نشيد للبطء في إيران .. البرلمان في قبضة المحافظين للحفاظ على ثورية النظام


١٤ مارس ٢٠٢٠

رؤية - بنده يوسف

ما زالت إيران غير قادرة على الانتقال من النظام الثوري إلى نظام الدولة والمؤسسة؛ في ظل الهيمنة الثورية في نفوس النظام وقادته، واختزال القيادة في شخص المرشد الأعلى وزعيم الثورة.

وفي ظل المخاطر التي تهدد وجود نظام ولاية الفقيه في إيران الذي تشكل بعد ثورة 1979م وهيمنة رجال الدين على السلطة، خاصة في ظل الخصومة المستمرة مع العالم الغربي سيما الولايات المتحدة الأمريكية. يعتزم النظام الحاكم في إيران الحفاظ على الوجه الثوري في أجنحته السياسية بما فيها البرلمان. وإغلاق أفواه الإصلاحيين الذين دعموا الحوار والتفاوض مع الغرب.

وخلال الانتخابات البرلمانية السابقة، استنكر المعسكر الإصلاحي، محاولات اﻹقصاء التي وصفها بـالمتعمدة، لحساب التيار المحافظ، بينما رأى البعض منهم أن المؤسسة السياسية الإيرانية عازمة على أن يحكم البلاد في الفترة المقبلة تيار واحد فقط يتماشى مع آراء وأفكار القيادة العليا.

وقد شهد المعسكر الإصلاحي انخفاض كبير في شعبيته بين أوساط الإيرانيين، والسبب يرجع إلى المواقف الهشة التي تبناها التيار الإصلاحي في الكثير من الأمور في الفترة السابقة.

ترامب ساعد المحافظين

في ظل العقوبات الأمريكية، التي فرضها الرئيس دونالد ترامب، وسياسته مع طهران، فقد أهدى المحافظين المتشددين الإيرانيين فرصة ذهبية للفوز في الانتخابات البرلمانية المقبلة المقرر لها 21 فبراير الجاري.

لقد راهن الرئيس المعتدل حسن روحاني بمصداقيته وتياره في الصفقة التي عقدتها إيران مع القوى العالمية في 2015، المعروفة بالاتفاق النووي الإيراني، التي وافقت فيها طهران على الحد من برنامجها النووي، مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية التي شلت اقتصادها.

في 2018، انسحب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من الاتفاق النووي، وشرع في فرض عقوبات جديدة قاسية على طهران، ليحرمها من المنافع الاقتصادية التي توقعتها جراء توقيعها الاتفاقية.

وقد فقد السياسيون المعتدلون الذين دعموا روحاني، الكثير من الطبقة الشعبية لديهم، بعد عجزهم عن الوفاء بوعود تحقيق مكاسب اقتصادية أكبر بعد توقيع الاتفاق النووي.

البرلمان في قبضة المحافظين

في الانتخابات البرلمانية الأخيرة لتشكيل مجلس الشورى الإسلامي الحادي العشر؛ استطاع اليمين الأصولي السيطرة المطلقة على كراسي مجلس الشورى، ومن المرجح أن يرأس اللواء محمد باقر قاليباف -ممثل هذا الاتجاه- المجلسَ المقبل، ومن المرجح أن يصبح سيد مصطفى مير سليم نائبه. ونشير هنا إلى أن قاليباف وسليم كانا منافسين للرئيس حسن روحاني في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، إلى جانب إبراهيم رئيسي الذي أضحى اليوم رئيس السلطة القضائية.

وبالرغم من أن صلاحيات البرلمان ضعيفة، بالمقارنة مع مراكز القوى الأخرى في إيران، فالسلطة في النهاية تقع على عاتق المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، الذي يشرف على اختياره مجموعة من العلماء والساسة الإسلاميين، ثم الرئيس الذي ينتخب شعبيًا، وله الحق في ترشيح أعضاء الحكومة، كما يُعد الرئيس التنفيذي للحكومة، ثم يأتي مجلس صيانة الدستور، الذي يشرف على جميع المرشحين لأي مناصب داخل البلاد، ويتمتع بحق النقض "فيتو" على جميع التشريعات التي يقرها البرلمان. إلا أن دور البرلمان يمثل دور المشاغب والمعارض لقرارات الحكومة ومشاريعها. وهيمنة فصيل محدد عليه تلعب دورا في الحياة السياسية.

برلمان ورئيس ثوري

يقارن البعض داخل إيران بين ظروف 2004، والظرف الحالي، يقودهم حدسهم إلى أن الانتخابات الرئاسية المقبلة في 2021، من المرجح أن تأتي برئيس محافظ آخر.

فقد شهدت الانتخابات البرلمانية في 2004 أحداثًا مشابهة لما جرى في فبراير 2020، حيث أقدم مجلس صيانة الدستور على إقصاء الآلاف من المرشحين الإصلاحيين، بعد أن كانوا يتمتعون بمركز قوة في السلطة في عهد الرئيس الإصلاحي السابق محمد خاتمي (1997 - 2005). حينها سيطر المحافظون على البرلمان الإيراني، ما كان سببًا في النهاية، لوصول الرئيس السابق المحافظ محمود أحمدي نجاد إلى رأس السلطة.

وإلى حد ما تبدو تلك التكهنات واقعية، فبعد أن فشل الرئيس المعتدل حسن روحاني في الوفاء بأغلب وعوده، حتى أن حلمه وحلم الكثير من الإيرانيين المتمثل في الاتفاق النووي لعام 2015، قد دمره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسحب بلاده من الصفقة النووية في مايو/ آيار 2018.

يعتبر المحافظون أنه آن الأوان ليثبتوا أنهم كانوا على حق وأن المفاوضات والانفتاح على الغرب لم يجلب شيئًا لإيران سوى المزيد من التوترات بين طهران وواشنطن، والتي وصلت ذروتها باغتيال الولايات المتحدة لقائد قوة القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني، الجنرال قاسم سليماني.

لذلك ترى القيادة العليا الإيرانية المتمثلة في الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي أن ما تحتاجه البلاد في المستقبل القريب هو برلمان ورئيس ثوري، وفقًا لمبادئ الثورة الإسلامية، وهذا لا يتوفر في الإصلاحيين أو حتى المعتدلين.

دور تيار أحمدي نجاد

مع الترشح للانتخابات البرلمانية في فبراير الماضي، دفع أحمدي نجاد بالأعضاء السابقين في الحكومة والمقربين منه بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية بصورة مستقلة بعيدا عن الدخول في تحالفات مع التيار الأصولي المتشدد.

وبعد الإعلان عن نتائج فرز الأصوات في انتخابات البرلمان المقبل، كان أحد العناوين الرئيسية التي نشرتها وسائل الإعلام الإيرانية هو "دخول 14 شخصًا من أنصار الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد إلى مبنى بهارستان".

وقد خلص نظام الجمهورية الإسلامية قبل الانتخابات إلى أن قمع الاحتجاجات الشعبية في ديسمبر (كانون الأول) 2017، ونوفمبر (تشرين الثاني) 2019، والركود الاقتصادي، والظروف المعيشية السيئة للشعب، والعقوبات الاقتصادية التي فرضتها مغامرات النظام الإیراني في المنطقة، ستؤدي إلى تراجع الإقبال الشعبي علی الانتخابات البرلمانیة يوم 21 فبرایر (شباط) الماضي.

ولذلك؛ كان الدفع بأنصار تيار أحمدي نجاد من أجل بث روح الحماسة في الانتخابات البرلمانية السابقة. خاصة أن هذا التيار يحافظ على روح المعارضة للإصلاحيين والمحافظين. وكأن وجودهم في البرلمان هو من أجل توفير فصيل معارض متشدد يحافظ على روح الديموقراطية العوراء في البرلمان.

ونظرًا لحضور هؤلاء النواب الفائزين في الهياكل التنفيذية وإلمامهم بشؤون إدارة البلاد، فمن المتوقع أن يلعبوا دورًا حاسمًا في مشاريعهم لتحدي وتعطيل أنشطة الرئيس حسن روحاني خلال الأشهر القادمة، وهي المشاريع التي يتم تقديمها بالتأكيد من قبل المرشد الإيراني ومكتبه، لإظهار تقاعس حكومة روحاني والإصلاحيين، والانتفاع من هذا الأمر خلال الانتخابات الرئاسية القادمة في عام 2022.

سياسة ثورية

بعد أن سيطر النواب المتشددون على البرلمان، فغالبا سيتم إلغاء التشريعات التي سعى روحاني، للحصول على موافقة البرلمان عليها، ومن المحتمل ان تشمل مشاريع قوانين متعلقة بالقطاع المصرفي الإيراني، الهادفة إلى جعله يتماشى مع المعايير الدولية، لتجنب العقوبات المفروضة على المقرضين الإيرانيين من "مجموعة العمل المالي الدولية" وهي منظمة حكومة دولية مقرها باريس وتعمل على التصدي للتهديدات التي تواجه وحدة النظام المالي العالمي، مثل غسل الأموال وتزوير العملات وتمويل الإرهاب.

ومع وجود مؤسسة سياسية تتسم بالعدوانية، من شأنه أن يدفع الولايات المتحدة، إلى فرض مزيد من العقوبات على طهران.

وإن كثيرًا من المتشددين الإيرانيين، تساورهم شكوك من الدول الأوروبية، ويرغبون في قطع العلاقات تمامًا مع دول الاتحاد الأوروبي، والتركيز في العلاقات التجارية مع الصين وروسيا.

بينما يرى الأوروبيون تكرارا لتجربتهم مع عهد الرئيس نجاد المحافظ، أن وصول "اليمين الأصولي" إلى السلطة فرصة للحوار بين إيران والغرب؛ فإذا وصل إلى السلطة وكان بالإمكان إقناعه بمفاوضة الغرب فلن يكون هناك أي معارض لهذا الاتجاه في البلاد. كما أنه يستطيع فرض تنفيذ أي اتفاق يصل إليه مستقبلا، خاصة أن المفاوضات السرية السابقة -التي جرت بين إيران والغرب- تمت في زمن سيطرة الأصوليين على الحكم، وكُشف عنها زمن حضور الإصلاحيين في الحكم.

وبالنسبة للمجموعات الموالية لإيران في المنطقة -مثل حزب الله اللبناني وأحزاب عراقية وأفغانية وأخرى حليفة لطهران- فإن المحافظين اليوم من أكبر أنصار هذه المجموعات، وبالتأكيد فإن البرلمان الإيراني المقبل سيقوم بتخصيص ميزانيات لدعم مواقف حلفاء إيران في المنطقة أكثر من السابق. بل يمكن توقع أن تحاول إيران التقرب من جميع التنظيمات المعارضة للولايات المتحدة في المنطقة والعالم، لإيجاد جبهة عالمية موحدة ضد أمريكا.

وعلى عكس الإصلاحيين والمعتدلين اللذين يميلون تجاه توطيد العلاقات مع الغرب؛ فإن اليمين الأصولي يميل باتجاه ترسيخ العلاقات مع الشرق وخاصة روسيا والصين. وعلى هذا الأساس، ونظرا للظروف السياسية الدولية التي تشهدها إيران حاليا؛ فإنه يمكن توقع أن تزداد علاقات إيران مع الشرق في ظل مجلس الشورى المقبل، وكذلك إقرار قوانين تفسح المجال للتعاون السياسي والعسكري والأمني -وبالطبع الاقتصادي- بين إيران والدول الشرقية، لا سيما روسيا والصين.

وعلى هذا الأساس؛ نتوقع أن حكومة الرئيس روحاني ستضطر إلى مسايرة الوضع الموجود حتى انتهاء مأموريتها، كما يمكن أن نشهد تغييرا جذريا في سياسات الحكومة الإيرانية خلال العام المقبل، والتحول من حكومة معتدلة إلى حكومة متشددة في قراراتها، خاصة أن قرارات الدول الغربية لا تصب في مصلحة سياساتها الكلية المائلة إلى الدبلوماسية. وذلك على الأقل حتى تنتهي الانتخابات الرئاسية المقبلة في الولايات المتحدة ويُكشف عن هوية الوجه التالي الذي سيسكن البيت الأبيض.


اضف تعليق