اقتصادالتقارير

قمر «عين الصقر».. هكذا تصنع الإمارات الأمل للآخرين

كتب – حسام عيد

بالتزامن مع اليوم الوطني الـ49، كانت دولة الإمارات العربية المتحدة على موعد مع تسطير إنجاز جديد حينما أطلقت بنجاح يوم الأربعاء 2 ديسمبر 2020، القمر الاصطناعي “عين الصقر” من المحطة الفرنسية “غويانا” الواقعة على الساحل الشمالي لأمريكا الجنوبية بواسطة صاروخ “سويوز” الروسي.

إطلاق ناجح لقمر “عين الصقر”

واستغرقت أول 3 مراحل من الإطلاق مدة 8 دقائق و48 ثانية، وتم تنفيذها بواسطة المحركات المشتعلة بالوقود، أما المرحلة الرابعة فتمت عن طريق وحدة الارتفاع والتوجيه العلوي “FREGAT” لتوجيه القمر إلى مداره المنخفض المتزامن مع الشمس، وانفصل القمر عن الصاروخ بعد 58 دقيقة من الإطلاق.

واستغرق تصنيع القمر “عين الصقر” 5 سنوات، علمًا أن المشروع نفذه فريق إماراتي يضم خبرات وكفاءات وطنية من القوات المسلحة في مجال إدارة المشاريع الضخمة وهندسة الأنظمة العسكرية والفضائية.

وتم دمج خبراء وفنيين مواطنين وأجانب في مجال التصنيع الفضائي، مع نخبة من المهندسين الإماراتيين الشباب، وفق ما أفادت “وكالة الأنباء الإماراتية، وام”.

وباشر فريق المشروع العمل مع المصنعين في تصميم وتطوير وصناعة النظام ومتابعة جدول أعمال المشروع خلال تواجدهم في المنشآت الفرنسية في مدينتي تولوز وكان. وبدأ بمرحلة تصميم القمر عن طريق تطوير التكنولوجيا المتوفرة وتحليل الأداء الشامل للمنظومة المصممة.

ومن ثم تم تصنيع أجهزة وأجزاء القمر بالمواصفات المطلوبة، والتأكد من جاهزيتها لتركيبها ودمجها لبناء القمر الاصطناعي النهائي، وصولًا إلى إخضاع القمر المتكامل لاختبارات شاملة لتأهيله للبيئة الفضائية القاسية، والتأكد من تحمله عملية الإطلاق، وضمان عمل وصحة جميع أنظمة القمر الاصطناعي.

وتم بعد ذلك، نقله من مدينة تولوز الفرنسية إلى غويانا الفرنسية في الأول من فبراير الماضي، حيث باشر الفريق الفني لدولة الإمارات منذ وصول القمر الاصطناعي، بتجهيزه للإطلاق عبر إجراء سلسلة من الاختبارات في موقع الإطلاق.

وشملت مرحلة اختبارات ملاءمة القمر على حامل القمر، واختبارات سلامة القمر وتزويده بوقود الهايدرازين، والأعمال المشتركة بين القمر والصاروخ، وتغليف القمر بغطاء الحمولة، ودمج القمر على الصاروخ، والجاهزية النهائية للإطلاق، بينما توقفت الأعمال من مارس إلى أكتوبر الماضي بسبب جائحة كورونا والأحوال الجوية غير الملائمة للإطلاق.

مميزات “عين الصقر”

وصمم القمر الاصطناعي “عين الصقر” لتوفير تغطية عالمية لمدة 10 سنوات قادمة، ومن أبرز مميزاته:

– مزود بنظام تصوير عالي الوضوح والدقة وبمجرد دخوله إلى مداره المنخفض حول الأرض سيبدأ عملية التقاط صور فضائية للأرض وإرسالها إلى محطة التحكم الأرضي.

– يتميز مدار القمر بأنه يكمل 15 دورة على الأرض بشكل يومي وسيتم استلام الصور مباشرة على المحطة الأرضية التابعة لمركز الاستطلاع الفضائي عن طريق محطات قطبية تسهم في سرعة وصول الصور.

– يمتلك “عين الصقر” محطة متنقلة قادرة على إرسال واستقبال الصور من أي منطقة في العالم. وسيتم استخدام صور القمر في مجالات المسح الخرائطي، والرصد الزراعي، والتخطيط المدني، والتنظيم الحضري والعمراني، والوقاية من الكوارث الطبيعية وإدارتها، ورصد التغيرات في البيئة والتصحر، فضلاً عن مراقبة الحدود والسواحل.

– يخدم القمر كذلك القوات المسلحة في توفير صور وخرائط عالية الدقة تساعدها في تحقيق مهامها بكل كفاءة واحترافية.

تعزيز التنافسية الإماراتية

وبإطلاق “عين الصقر” تسجل الإمارات إنجازًا نوعيًا جديدًا، يعزز من مكانتها مركزًا للأقمار الاصطناعية المتقدمة، حيث سيصبح هذا القمر هو الرابع لأغراض الرصد الذي تمتلكه الدولة، ليرتفع عدد الأقمار الاصطناعية للدولة إلى 12 قمرًا إضافة إلى عدد من الأقمار المكعبة الصغيرة للأغراض التعليمية والبحث والتطوير في مجالات تقنيات الفضاء.

ويضيف هذا الإنجاز الجديد إلى خبرات الإمارات في مجال الأقمار الاصطناعية، حيث كان لها السبق قبل سنوات في إطلاق مشروع “الياه سات”، والذي يعد أول مشروع من نوعه يخدم القطاعين العسكري والمدني من خلال أقماره في منطقة الشرق الأوسط حيث يركز على نقل المعرفة والخبرة الفضائية، إضافة إلى شراء الأنظمة وصناعتها.

إن نجاح دولة الإمارات في مجال الأقمار الاصطناعية يعزز من تنافسيتها على خارطة الدول المتقدمة، بعد أن أصبح امتلاك برامج الفضاء والقدرة على الانخراط في مجال تصنيع الأقمار الاصطناعية أهم مؤشرات قياس قوة الدول وتطورها المعرفي والتقني في العالم المعاصر. كما أن الانخراط الناجح في مجال الأقمار الاصطناعية وتكنولوجيا الفضاء بوجه عام بات جزءا لا يتجزأ من الاقتصاد الوطني والأمن القومي لدولة الإمارات، لأن هذه المجالات ترتبط بشكل وثيق بالتقدم في العديد من المجالات الأخرى، المدنية والعسكرية، ومن ثم فإنها تمثل إضافة حقيقية لقوة الدولة الشاملة.

واستطاعت دولة الإمارات أن ترسخ من مكانتها ضمن الدول الكبرى في مجال علوم الفضاء، فمنذ إنشاء وكالة الفضاء الإماراتية في منتصف عام 2014 ، وإنجازاتها لا تتوقف، لأنها تمتلك طموحات وآمال كبيرة ليس لها حدود، وتمضي بخطى واثقة وثابتة نحو تحقيق أهدافها، ففي أكتوبر 2018 دخلت عصر التصنيع الفضائي الكامل بإطلاق “خليفة سات”، وتواصل جهودها الحثيثية لوصول أول مسبار إماراتي “مسبار الأمل” إلى كوكب المريخ في العام 2021، الذي يتزامن مع احتفالات الدولة باليوبيل الذهبي لتأسيسها، وتطمح إلى إيصال البشر إلى الكوكب الأحمر خلال العقود المقبلة، من خلال مشروع “المريخ 2117″، الذي يتضمن برنامجًا وطنيًا لإعداد كوادر علمية بحثية تخصصية إماراتية في مجال استكشاف المريخ، من أجل بناء أول مستوطنة بشرية على الكوكب الأحمر خلال مائة عام. وها هي الآن تطلق القمر الاصطناعي “عين الصقر” إلى مداره.

هذا الإنجاز لم يكن ليتحقق لولا الدعم الكبير من جانب قيادة الإمارات، وعلى رأسها الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة القائد الأعلى للقوات المسلحة، والشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، والشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حيث شكلت رؤيتهم الطموحة لانخراط الإمارات في مجال الفضاء وتصنيع الأقمار الاصطناعية الدافع الأكبر لأبناء الوطن للنجاح في هذا المجال الحيوي الدقيق الذي يعتمد على العلوم والتكنولوجيا والبحث العلمي واقتصاد المعرفة؛ وفق ما أفاد مطر سالم علي الظاهري وكيل وزارة الدفاع.

وختامًا، يعد نجاح الإمارات في إطلاق القمر الاصطناعي “عين الصقر” إلى مداره إنجازًا فريدًا من نوعه، لأنه يثبت أن دولة الإمارات العربية المتحدة تمتلك كل الإمكانيات والقدرات التي تجعل منها نموذجًا ملهمًا في صناعة الأمل للآخرين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى