نتنياهو يراهن على دماء غزة لتدعيم فرصه بالفوز‎


٢٥ فبراير ٢٠٢٠

كتب - محمد عبد الكريم

القدس المحتلة - أظهر أحدث استطلاع للرأي العام الإسرائيلي، اليوم الثلاثاء، وقبل أسبوع من انتخابات "الكنيست" تعادل فرص حزب الليكود الحاكم بقيادة بنيامين نتنياهو، مع حزب "أزرق - أبيض" بزعامة بيني غانتس، تقارب دفعت برئيس وزراء الاحتلال للبحث عن تفاعلات جديدة تعزز من فرص فوزه في انتخابات الكيان الاسرائيلي.

نتنياهو كان يتمنى أن ينجح في الظهور بمظهر القوي الرادع ليس في فلسطين المحتلة فقط، وإنما على مستوى الإقليم أيضا، وبأن يده تطال المقاومة الفلسطينية وأي جهات معادية للكيان الصهيوني، وهو ما دفعه بعد المشهد الدامي بحق الشهيد محمد الناعم في خان يونس بقطاع غزة، وتهتيك جسده وحمله على مقدمة الجرافة، إلى أن يغتال 2 من عناصر من الجهاد الإسلامي في العاصمة السورية دمشق.

أراد نتنياهو من وراء التصعيد الذي انطوى على أكثر من رسالة، أن ينعكس ذلك في صناديق الاقتراع، لكن المقاومة نجحت في أن تسلب منه هذا الإنجاز الذي يطمح إليه، وجَبَت منه أثماناً في أمن المستوطنات الجنوبية، القلق من انعكاسات ردّ "الجهاد" دفع نتنياهو إلى رفع منسوب التهديد، قائلاً إن "القصف سيستمرّ حتى يعود الهدوء"، ملوّحاً باستهداف قادة "الجهاد": "إذا لم يعد الهدوء، فسيأتي دوركم". وفي محاولة لرفع منسوب القلق والتوتر بين الغزّيين والمقاومة، توعّد بأن "المعركة المقبلة ستكون واسعة النطاق، وستتخلّلها مفاجآت لم يُكشف عنها في المواجهات السابقة".

في الوقت ذاته أظهر نتنياهو حرصاً على تجنّب الحرب، وأن تكون "الخيار الأخير" في حال اقتضت الضرورة، بالمعايير الإسرائيلية. وهذا يعود إلى إدراكه أنه ستكون للحرب أثمان مؤلمة جدّاً لإسرائيل، من ضمنها أن الردّ سيمتدّ إلى العمق، فضلاً عن أنها لن تنهي المقاومة.

إزاء تلك المعطيات، بدا نتنياهو مهتمّاً بألّا يمتدّ التصعيد إلى وقت الانتخابات، لأنه إن حدث ذلك، فسيكون مضطراً إلى رفع مستوى اعتداءاته، إذ إن ما دون ذلك سيظهره ضعيفاً ويقوِّض الصورة التي يروّجها.

وفي هذا السياق، رأى رئيس تحالف "أزرق أبيض"، بيني غانتس، أن "ردع إسرائيل سُحق في السنتين الماضيتين بصورة خطيرة، وتمّ فقدان المبادرة"، لكن غانتس اعتبر انطلاقاً من تجربته الشخصية أن "الجولات (مع غزة) ستؤدي في النهاية إلى معركة واسعة، أو أن توافق حماس على تسوية فورية وفعالة وملموسة، ومن ضمنها إعادة الأبناء (الجنود الأسرى)"، محاولاً المزايدة على نتنياهو بتقديم نفسه أكثر يمينية وتطرّفاً في ما يتعلق بالقضايا الأمنية، عبر التوعّد بأن إسرائيل "لن تتردّد في احتلال غزة إذا كان هذا ما تتطلّبه إعادة الهدوء".

التنافس وصل لحد كشف المستور

التنافس الانتخابي في إسرائيل كشف عن زيارة سرّية لرئيس جهاز "الموساد" يوسي كوهين إلى قطر، مطلع الشهر الجاري، إذ إن من تولّى ذلك لم يكن إلا وزير "الأمن" الأسبق أفيغدور ليبرمان، الذي بادر إلى هذه الخطوة على مسافة أيام من الانتخابات العامة، وهو ما أدّى إلى تبادل اتهامات بينه وبين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية إسرائيل كاتس.

وفي البعد الداخلي، تُثبت خطوة ليبرمان أن زعماء الكيان لا يكاد يوفر بعضهم وسيلة ضدّ البعض الآخر إلا ويستخدمها، حتى ولو تعارض ذلك مع ما يُفترض أنه "مصالح الدولة". وهو ما لا يُعدّ جديداً على الساحة السياسية الإسرائيلية، ولعلّ هذا هو ما أشار إليه ليبرمان في ردّه على الاتهامات المُوجّهة إليه، عندما قال: "لا توجد شخصية سَرّبت معلومات أمنية لأغراض سياسية أكثر من نتنياهو، من وثيقة تاوبر، إلى طريقة العرض في جلسة الكابنيت خلال عملية الجرف الصلب (حرب 2014 على غزة)، وصولاً إلى إلغاء سياسة الغموض المعتمدة منذ قيام الدولة" لكن ما تقدّم لا ينفي أن ثمة خطوطاً حمراً لا يمكن تجاوزها ضمن مساحة الإجماع التي تتّصل بقضايا الأمن القومي.


وساطة قطر عجزت عن ثني المقاومة عن الرد

لم يكد تصعيد البالونات المتفجّرة ينتهي إلى تجديد المنحة القطرية وتقديم "تسهيلات" إسرائيلية، حتى عمد جيش العدو إلى ارتكاب جريمة جديدة على حدود القطاع، حيث نكّلت إحدى جرّافاته بجثمان شهيد، سقط بينما كان في مهمة على الحدود، وسرقته. وعلى رغم محاولة الوسيط القطري ثني المقاومة عن الردّ على الجريمة، إلا أن الردّ سرعان ما جاء بقصف جنوب فلسطين المحتلة، ولا سيما مدينة عسقلان، قبل أن يعمد العدو إلى استهداف مواقع في غزة، من دون أن يرسل إشارات إلى نيته الدخول في تصعيد واسع.

وكانت مشاهد تنكيل جرافة عسكرية إسرائيلية بجثمان الشهيد محمد علي الناعم (27 عاماً) قد أثارت غضباً واسعاً في أوساط الفلسطينيين، إذ تقدّمت الجرافة إلى ما بعد الشريط الحدودي للقطاع، وسحبت الشاب الذي قضى إثر قصف استهدفه مع شخص آخر، فيما أخفقت محاولات عدد من الشبّان والمزارعين انتشاله نتيجة إطلاق النار باتجاههم، فضلاً عن إصابة اثنين منهم.

حاول سائق الجرافة الإسرائيلي غرس كفّ الآلية (المقدّمة الحادة) في جسد الشهيد مرّات عدة وجرفه عن الأرض، إلى أن تمكّن من رفعه مُعلَّقاً، فيما أطلقت قوات العدو المتمركزة على الشريط الحدودي النار نحو الشبان، وهو ما أدى إلى قطع أجزاء من جثمان الشهيد.

وعلى رغم محاولات العدو امتصاص الغضب الفلسطيني، وإعلانه عبر صحيفة "هآرتس" العبرية التخطيط لسلسلة "تسهيلات" إضافية للقطاع، واصلت المقاومة الرد، رغم اتصالات أجراها العمادي معها تحت عنوان "تفويت الفرصة على العدو للاستمرار في تحسين الواقع الإنساني والاقتصادي"، بما في ذلك جملة المساعدات القطرية التي أعلنها، بالإضافة إلى تحسينات تتعلق بواقع الكهرباء خلال أيام.

 
الهدوء الحذر سيد الموقف

أنقذ الوسيطان المصري والأممي بنيامين نتنياهو من جولة تصعيد نفذتها المقاومة الفلسطينية بدقة وأداء أفضل عن المواجهة التي سبقتها في نهاية 2019، وكانت تنوي أن تمدّها حتى الانتخابات الإسرائيلية، إلى حدّ خرج فيه الإعلام العبري وقال إنه أمام أيام على الانتخابات نتنياهو "يصلي" كي لا تسقطه غزة في استطلاعات الرأي.

بدا واضحاً خلال هذه المواجهة التطور الكبير في قدرات الوحدة الصاروخية للسرايا التي نجحت في إطلاق عشرات الصواريخ على الأراضي المحتلة من دون أن يستطيع الاحتلال استهداف أي من عناصرها، خلافاً للمواجهة السابقة التي استشهد فيها 15 من عناصرها، في وقت كشفت فيه مصادر في الحركة أنه حتى المجموعة التي قصفها الاحتلال أول من أمس وأصيب اثنان منها هي من "المرابطين" وليست من "الوحدة الصاروخية".

وضمن تكتيكات تشمل رشقات كثيفة في وقت قصير، وبالتزامن مع مواعيد الأذان، تواصل أمس إطلاق الصواريخ وقذائف الهاون تجاه مستوطنات "غلاف غزة" ومدينة عسقلان.

في المحصلة، اعترف العدو بأن أكثر من ستين صاروخاً أُطلقت حتى الخامسة مساءً (على الأقل)، زاعماً أن "القبة الحديدية" اعترضت 90% منها.

لكن مصادر إعلامية عبرية أفادت بوقوع إصابات في عدد من المنازل في المستوطنات، إضافة إلى سقوط صاروخ من نوع "بدر" المطوّر، على مصنع في المنطقة الصناعية بعسقلان، ما تسبّب في أضرار واسعة، كما سقط أحد الصواريخ على سكة الحديد التي تربط مستوطنة "سيديروت" بعسقلان.

في المقابل، تجاوز عدد غارات العدو خمسين غارة، استهدفت بها مواقع للمقاومة من دون أن يؤدي ذلك إلى إصابات أو شهداء، كما استهدف مجموعتين للمقاومة وسط القطاع وشماله، ما أدى إلى إصابة مواطن واحد كان يستقل دراجته النارية شمالاً.

وقبل دقائق من دخول التهدئة حيز التنفيذ، سقطت بقايا من صاروخ لـ"القبة الحديدية" على منزل شرق الشجاعية، ما أدى إلى إصابة 13 فلسطينياً بجراح مختلفة. بالتوازي، أعلنت "كتائب المقاومة الوطنية"، الجناح العسكري لـ"الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين" مسؤوليتها عن "اشتباك مسلح" بين عناصرها وجنود العدو قرب موقع "إيرز" شمال القطاع، قائلة إن مقاوميها أصابوا الموقع بقذيفة "آر بي جي" مباشرة، ومضيفة: بعد انسحاب المجموعة جرى إطلاق عدد من قذائف الهاون على الموقع، وأصيب أحد عناصرنا أثناء الانسحاب.



اضف تعليق