التقاريرسياسة

في مركز الإنذار المبكر .. خبراء يناقشون الوجود الإسلامي في الغرب

رؤية

ناقش خبراء في مركز الإنذار المبكر، قضية الوجود الإسلامي في أوروبا والعالم الغربي ومستقبله، في ظل استمرار مظاهر العنف الإسلاموي المتطرف، وصعود اليمني الشعبوي الذي يغذي عنفًا مضادًا ورافضًا لإمكانية التعايش أو استيعاب الجاليات الإسلامية ضمن المجتمعات الغربية، وكذلك التوتر الجيوستراتيجي النابع من أزمات الشرق الأوسط الذي تتجاوز حدوده لتشمل المناطق المحيطة به خاصة شمالي المتوسط.

خاصة أن المسلمين في أوروبا يقعون تحت تأثير الجماعات الإسلاموية الأصولية وداعميها في البلدان الأوروبية، وهو ما يطرح التساؤلات حول العلاقة بين الإسلام وعلمانية الدولة الغربية. وكذلك مدى كفاءة برامج مكافحة التطرف في التعامل مع “الذئاب المنفردة” أو “الشبكات والخلايا النائمة” المتسربة للداخل الغربي.

وقد حاول منتدى مركز الإنذار المبكر إعادة قراءة هذا المشهد المركب من خلال حوار مع خبراء وباحثين مختصين في هذا الملف، وهم المؤرخ المصري شريف يونس. والدكتور عاصم حفنـي أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة ماربورغ، مونستر- ألمانيا. والدكتور وائل صالح المدرس المشارك في معهد الدراسات الدولية، بجامعة كيبك، كندا. وجورج فهمي الباحث بمركز مسارات الشرق الأوسط بالجامعة الأوروبية بفلورنسا، إيطاليا.

استثمار إشكالية الإندماج

قال شريف يونس: إن الاستنتاج المنطقي لانفجار الإرهاب في أوروبا، أنه ناتج تحديدًا عن استثمار تيار الصحوة الإسلامية لأزمات المسلمين الغربيين وإشكالية الإندماج بين ضفتي المتوسط، وسعيه إلى إقامة ما أسماه الرئيس الفرنسي، ماكرون بـ“الانفصالية الإسلامية”. وهو ما تمثل في “الجيتوهات” السَكَنية أو النفسية، التي مثلت أرضا خصبة لعمل التنظيمات الجهادية المعولمة مثل القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية.

وقد سعى هذا التيار باستمرار إلى توسيع الفجوة وتأكيد الفوارق وتعميقها بين أعضائه والمتأثرين به من المسلمين، وبين بقية المجتمع، وتعميق رفض قيم الحضارة الحديثة عموما، سواء في جنوب المتوسط أو شماله. هذه النزعة الانفصالية (القائمة على مبدأ المفاصلة) تشكل القاعدة أو البيئة التي تنطلق منها العمليات الإرهابية، وتجد فيها ظهيرها الداعم، سواء بالمساعدة أو بالتأييد والدفاع.

احتكار الإسلاميين للدين

قال وائل صالح: ليست الأزمة في المقام الأول أزمة تنافر بين “القيم” الإسلامية والغربية، كما أنها ليست أزمة نابعة من المجتمعات المضيفة ولا هي عجز الجاليات الإسلامية عن الاندماج. فعن أي إسلام نتكلم؟ وأي مجتمع مضيف نقصد؟ وعن أي جاليات مسلمة نتحدث؟  ثانيا كل ذلك جزء من الأعراض وليس بيت الداء.  بيت الداء هو الإسلاموية.  مسلمو الغرب تعدد مرجعياتهم وأشكال التدين الرئيسة فيها. ويمكن الإشارة إلى ثلاث: الإصلاحية، الإسلاموية، الليبرالية الإنسانوية. وكل شكل من أشكال التدين تلك يقدم أنموذجًا نظريًا، فلسفيًا، سياسيًا، دينيًا وأخلاقيًا مختلفًا. وحال التوتر بين هذه التيارات الثلاثة التي تعيش عليها وتغذيها الإسلاموية قد ساهم بلا جدال في توليد الكثير من التحديات.

فهناك ما أسميه “متلازمة الإسلاموية”، أي مجموعة من العلامات والأعراض والظواهر المرتبطة مع بعضها تلازم وتنتج عن أي تواجد لهم في الفضاء العام وتتنافى مع القيم الأساسية للمواطنة والعيش المشترك. وتتمثل أعراض هذه المتلازمة في احتكار الإسلاميين للحقيقة والدين؛ حيث تقدم الإسلاموية تفسيرا واحدا للدّين وللتاريخ الإسلامي على أنه من الحقائق الثابتة، بل وتسعى لفرض هذا التفسير -دون غيره- بالقوة على المجتمع، والعزلة الشعورية عن المجتمع؛ وسيادة شعار “أينما تكون مصلحة الجماعة فثم وجه الله” في ممارستهم السياسية، وغياب مفهوم المواطنة وسيادة فكرة الولاء للجماعة العابرة لحدود الدولة الوطنية، فضلاً عن سيادة مبدأ التكفير المبرر للعنف في نهجها السياسي للوصول للحكم، وغير ذلك من أعراض. وبتلك المتلازمة أعادت الإسلاموية  تشكيل سؤال اندماج المسلمين  في المجتمعات الغربية وهل صدرت أزماتها الأصلية إلى المجتمعات الغربية التي فيها قطاعات عريضة ما زالت تخلط بين الإسلام والإسلاموية.

التعالي على الآخر

وقال عاصم حفني: إن الأزمة الحالية لها أبعاد مركبة وجزْء منها مرتبط بتنافر القيم؛ خاصة فيما يتعلق بالوافدين الجدد من موجات اللجوء الأخيرة، وليس فقط الأجيال السابقة من المهاجرين الذين حققوا درجة من الاندماج في المجتمعات الغربية. (اختلاف القيم يسبب تنافر ويعوق الاندماج) ومعظم من يأتي حديثًا يكون محملاً بصور نمطية عن “الانحطاط الغربي” والانحلال الأخلاقي”، وكذلك وجود صورة متعالية عن الذات باعتبارها أكثر رقًيا من الآخر الغربي المنحل. وهناك قطاع من المسلمين المقيمين لديهم مشكلة في قضية “الولاء” للدولة المضيفة أم دولة الأصل. وأنا أتحدث تحديدا عن المسلمين الأتراك باعتبارهم الأغلبية بين الجالية الإسلامية في ألمانيا (يشكلون حوالي 75% من تعداد المسلمين) ومعظم هؤلاء منتمون إلى حركات ومساجد تحمل خطابًا معاديًا “للدستور” والعلمانية في سياقها الألماني. كذلك هناك شعور لدى قطاع من المسلمين بالظلم بسب وضعية العالم الإسلامي وأزماته المستمرة ودور الغرب فيها، سواء كنا نتحدث عن فلسطين أو سوريا أو حتى أفغانستان. من ناحية أخرى، هناك إخفاق من قبل الدولة الفرنسية أو الألمانية بدرجة أقل في التعاطي مع قضية الإدماج، وهو أخفاق ناتج عن سياسات تدفع كثير من المسلمين إلى التقوقع على الذات أو الانضواء تحت حركات تدعم هذه الروح الانعزالية. (عدم نجاح المحاولات القائمة في منح الشعور بالمساواة لدى المسلمين مع بقية الشعب الألماني، سواء في المدارس أم أماكن العمل، واستمرار القضايا الإشكالية للحجاب والنقاب وغيرها التي تعطي المرأة المسلمة شعورا برفض المجتمع لها ذلك.).

الحفاظ على الهوية

قال جورج فهمي: إن الأزمة الحالية ذات شقين: الأول هو تبني قطاع من مسلمي اوروبا للفكر المتطرف الديني والثاني هو رغبة قطاعات من مسلمي أوروبا في الحفاظ على هويتهم الدينية من خلال أنشطتهم التعليمية والثقافية وأحيانا السياسية. لا تتعلق الأزمة الأولى، ازمة التطرف، بالتطرف الإسلامي فقط؛ فهناك أيضا تطرف اليمين المتشدد، وكلا التيارين يغذي أحدهما الاخر.  وتتطلب مواجهة كلا التيارين جهودًا من مؤسسات الدولة، وكذلك المجتمع المدني بهدف صياغة سياسات لمواجهة التطرف. يجب التأكيد في هذا الشأن أن المنخرطين في تنظيمات دينية متطرفة هي أقلية صغيرة. ففي فرنسا على سبيل المثال، الغالبية الساحقة من مسلمي فرنسا لا علاقة لهم بتلك الأفكار والتنظيمات بل ويرفضونها.

أما الأزمة الثانية، فتتعلق بسعي مسلمي أوروبا الحفاظ على هويتهم الدينية من خلال حياتهم اليومية في أوروبا. والأزمة هنا بالتحديد، تخص فرنسا التي أعادت تعريف ” علمانيتها” خلال العقود الاخيرة لتتحول من الفصل بين الدولة والمجال الديني، إلى انخراط الدولة بشكل أحيانًا يبدو “فجًّا” من أجل إنهاء أي وجود ديني داخل المجال العام.  لا تتبع دول اوربية أخرى مثل ألمانيا والمملكة المتحدة ذات النهج العلماني “الغاضب”، ولا هو كذلك الحال في دولة غربية اخرى مثل الولايات المتحدة، والتي تقدم نموذجًا مغايرًا للنموذج للفرنسي قائمًا على القبول بالتنوع الثقافي والديني داخل المجال العام مع بقاء الدولة على مسافة واحدة من كل الجماعات الدينية.

للاطلاع على التقرير الأصلي، اضغط هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى