مختار غالية شوفت 8 ولاد قبليها، 5 بنات و3 صبيان مفيش ولا حد فيهم علق معايا، بعدين في يوم واحده من الأسر اللي كانت معايا في اللجنة، وورقها اتقبلت زي كدا في نفس اللجنة لما اتعرفنا على بعض في الوزارة، بعتتلي صورتها قالتالي البنت دي موجودة في السويس، أنا أخدت واحدة ودي التانية تيجي تشوفيها لو لسه ملقتيش بنتك، شوفت الصورة قولت هي دي بنتي اللي بدور عليها، وكنت ناوية أدور عليها شوية كمان في القاهرة بس هي طلعت في السويس، أعملها إيه بقى نروح السويس نجيبها”.

تضيف: “بعدها بيومين روحنا، كانت غالية بتعيط وأول مدوهاني سكتت، قولتلهم خلاص يا جماعة انتوا عايزيني أقول إيه هي دي بنتي خلاص، اتعلقت بيها من لحظة ما مسكتها في حضني، وخلاص أتأكدت إني دي بنتي، ربنا بعتهالي أنا، وبعتلي الست دي مخصوص تروح السويس مخصوص قبلي عشان تقنعني أروح آخدها”.

حينما وجدت ياسمينة غالية واختارتها كانت في عمر الأسبوعين، وقانونًا لا يمكن استلامها قبل أن تتم الطفلة الثلاثة أشهر، ففي خلال تلك الفترة بدأت ياسمين في تجهيز غرفة غالية الخاصة بالمنزل وتحضير استقبال يليق بها فهي حلمها التي تسعى لتحقيقه بكل شغف وحب.

تضيف: “مكنتش لسه بدأت اشتري الحاجات، ومكنتش عارفه هلاقي بنوتة عندها قد إيه، بنتي هتبقى سنها قد إيه حجمها قد إيه، فمبدأتش اشتري غير لما اختارتها، ومن سن أسبوعين لسن 3 شهور وأسبوع واحنا بنجهز الأوضة وبنجيب هدوم بناتي ومراجيح وتوك”.

حلم الأمومة

فضلت ياسمينة اختيار طفل في سنواته الأولى لإشباع غريزة الأمومة من جهة وتحقيقه، وخلق ذكرياتها مع الطفل منذ المهد من جهة أخرى: “لو الوزارة كانت تسمحلي آخدها من سن يوم كت خدتها”، هكذا قالت ياسمين.

تضيف: “أنا وكل الناس كنت حاسه إن الموضوع هيبقى صعب في الأول، وكل الناس قالتلي يا بنتي طب خديها أكبر شوية، تكون عندها سنة مثلا أو تكون خلصت رضاعة وتسنين قولتلهم لا أنا لو أقدر آخدها من وهي كان عندها يوم كنت خدتها عشان ابتدي معاها المشوار من الأول”.

تتابع: “مش عايزة يبقى معاها ذكريات في أي حتة تانية غير معايا، أنا عايزة أرضعها أنا أصلا دلوقتي برضعها طبيعي، يعني جنب اللبن الصناعي باخد بروتوكول الأدوية وكورس الرضاعة الطبيعي مع الدكتور عشان أنا عايزة ده، عايزة إحساس الأمومة من أوله ليه استسهل”.

“غالية بالنسبالي بقت حياتي كلها، كل حاجة بتحصل حوالين غالية، عايزة انزل يبقى حوالين مواعيد رضعتها، أو هنزل في وقت رضعته يبقى معانا الرضعة والغيار، كل حاجة بتلف حوالين اللي هو هعمل حاجة بشوفها الأول مناسبه لغالية ولا لا، عايزة أروح حتة أشوف هتنفع بغالية ولا لا، عايزة أرجع الشغل لازم أظبط حضانة لغالية الأول، هكذا قالت ياسمين.

تنوي ياسمينة أن تصارح غالية بتفاصيل قصتهما معا، قائلة: “ناوية أول متبتدي تكبر وتفهم، هنبتدي نحكي حواديت عن الكفالة والتبني والأسر المختلفة وكل الحجات دي، وأول متبتدي تفهم هفهمها أنها زي الولاد دول، هي مجاتش من بطني هي جات عن طريق الكفالة، بس هي خلقها ربنا علشاني، عمرها مكانت هتبقى بنت حد تاني غيري بغض النظر مين اللي جابها من بطنه”.

عن تفاصيل حياة أهل غالية الحقيقيين واحتمالية ظهورهم يومًا ما، لفتت ياسمين إلى أنها سألت كتير في الدار وكانوا يحرصوا على طمأنتها بأن المحضر ليس به شيء مثير للقلق، لكنها عرفت من بعض الأشخاص في الدار أنها فقدت أسرتها في حادث سير كبير، وبعد ذهاب والدتها كانت في غيبوبة عند وصولها المستشفى وبعد ولادة غالية توفيت، ولم يجدوا مع أسرتها أي أوراق شخصية وتم دفنهم مجهولين، وفي الغالب الأم كانت ذاهبة للولادة وقت وقوع الحادث لأن الطفلة جاءت الدنيا مكتملة النمو ولم تحتج لحضانة، ومن وقتها لم تطابق مواصفاتهم مع أحد مجهول ولا ظهر أحد للسؤال عنهم حتى الآن.

تحلم ياسمينة أن ترى غالية سعيدة ومحققة ما تريده في المستقبل: “لما تكبر تبقى اللي هي عايزاه، احنا مش عارفين هيبقى عندها ميول فنية، ولا موسيقية، رياضية، هندسية، طبية، هي حرة، نفسي ربنا يقدرني بس واخليها تطلع اللي هي عايزاه وراضية ومرضية”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى