بليغ حمدي.. موسيقار والأصل حلواني


٢٣ مايو ٢٠١٧

أماني ربيع

هو عبور صاخب يُخلف تيارًا من الدهشة أمام حجم هذه الموهبة التي نَفخت روح الشباب في صوت «أم كلثوم» بألحان عصرية شابة ومصرية جداً، ودشنت مرحلة جديدة من عمر صوت «شادية» أخرجتها من عَباءة الأغانِي الخفيفة لتذهب بِصوتها لمناطق لم نكن لنظُّن أنها قادرة عليها.

حلواني الموسيقى المصرية، واللي بنى مصر كان في الأصل حلواني، أي سحر في موسيقى هذا الرجل، إنه ينتقل بك من كرنفالات الفَرح الصاخبة إلى غيابات الحزن الهامس، ومن حسية الحب إلى صوفية العشق الإلهي ببساطة وانسجام قلّما يجتمعان، صوت "النقشبندي" الشجي يبتهِل إلى الله ينفُذ إلى قلبِك مرتفعا بِك إلى السماوات العلا، فَلا يخطر ببالك أبداً أن هذه الألحان لصاحب أغاني "محمد رشدي" بحسيتها ولغتها الشعبية الغنوج.. إنه "بليغ حمدي".. مجدد شباب الموسيقى المصرية.

يقول عن نفسه: "أنا ملحن مصري.. بسيط في جملي الموسيقية، أحرص على استغلال الإيقاع المنتظم في ألحاني".

لم يقع بليغ في فخ عبد الوهاب كما فعل الكثير من ملحني جيله، ورغم استماعه إلى ألحان الموسيقار الكبير في بداية حياة الفنية، إلا أنه وكما جاء على لسانه: "كنت أعشق صوت كارم محمود ومحمد قنديل بألحان محمود الشريف وأحمد صدقي، ولا أقصد بكلامي التقليل من قيمة موسيقى عبد الوهاب، لكن موسيقاه لم تهزني في بداية تكويني الشخصي والفني، بقدر ما تأثرت بمدرسة القصبجي ومن بعده محمود الشريف".

منذ بداياته، كان بليغ مُتفردا، فأفرد لنفسه مكانا ودفع الناس للتساؤل عن تلك الموهبة الشابة وراء أغنية "تخونوه" التي كانت جواز مرور من أعلى مستوى مختوم بصوت عبد الحليم نجم عصره، لفتت الغنوة الحزينة الانتباه لعبقرية شابة بدت وقتها، كوتر نافر وسط ألحان متشابهة كلاسيكية النبرة، فكان ظُهوره بمثابة ثورة حقيقية.

لم تكن تخونوه مجرد بداية نجاح، كانت أيضا بداية قصة حب ستنتظر سنوات لتكلل بالزواج، عندما عشقت وردة ابنة الستة عشر ربيعا أنغام لحن "تخونوه" الحزينة، فنسيت عذوبة صوت العندليب أمام نعومة وشجن موسيقى بليغ، لتترقب بعدها مقابلة ذلك الملحن على أحر من الجمر، وبالفعل تقابله في بيت الفنان محمد فوزي، وتبدأ رحلتهما مع أغنية "يا نخلتين في العلالي".

وردة صوت الحب


"وردة حبيبتي قبل أن تكون زوجتي، وتوأم روحي قبل أن تكون شريكة حياتي".. بهذه الكلمات وصف بليغ وردة التي أقسمت بـ"العيون السود" أنها تحبه حب لا الزمان أو المكان قادر على إنهائه.

ورغم علاقتهما المميزة، لم تستطع وردة الاستمرار وقالت: "بالرغم من حبي الكبير لبليغ ونجاحنا في تجاوز كثير من الأزمات، مقدرتش أستمر في تجاوز العقبات معه كزوجة"، وعللت الانفصال بسهره وتعدد علاقاته العاطفية، سواء التي كانت على علم بها، أو تلك التي كانت تقرأ عنها في الصحف.

كان الانفصال الإنساني بينهما عام 1979، مفاجأة كبيرة للوسط الفني وللجمهور، وكانت حنجرة ميادة الحناوي بمثابة مذكرات شخصية لبليغ يحكي من خلالها بألحانه وكلماته أوجاعه بعد الفراق، فكتب ولحن لميادة أغنيات "أنا بعشقك" و"الحب اللي كان" وهي تروي تجربته مع وردة، وأغنية "فاتت سنة" و"مش عوايدك" وكلها كانت رسائل من بليغ لوردة عن طريق "حنجرة" ميادة الحناوي.

لكن يبدو أن بليغ ملّ من «الواسطة» وقرر يودع صوت قلبه وردة وكتب أنغامه على حنجرتها في رسالة موسيقية عن الحب والحنية والاشتياق والجرح ولامنطقية الحب اللي بتغفر للحبيب رغم الألم فاتولدت "بودعك".

"بودعك بشوق للمسة من يدك.. لمسة وداع

ما أبخلك.. بكرهك، لا.. بعشقك

يا عمر راح ويا الرياح يا حب دافي أنا رحلتك وأنا السماح رغم الجراح

بودعك من غير سلام ولا ملام ولا كلمة مني تجرحك.. أنا أجرحك

بوعدك وفي قلبي حب لو تقسم هيكفي لك في رحلتك وسكتك

الله معك".


"بودعك" لم تكن مجرد رسالة وداع إلى وردة، لكنه ودع فيها الوطن، لتكن فراق بين "المصري جدا" روحا وموسيقى وحبيبته مصر.

ومن هنا نبدأ الكلام عن قصة الحب الأكبر في حياة بليغ وهي مصر، وبليغ والأغنية الوطنية، سلم موسيقي عذب لا أحد يقدر أن يبلغ منتهاه.

مغازلة الوطن


لا تنكر الرعشة التي تستحوذ على قلبك مَع هتاف الكورس "بسم الله، الله أكبر، بسم الله" التي لم يستغرق تأليفها وتلحينها سوى ساعات لتصبح بعدها نشيداَ للنصر.

وحدث عن "وأنا على الربابة بغني"، أي روعة تلك، مِصر تزغرد في كل نغم، الفرحة تغمرك ببساطة آسرة فلا تملك إلا الدندنة وأنت تستمِع إليها أثناء زنقتك في الأوتوبيس أو المترو، أو بينما تقُود سيارتك.

بليغ واحد مِن جيل الرومانتكيين الذين وقعوا في غرام مِصر دون انتظار مقابل، "عدى النهار" مثلا، تلك العبقرية الثُلاثية لـ"الأبنودي والعندليب وبليغ"، عن الحلم الذي لا يموت ومغازلة الوَطن ومواساته كحبيبة، فجاءت الغنوة محملة بأنفاس الشجر الحزين، ومياه الترعة الجارية كنهر من الدموع، تغتسل فيه البِلاد من نِيران هزيمة قصمت الظهور بكل معنى الكلمة، ولادة من الخاصِرة كانت هذه الغنوة، حيث الأمل والألم مُترادفان، الأّمل يخرج بالدم من رحم الألم لكنه يولد رغم كل شيء، "عدى النهار" إنه الموال المصري الخالد عن مصر التي لا تقع أبدا، تلك العنقاء التي تنهض من الرماد بكل قوة وفتوة لتدهش الجميع.

ولتعرف عبقرية هذه الغنوة الفَريدة عليك بالاستِماع إلى نَقيضها وضدها التي لا تقل عنها عبقرية «الحمد لله خبطنا تحت باطاتنا يا محلى رجعة ظباطنا من خط النار» لـ«أحمد فؤاد نجم» و«الشيخ إمام»، والتي تعري التواطؤ والتخاذل، الحقيقة تؤلم، لكنها، الحقيقة،  وجه آخر للحب يسكب العاشق فيه الملح على الجرح ليكويه فيشفى.

بليغ والست


"حب إيه اللي أنت جاي تقول عليه".. لم يدلل ملحن صوت أم كلثوم كما فعل بليغ، أنقذها من كلاسيكية ألحان السنباطي العظيم، الذي يمكن أن تقتل مشوارها بانتهاء عقد الخمسينيات، وبداية الستينيات بصخبها وسرعة إيقاعها، واكب بصوتها العصر، ليبدأ صوتها على أنغامه مشوارا جديدا.

البداية كانت «حب إيه»، 1960، كان بليغ يدندن لحن أغنية «حب إيه» أمام الموسيقار محمد فوزي، ثم سرح قليلا وقال:" الأغنية دي مش هتطلع زي ما أنا عايز غير بصوت سومة"، والغريب أن فوزي رد عليه قائلا: "وهو كذلك"، وهكذا مهّد القدر طريقا ملكيا أمام موهبة بليغ ليصل إلى الكوكب البعيد سومة.

في اليوم التالي، اصطحب الموسيقار جميل القلب محمد فوزي بليغ إلى الأستوديو ليقابل الست، وظنت سومة أنه ابن فوزي، فسن بليغ وقتها لم يتجاوز الثلاثين، وكان جسده نحيلا جدا، ورغم خوف بليغ من رأي أم كلثوم، إلا أنها تمكنت بخبرتها مع أساطين التلحين أن تلمس موهبته من أول كوبليه، وأعجبت بالأغنية، وشدت بها على المسرح في ديسمبر 1960 لتحقق نجاحا ساحقا.




لكن النقلة الحقيقية في مشوار بليغ مع الست كانت «ألف ليلة وليلة» التي رأت فيها سومة تحفة تحتاج إلى «صنايعي شاطر» يبرز جمالها، فلجأت لبليغ وأوصته: "الأغنية دي عايزاها تكسر الدنيا، عارفة إنك مش هاتخيب ظني"، قرأ بليغ الكلمات بتمعن وطلب منها أن تعطيه الوقت ليحضر لها اللحن الذي تريده، وأرفق هذا بطلب غريب أن لا يحاول أي شخص معرفة مكانه.

مر شهر، وبليغ مختف، فزاد قلق الست، واستعانت بعلاقاتها للعثور على الملحن الغائب، لتجده في شاليه على البحر مع العود ودماغه وفقط، وعندما ذهبت إليه، استقبلها بتلقائية قائلا: "أنا مش طلبت منك يا ست الكل إنك ماتدوريش عليا"، فردت عليه سومة بغضب اعتراضا على غيابه الطويل، ليواجهها بحقيقة زادتها غضبا، وهي أنه لم ينته إلا من وضع موسيقى المقدمة فحسب، لكن غضب الست تلاشى عندما استمعت إلى جمال الموسيقى التي سمعتها، وهو ما جعلها تبتسم قائلة: "خد وقتك حتى لو لسه أدامك 3 شهور".




تخلى بليغ عن أهم عاداته في التلحين وهي الجلوس على الأرض، ولحن لها «سيرة الحب» 1964 على فراش المرض، وأنهى مشواره مع صوتها بأغنية «حكم علينا الهوى» والتي غنتها في البروفات فقط، ولم يمهلها القدر أن تغنيها على المسرح.

مكتشف المواهب


نستطيع أن نقول إن "أرب أيدول" و "إكس فاكتور" و"ذا فويس"، وغيرها من برامج اكتشاف المواهب كان لها نسخة قديمة اسمها بليغ حمدي، الذي كان رادارا يرصد المواهب الشابة ليس هذا فحسب، فحتى المواهب التي أثبتت وجودها قبل لقائه، استطاع أن يخلق لها "سكة" جديدة بألحانه، ليتعرف الناس على صوتهم بشكل جديد.

مثلا، موهبة محمد رشدي وصوته المصري الذي تلاقى مع موسيقى بليغ الغارقة في طين مصر لتخرج "عدوية، ع الرملة، آه يا ليل يا قمرـ طاير يا هوى"، وغيرها من الروائع اللي خلت عبد الحليم نفسه يغير، ويقرر الخروج من قالب الرومانسية، ويغنى الموال والشعبي على يد بليغ، لتخرج لنا روائع "أنا كل ما أقول التوبة" و"سواح" و"على حسب وداد قلبي يابوي"، وأدخل بليغ أيضا الموسيقى الإلكترونية لمصاحبة صوت حليم في «موعود» واستخدم آلة الساكس في «زي الهوا» .




أما الدلوعة شادية، فأغلقت باب الأغاني الخفيفة إلى الأبد، لتبدأ رحلتها مع الأغاني المستوحاة من الفولكلور، وكان لها النصيب الأكبر من إبداع بليغ في هذه المنطقة، وكانت «آه يا أسمراني اللون» أول لقاء فولكلوري جمعهما سنة 1966، كما غنت شادية من ألحانه «قولوا لعين الشمس ما تحماش» والتي استوحاها بليغ من الأغانى الفلكلورية التي انتشرت في مصر بعد خلع الإنجليز للخديوي عباس حلمي الثاني، وحرموا عليه دخول مصر، وكان هذا الخديوي من رموز المقاومة ضد الانجليز في ذلك العهد.




وبدأ بليغ في الثمانينيات إعادة صياغة مشروعه الفني باكتشاف أصوات جديدة مثل عزيزة جلال وسميرة سعيد ولطيفة وميادة الحناوي، وعفاف راضي التي تبنى بليغ موهبتها الفنية لسنوات، وكان أول لحن غنته عفاف لبليغ «ردوا السلام» ومن بعده «تساهيل»، «حاسب وأنت ماشي»، و«لمين يا قمر»، و«بتسأل يا حبيبي».

النهاية الحزينة


وكما صادف بليغ حسن الحظ في بداية حياته، صادفه سوء الحظ في نهايتها بعد القضية المشهورة التي أعقبت انتحار إحدى الفتيات من شرفة منزله في ظروف غامضة، والتي أُجبر بليغ بعدها على مغادرة مصر لمدة خمس سنوات قضاها في باريس، وكانت أسوأ سنوات عمره، حيث تدهورت حالته الصحية في منفاه الإجباري.

فتحت الغربة على بليغ أبواب المرض حتى استوطن في جسده ليودع الحياة بعيدا عن الجميع، وفي مستشفى جوستاف في باريس، رقد ليعالج من آثار صراع طويل مع المرض منذ اضطر الى الهجرة من مصر، متنقلا في غربة طويلة ثقيلة على روحه، المرتبطة أبدا بطين مصر وشمسها ونيلها، بين الشرق والغرب.

الكلام عن بليغ حمدي لا ينتهِي أبداً فهو موسيقار بحجم هذا الوطن، لم يشبه أحداً، موسيقاه مَعجونة بالطين المصري إنه «محمود مختار» آخر لكن في عالم الموسيقى المصرية نحت بِبراعة أحاسيسنا في مقطوعات لا يبليها النسيان.


الكلمات الدلالية زمن الفن الجميل بليغ حمدي

اضف تعليق