بفعل "الروليت الروسي".. سقوط حر لـ"النفط" وحرب الكبار تشتعل


٠٩ مارس ٢٠٢٠

كتبت – ولاء عدلان

هوت أسعار النفط بأكثر من 30 % هذا الصباح، في أول ردة فعل عنيفة على فشل أوبك في التوصل إلى اتفاق مع الحلفاء من خارج المنظمة وتحديدا الروس على تعميق خفض الإنتاج ليرتفع إلى نحو 3.6 مليون برميل يوميا، ما أشعل فتيل حرب الأسعار بالسوق، في وقت يتسبب فيه انتشار فيروس "كورونا" بسرعة غير متوقعة في تآكل معدلات نمو الطلب العالمي على النفظ.

في تمام الساعة 05:52 بتوقيت جرينتش، تراجعت العقود الآجلة لخام برنت بما يعادل 27% إلى 33.04 دولار للبرميل، بعد أن نزلت في وقت سابق إلى 31.02 دولار للبرميل وهو أدنى مستوى منذ 12 فبراير 2016، وسط مؤشرات على استمرار الموجة الهابطة، لتسجل أكبر انخفاض يومي منذ 17 يناير 1991.

وتراجع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بـ 29 % إلى 29.40 دولار للبرميل، بعد أن لامس مستوى 27.34 دولار وهو الأدنى منذ 12 فبراير 2016، كما يتحرك الخام الأمريكي باتجاه تسجيل أدنى مستوياته على الإطلاق، ليتجاوز انخفاضا بنسبة 33% في يناير1991.

ماذا يحدث؟

رفضت روسيا في اجتماع "أوبك بلس" الجمعة الماضية، اقتراح المنظمة بخفض إضافي بمقدار بـ1.5 مليون برميل يوميا، كإجراء عاجل لدعم استقرار الأسواق في ظل الأثر الاقتصادي لـ"كورونا"، كما رفضت تمديد العمل بالتخفيضات المتفق عليها سابقا -2.1 مليون برميل يوميا - حتى نهاية العام.

ردت "أوبك" بإلغاء القيود المفروضة على إنتاجها من النفط، بما يعني أنه اعتبارًا من أبريل موعد انتهاء العمل باتفاق تخفيضات الإنتاج الحالية، سيكون مسموحًا لجميع المنتجين من داخل أوبك ومن خارجها "الحلفاء وأبرزهم روسيا وكازخستان والمكسيك" الإنتاج كما يحلو لهم وبدون سقف، ما يعني إغراق سوق تعاني من تباطؤ الطلب بشحنات إضافية من النفط.

السعودية - أكبر المصدرين للنفط وثالث أكبر منتج للنفط - من جانبها ردت بخطوات عملية، فمنذ سنوات وهي تلعب من خلال "أوبك" دورًا وازنا في سوق النفط  لحمايتها من تقلبات الأسعار، وهذا ما حدث عندما تدخلت لدعم الأسعار في أعقاب أزمة 2014، لكن الآن يبدو أنها أردات أن تظهر لروسيا عاقبة رفضها لاتفاق أوبك الجديد، فقامت ذراعها النفطي "أرامكو" مساء الجمعة الماضية، بخفض سعر البيع الرسمي لشحنات شهر أبريل ولكل درجات نفطها الخام بنسبة تتراوح ما بين 3 و8 دولارات للبرميل.. وهو خفض كبير – الأكبر منذ 20 عاما- خاصة بعد أن أغلقت أسعار النفط يومها على أكبر خسارة يومية منذ 11 عاما، متراجعة بنحو 10%.

وبحسب مصادر "بلومبرج" تعتزم "أرامكو" زيادة الإنتاج أكثر من 10 ملايين برميل يوميًا بحلول أبريل، وقد يصل إلى مستوى قياسي عند 12 مليون برميل يوميًا.

لماذا تتعنت روسيا؟

قبيل اجتماع الجمعة قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: إن المستوى الحالي لأسعار النفط مقبول لأنه فوق 42.1 دولارا لبرميل برنت المستخدم كمرجع لاحتساب الموازنة في إطار سياساتنا للاقتصاد الكلي.. لكن هذا قبل أن تقول السوق كلمتها وتترنح الأسعار إلى مستويات قد تصل إلى 20 دولارا للبرميل، ردا على العناد الروسي والرد السعودي الحاسم.

من جهة أخرى ترى روسيا أن كل برميل يتم سحبه من السوق لا يمثل فقط خسارة لميزانيتها المعتمدة على النفط، بل أيضا خسارة لحصتها السوقية لصالح الولايات المتحدة، فبفضل النفط الصخري باتت الولايات المتحدة خلال العامين الماضيين تتربع على عرش إنتاج النفط عالميًا.

عملاقة النفط الروسي "روسنفت" – التي يرأسها أحد المقربين من بوتين "إيجور سيتشن"- قالت أمس في بيان: إن الاتفاق بين "أوبك" وغيرها من المنتجين للنفط على تقليص الإنتاج لم يخدم مصالح روسيا، إذ إن الولايات المتحدة تحركت سريعا لتعويض الكميات المفقودة في الأسواق العالمية.. من وجهة نظر روسيا، هذه الصفقة كانت بلا معنى.

ألكسندر دينكي، رئيس معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية في موسكو قال لـ"بلومبرج": قرر الكرملين التضحية بـ"أوبك بلس" يستهدف في الأساس الحد من حصة منتجي النفط الصخري وردعهم، كما أنه  يحمل رسالة للولايات المتحدة كقيادة للتوقف عن الوقوف بوجه مشروع نورد ستريم 2، ورفع العقوبات المفروضة على الشركات المساهمة فيها.

فيما نقلت مجلة "نيوزويك" عن بعض المصادر، أن الرفض الروسي لا يستهدف الولايات المتحدة، بقدر ما هو ناتج عن تهوين الروس من الانعكسات الاقتصادية لـ"كورونا" على السوق.

النفط تحت التهديد

آندي ليبو، رئيس شركة استشارات الطاقة في هيوستن يرى أن سوق النفط يغرق في موجة بيعية مفتوحة، نتيجة لانهيار اتفاق "أوبك بلس"، ما أشعل حرب أسعار تستهدف الحصول على المزيد من الحصص السوقية لصالح كل دولة.

رئيس أبحاث السلع في "جولدمان ساكس" في نيويورك جيفري كوري يرى – في تصريحات لـ"بلومبرج"- أن السوق يواجه الآن صدمتين هبوطيتين هما مخاوف كورونا وانهيار اتفاق "أوبك بلس"، ولا يمكن التنبؤ بوضوح بمستقبل موجة الهبوط الحالية.

فاتح بيرول مدير وكالة الطاقة الدولية حذر ظهر اليوم، من أن تدفع أسواق النفط ثمنًا باهظًا لما اسماه "لعب الروليت الروسي"، مضيفا أن الأسعار دون 25 دولارا للبرميل ستؤدي إلى توقف عمليات التطوير الجديدة للنفط الصخري في أمريكا.

وأضاف أن الوكالة تتوقع فائضا نفطيا محتملا قدره 3.5 مليون برميل يوميا في الربع الأول هذا العام، بسبب تفشي فيروس كورونا.

حذر "جولدمان ساكس" أيضان من احتمالات هبوط الأسعار نحو 20 دولارا للبرميل، وفي العموم خفض توقعاته لسعر برنت في الربعين الثاني والثالث إلى 30 دولارًا للبرميل، محذرا من تداعيات حرب الأسعار بين روسيا والسعودية، وسط استمرار تداعيات "كورونا" التي خفضت تقديرات وكالة الطاقة لنمو الطلب العالمي على النفط إلى أدنى مستوياته منذ 2011.

لعبة مفتوحة على جميع الاحتمالات

ربما تستطيع روسيا تحمُّل انهيار أسعار النفط دون الـ30 دولارا للبرميل، وأيضًا قد تتلقى السعودية عروضًا مغرية من عملائها في آسيا تعوض فارق السعر، فبحسب مصادر "رويترز"هناك ما لا يقل عن أربع شركات تكرير آسيوية، تعتزم زيادة مشترياتها من نفط الشرق الأوسط تحميل أبريل إلى الحد الأقصى، وبالطبع ستكون وجهتهم الأولى المملكة، أيضا منتجي النفط الصخري قد يتضررون لكن خطط التحوط المالي ربما ستساعدهم للبقاء أحياء حتى نهاية 2020.

لكن انهيار الأسعار سيكون له أثر على كل مفاصل صناعة الطاقة عالميا، وجميع الدول التي لديها ميزانيات تعتمد على النفط من العراق إلى نيجيريا، حتى زيادة نشاط  حفارات النفط ومضاعفة الإنتاج سيحد من قدرة الطاقة المتجددة على المنافسة، وسيعمق أزمة المناخ.

حتى إن انتخابات الرئاسة في أمريكا قد تتأثر بهذا الانهيار، فحملة الرئيس ترامب تجادل بأنه الوحيد القادر على دعم الاقتصاد وتحقيق معدلات نمو مطردة تتجاوز الـ5%، لكن مع تراجع نفوذ النفط الصخري تحت وطأة حرب الأسعار، نتيجة لارتفاع تكلفة إنتاجه مقارنة بالنفط التقليدي، ستدخل الشركات الأمريكية العاملة في هذا المجال في دائرة من الركود وبعضها قد يعلن إفلاسه كما حدث عام 2014.




الكلمات الدلالية روسيا اتفاق أوبك السعودية أوبك +

اضف تعليق