في القدس.. ما عجز عنه الاستيطان‎ تحققه "الحفريات"


٠٦ فبراير ٢٠٢٠

كتبت - محمد عبد الكريم

القدس المحتلة - بالأمس صدمت عائلتي عودة وشويكي المقدسيتيين بأنهما باتا اليوم في العراء، عقب أن أصدرت محكمة الاحتلال أمرًا بإخلاء مبنى في حي بطن الهوى ببلدة سلوان، لصالح "جمعية عطيرت كوهنيم الاستيطانية"، بحجة ملكية اليهود للأرض المقامة عليها البناية.

وأوضح مركز معلومات وادي حلوة في سلوان ولجنة حي بطن الهوى في بيان مشترك، أن محكمة الصلح أصدرت قرارا يقضي بإخلاء بناية سكنية تعود لعائلتي عودة وشويكي، بعد رفضها الاعتراضات التي قدمتها العائلتان على البلاغات القضائية التي كانت تسلمتها من جمعية "عطيرت كوهنيم" عام 2018، وحاولتا من خلال الاعتراضات إثبات حقهما في الأرض والعقار.

وأوضح البيان أن المحكمة أمهلت العائلتين حتى منتصف شهر آب/ أغسطس المقبل لتنفيذ قرار الإخلاء المؤلف من طابق "مخزن" وطابقين علويين.

وأضاف البيان أن جمعية "عطيرت كوهنيم" بدأت منذ شهر أيلول/ سبتمبر عام 2015 بتسليم بلاغات قضائية لأهالي الحي، تطالب بالأرض المقامة عليهم منازلهم، وذلك بعد حصول الجمعية عام 2001 على حق إدارة أملاك الجمعية اليهودية التي تدّعي ملكيتها للأرض.

وأضاف البيان أن البناية تقع ضمن مخطط "عطيرت كوهنيم" للسيطرة على 5 دونمات و200 متر مربع من حي بطن الهوى ببلدة سلوان، بحجة ملكيتها ليهود من اليمن منذ عام 1881، وتدّعي الجمعية أن المحكمة الإسرائيلية العليا أقرت ملكية يهود من اليمن لأرض بطن الهوى.

وأوضح البيان أن 84 عائلة تسلمت على مدار السنوات الماضية بلاغات قضائية للمطالبة بالأرض، وتخوض صراعًا في المحاكم الإسرائيلية لإثبات حقها بالأرض التي قامت بشرائها من أصحابها السابقين بأوراق رسمية.

وأضاف البيان أن محكمة الصلح أصدرت خلال الأسبوعين الأخيرين 4 قرارات إخلاء لصالح جمعية "عطيرت كوهنيم"، الأول ضد عائلة الرجبي، والثاني ضد عائلتي دويك، والأخير ضد عائلتي عودة وشويكي.

وفي القدس المحتلة فإن ما يعجز  القضاء الإسرائيلي عن ابتلاعه لصالح جشع الاستيطان، تأتي عليه حفريات التهويد المستمرة أسفل منازل المقدسيين والأماكن المقدس.

وفي هذا الإطار، حذر مختصون وخبراء ومحامون من خطورة التصدعات والتشققات والانهيارات التي تحدث في منازل وشوارع القدس القديمة، والناتجة عن إهمال بلدية الاحتلال للبنية التحتية في المنطقة وعدم إعطاء الفلسطينيين تراخيص ترميم لمنازلهم، إضافة إلى وجود حفريات أسفل البلدة القديمة.

وفي داخل البلدة القديمة وبالتحديد في منطقة باب السلسلة، جرت أواخر الشهر الماضي تصدعات خطيرة وهبوط أرضي وتكسر في البلاط داخل حوش بأكمله "حوش النيرسات"، بسبب عمليات الحفريات وإهمال البلدية لأعمال وتطوير البنية التحتية.

في موضوع آخر، تعمل الحكومة الإسرائيلية بوتيرة متسارعة لوضع الخرائط التي توضح المناطق والمستوطنات في الضفة الغربية المحتلة، التي سيتم ضمها للسيادة الإسرائيلية بالمستقبل. ونقلت صحيفة إسرائيل اليوم� العبرية الصادرة أمس الأربعاء عن مصادر مقربة من رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي المنتهية ولايته بنيامين نتنياهو قولها: إنه في طريقه إلى إقرار السيادة بالضفة الغربية، وأنه من المتوقع أن يسري هذا القرار حتى قبل الانتخابات الإسرائيلية التي ستجري الشهر المقبل، على عكس الطلب الأمريكي.

وأوضحت الصحيفة أن ثلاث مؤسسات إسرائيلية حكومية على الأقل قد بدأت في عمليات رسم خرائط توضح مناطق السيادة الإسرائيلية المستقبلية على مناطق الضفة، مضيفة أن رسومات هذه الخرائط تواجه بعض الصعوبات. إلا أن الصحيفة استدرك بالقول إنه "وفقًا للمبادئ التي تحددها، ستكون جميع المستوطنات تحت السيادة الإسرائيلية ولن يتم تهجير أي مستوطن من منزله".

وأعطت الخطة الأمريكية والمعروفة بـ"صفقة القرن" التي كشف عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الأسبوع الماضي، للاحتلال الإسرائيلي الضوء الأخضر لضم غور الأردن والمستوطنات بالضفة الغربية.

وتقام على مناطق الأغوار الفلسطينية 31 مستوطنة إسرائيلية غالبيتها زراعية ويسكنها أكثر من 8 الآف مستوطن، بينما أنشأت إسرائيل في تلك المناطق 90 موقعا عسكريا منذ احتلالها عام 1967 وهجرت أكثر من 50 ألف فلسطيني منذ نفس العام.

إلى ذلك، قالت قناة "كان" الإسرائيلية الرسمية، إن جهات أوروبية أبلغت السلطة الفلسطينية، أنها "أعدت سلسلة خطوات حال قيام إسرائيل بضم المستوطنات ومنطقة غور الأردن، من بينها اعتراف متزامن من قبل عدة دول أوروبية بالدولة الفلسطينية". وأضافت القناة أن من بين الخطوات الأوروبية، ردا على تنفيذ إسرائيل قرار ضم المستوطنات وغور الأردن، "خطوة أكثر صرامة، وهي تأخير التمويل الأوروبي لمشاريع البحث والتطوير في إسرائيل".

كما كشف الباحث المتخصص في شؤون القدس، فخري أبو دياب، عن قيام جمعيات استيطانية إسرائيلية بإنشاء متحف توراتي مكون من ثلاثة طوابق في منطقة العين الفوقا ببلدة سلوان المقدسية، على مقربة من المسجد الأقصى.

وقال أبو دياب، إن "هذا المتحف يهدف إلى الترويج للرواية التلمودية على حساب الروايات التاريخية العربية، الإسلامية والمسيحية، وشُيد في منطقة تمنع بلدية القدس وسلطة الآثار الاسرائيلية البناء فيها بدعوى أنها منطقة تاريخية تحوي آثارا من حقب مختلفة لمدينة القدس، لكنها لم تمنع الجمعيات الاستيطانية من إقامة البناء".

وأشار الباحث الفلسطيني إلى أن "المتحف المزعوم سيُستخدم لتسويق تاريخ مزوّر عن المنطقة، واستغلال السياحة التلمودية من خلال العمل على غسل أدمغة الزوار لإثبات أحقية اليهود التاريخية في القدس المحتلة"، موضحاً أن "سلطات الاحتلال وأذرعها التهويدية قامت بنقل كمية كبيرة من الحجارة من المنطقة لطمس معالمها التاريخية كي تحاكي الرواية اليهودية".

ويندرج المتحف التلمودي ضمن مخطط أكبر لتغيير الطابع التاريخي لمدينة القدس، من خلال العبث بالآثار ذات الطابع التاريخي والإنساني في محاولة لفرض تاريخ مصطنع دون سند تاريخي أو علمي.

ولفت أبو ذياب إلى أن "سلطات الاحتلال كثفت في العقد الأخير مساعي تهويد المدينة، وتغيير معالمها، وفرض وقائع مغايرة لهويتها الحقيقية ضمن مشروع تهويدي ضخم يسمى (أورشليم حسب الوصف التوراتي)، والذي يشمل عشرات الأنفاق والحفريات، بينها 6 أنفاق من مجمع عين سلوان التاريخي ووادي حلوة باتجاه البلدة القديمة من القدس والمسجد الأقصى، وأقامت ثلاثة متاحف توراتية لترويج الروايات التاريخية اليهودية".

وأضاف أن الاحتلال "أقام عدة مسارات توراتية وتلمودية، وقبور وهمية، ويعمل على مشاريع تهويدية أخرى، منها القطار الهوائي الذي سيغير الوجه الحضاري للبلدة القديمة، ويحجب الرؤيا عن المسجد الأقصى، ومشروع (كيدم) في منطقة وادي حلوة وباب المغاربة لتغيير المشهد التاريخي، وطمس معالم المدينة الإسلامية والمسيحية، وإلغاء أي أثر أو معلم غير يهودي فيها".

وخلال عام 2019، زار الأنفاق والحفريات، وما يسمى مدينة داود الاستيطانية، نحو مليون زائر بصحبة مرافقين يتبعون جمعيات استيطانية، يقدمون خلال هذه الجولات روايات تلمودية وأساطير عن تاريخ يهوديمزعوم في المنطقة.

وتحاول سلطات الاحتلال إسقاط روايتها على التاريخ والآثار لأغراض سياسية من خلال تغيير طبيعة المناطق التاريخية للإيحاء بأنها يهودية، في محاولات مستميتة لتأكيد وجود الهيكل المزعوم، وغرس تلك الأفكار في عقول الزوار.



اضف تعليق