في أوروبا.. كيف سيخرج الاقتصاد من الظل الطويل لـ"كورونا"؟


٢١ مايو ٢٠٢٠

كتبت - ولاء عدلان

في الوقت الذي بدأت أغلب دول أوروبا في تخفيف قيود العزل العام الخاصة بمكافحة فيروس كورونا المستجد، تجاوزت الوفيات الناجمة عن الإصابة بالمرض أوروبيا سقف الـ169 ألفًا، وسط توقعات بموجة ثانية من الوباء ستكون أكثر شراسة، ما يعني أن الخروج من ظل المرض وتداعياته ليس قريبًا وأن القارة العجوز على موعد مع المزيد من الخسائر.

منذ بداية الجائحة وبلدان أوروبا تقاوم بشكل يتفاوت ما بين الاستهانة بالمرض كما هو الحال في البرازيل، والجدية في التعامل معه كما رأينا في ألمانيا، لكن حمى الفيروس ضربت الحياة الاقتصادية بعنف دون تفرقة، وانكمش اقتصاد الاتحاد الأوروبي بـ3.5 % خلال الربع الأول من العام الجاري، مسجلًا أسوأ انخفاض ربع سنوي منذ 1995، لتبدأ مخاوف الركود في الظهور إلى السطح.

ركود تاريخي
بالأمس، حذر رئيس المفوضية الأوروبية للشؤون الاجتماعية، نيكولا شميت من خطر تحول الأزمة الاقتصادية في أوروبا إلى "اجتماعية"، مؤكدًا أن الاقتصاد الأوروبي قد دخل مرحلة كساد "غير مسبوق".

المفوض الأوروبي للاقتصاد باولو جنتيلوني توقع في وقت سابق من الشهر الجاري، أن تشهد أوروبا صدمة اقتصادية غير مسبوقة منذ الكساد الكبير في 1929، لافتًا إلى أن منطقة اليورو من المرجح أن تسجل انخفاضًا قياسيًا في إجمالي الناتج الداخلي هذا العام بنسبة 7.7%، ثم انتعاشًا بنسبة 6.3% في عام 2021.

من جانبه توقع صندوق النقد الدولي أن يتراجع اقتصاد الدول الـ19 التي تستخدم عملة اليورو بنسبة 7.5% هذا العام، مؤكدًا أن أداء الاقتصاد في منطقة أوروبا لعام 2020 سيكون الأسوأ مقارنة بباقي اقتصادات العالم، على أن يبدأ في التعافي في النصف الثاني من العام، ويسجل نموًا بـ4.7% خلال 2021.

بحسب المفوضية الأوروبية، الدول التي ستسجل هذا العام أسوأ ركود اقتصادي هي: اليونان "-9.7%"، وإيطاليا "-9.5%"، وإسبانيا "-9.4%"، فيما يتوقع أن تسجل فرنسا انكماشًا يتراوح ما بين 7.2% و8.2%، وألمانيا انخفاضًا في الناتج المحلي بنحو 7%، هذا يعني مزيدًا من الديون والعجز العام في ميزانيات هذه الدول، على سبيل المثال يتوقع أن يرتفع سقف الدين الفرنسي إلى 116.5% من إجمالي الناتج الداخلي والعجز العام إلى نحو 10%، وفي إيطاليا ستصل نسبة العجز إلى 11.1% من الناتج المحلي، أما ألمانيا فبعد أن سجلت فائضًا العام الماضي بنسبة 1.4%، فستكون على موعد مع عجز عام بنحو 7%.

أمام هذا سيكون أمام المفوضية الأوروبية عملًا شاقًا للتدخل السريع وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ما يعني تقديم مزيد من خطط التحفيز لدعم الاقتصادات الضعيفة، لكن مثل هذه الحلول ستصطدم بحالة من الانقسام يشهدها الاتحاد منذ فترة تتعلق بمشاركة الديون الجماعية.

 مبادرة ميركل - ماكرون
في مارس الماضي أقرت المفوضية الأوروبية حزمة إجراءات لدعم الاقتصاد في مواجهة تداعيات الجائحة بقيمة 540 مليار يورو، تتضمن برنامجًا لتوفير خطوط ائتمان بقيمة 240 مليار يورو للدول الأعضاء لتغطية نفقات الرعاية الصحية.

لكن يبدو أن هذا الرقم غير كافِ من وجهة نظر فرنسا وألمانيا، وتحديدا الأولى، إذ سعى الرئيس إيمانويل ماكرون لإقناع ألمانيا بالتراجع قليلا عن رفضها القوي لمبدأ مشاركة الديون الجماعية، وبالفعل نجح في مسعاه وأعلن بالمشاركة مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الإثنين الماضي عن مبادرة إنقاذ مشتركة بقيمة 500 مليار يورو، تعتمد على إنشاء صندوق لدعم الدول الأعضاء الأكثر تضررا من الجائحة، وبحسب ما هو معلن سيتم جمع أموال الصندوق من أسواق المال لحساب الاتحاد، أي أن المفوضية ستستدين المبلغ باسم جميع الدول، وسيتم تسديد هذه الأموال من الميزانية المشتركة للاتحاد، ما يعني أن الدول التي ستحصل على دعم الصندوق ستساهم في سداد ما حصلت عليه ولو بنسبة أقل.

المبادرة الفرنسية الألمانية تتعلق بتقديم دعم طويل الأمد لمرحلة إعادة بناء الاقتصاد الأوروبي وتعزيز النمو الاقتصادي في فترة ما بعد كورونا، وبينما طالبت ميركل في مؤتمر الإعلان عن المبادرة، بمزيد من الدعم للشركات الأوروبية وتعزيز الاستثمارات الرامية للتغلب على الجائحة وتداعياتها، طالب ماكرون بإعطاء الأولوية للتنسيق الأوروبي المشتكر في القطاع الصحي.

وأيا كانت صور الدعم الذي سيقدمه الصندوق، فهو في كل الحالات سيكون في حال حصوله على موافقة نهائية من الاتحاد وخروجه للنور جرعة قوية من الأدرينالين لاقتصاد أوروبا المريض، وسيرفع سقف حزمة الإنقاذ  في القارة إلى نحو ألف مليار يورو، وهو رقم كبير سيثبت في حال الوصول إليه أن الأزمات وحدها هي التي تعيد إحياء نموذج الاتحاد الأوروبي والتضامن بداخله.

من جانبها رحبت رئيسة المفوضية الأوروبية أورزولا فون دير، بالاقتراح الفرنسي الألماني ووصفته بـ"البناء" من أجل إعادة إعمار الاقتصاد الأوروبي بعد الجائحة.

كما رحبت إيطاليا وإسبانيا بالمبادرة، فيما عارضتها النمسا فور الإعلان عنها، ويتوقع أن ينضم إليها هولندا والدنمارك ودول وسط وشرق أوروبا، إذ ترفض هذه الدول إعطاء القروض كـ"هبات" بلا شروط محددة وعدم وفاء الدول المستفيدة بكامل قيمة القروض، لذا يتوقع أن تشهد القمة الأوروبية المقررة في الشهر المقبل جدلا واسعا حول شروط الاستفادة من القروض وأوجه صرف الأموال.





اضف تعليق