سور الأزبكية.. هنا تباع تذاكر الأحلام


٠٧ أغسطس ٢٠١٧

أماني ربيع


كان الملتقى دائما هناك عند حائط النور الذي يجمع كل عشاق الأبجدية عربية كانت أو أجنبية، إنه الملاذ من غول الغلاء الذي طال أجمل تذاكر الأحلام.. الكتاب.

هل تبحث عن طبعة شعبية لرواية تريد قراءتها لكنك لا تقدر على ثمنها؟، هل أنت من هواة جمع الطوابع والعملات؟، أو من محبي صحافة الزمن الجميل؟، أو ربما من عشاق مجلتيّ "ميكي" و"سمير" أو الأعداد القديمة من "رجل المستحيل" و"الشايطين الـ 13"؟، أو حتى تبحث عن كتاب علمي في تخصصك الجامعي؟، إذا كنت أي من هؤلاء فمقصدك حتما هناك عند السور.. سور الأزبكية.

رواد السور دائما عشاق، يلمسون أغلفة الكتب المهترئة القديمة وكأنهم يتلمسون أطياف العابرين قبلهم على الأوراق الصفراء برائحتها التي تحمل غبار الحنين، أو ربما ترى نظرة انتصار لشاب أو فتاة وجدوا أخير طبعة "حنينة" من رواية لأديبهم المفضل.

ينادي أصحاب "الفرشات" على بضاعتهم، وكأنهم يحملون تذكرة سحرية لصندوق الدنيا، "اتفرج وشوف" هناك تجد أسعار الكتب من أول جنيه واحد، أطنانا من الكتب المغبرة كتب طبية كتب لهواة تعلم اللغات، أعدادا قديمة لمجلات الأزياء والديكور وطبيبك الخاص.

روايح الزمن الجميل


عم صابر بائع عجوز يدرك قيمة ما يبيعه، أنامله تحاور الأغلفة في حنان، وكأنه أب يداعب أبنائه الصغار، تحاول أن "تفاصل" في ثمن رواية لكنه يرفض ويبادرك: “دي جوهرة مش هتلاقيها في حتة تانية”، تهم بالانصراف لكنه يزنك بيعينه هل أنت مجرد قارئ والسلام يبحث عن أي ورق رخيص، يناديك ويبيعك الرواية بأقل مما طلبت أنت، يربت على كتفيكِ: “أنت زي بنتي، القارئ عامل زي الجواهرجي وأنا غاوي أرصع مكتبات دروايش القراءة بتحف على ذوقي”.

وعلى عكس عم صابر، ترى هاني البائع الشاب، الذي يحاول أن يبيعك الكتب الـ "3 بعشرة جنيه" وكأنه يبيع طماطم، ينادي بأعلى صوته حتى تنفر عروقه، فتناديه : “حنجرتك يا كابتن”، يبتسم لك :”أكل العيش بقا”.

وسط ممرات فضاء السور، تستوقفك أغلفة المجلات القديمة، تاريخ مصر يعبر أمام عينيك في لمحات خاطفة رسمتها أقلام صحفيين وكتاب طواهم النسيان، ابتسامات وأحزان زمن ماضي تحاوطك بالحنين.

أرستقراطية الملكية تجدها في فخامة طلة الملك فاروق، أو ربما تأسرك نظرة الأميرة الحزينة فوزية، بعض المانشيتات تعيد نفسها «الجيش والشعب إيد واحدة» منذ عام 1970، وعشرات الصور لعبد الناصروالسادات.




الأبيض والأسود يرسم موزاييك بديع لزمن فات، وجوه فنانين عشت معهم أجمل أيامك، جميلات الزمن الجميل ينادونك بابتسامة لا تعرف "البوتكس" من القيثارة ليلى مراد مرورا بالدلوعة شادية والرقيقة فاتن حمامة، والفاتنة ليلى فوزي وصولا لنجلاء فتحي وميرفت أمين.

وبقدر ما تفتنك وجوه الملوك والفنانين، ستفتنك ملامح الرواد المنغمسين في البحث عما يريدون وكأنهم غواصين في بحر من الذهب، باحثين في التاريخ والفن، وطلبة طب وعلم نفس، وعشاق اللغات والأدب المترجم، ومحبي كل ماهو قديم.

منار المعرفة


منذ عام 1907 ونور هذا المكان يشع على مصر والعالم العربي ليصبح علامة من علامات القاهرة الثقافية لأكثر من 100 عام، كان إنشاؤه حلا عبقريا للتغلب على الفقر الذي قد يقف حائلا بين الناس والقراءة والإطلع، وعلى مدى تاريخه غذى كبار المفكرين والأدباء ووفر لهم زادا ثقافيا يغنيهم في البدايات.

كان الـ "كُتبجية" قبل ظهور سور الأزبكية يشبهون البدو الرحل، يطوفون بما يحملون من الكتب، كانوا يشترون بضاعتهم من الكتب من "درب الجماميز، ومكتبات "السعادة" أو "الأداب"، وغيرها وكانوا يفضلون الكتب صغيرة الحجم وكان زبونهم المستهدف الأفندية المثقفين على مقاهي "ريش" و"زهرة البستان" و"متاتيا"، وعندما تغلق المقاهي أبوابها في ساعة القيلولة ييممون وجوههم شطر ميدان الأوبرا للاستراحة في ظل أشجار حديقة الأزبكية.

 في عام 1949 استقر الكتبجية بتجارتهم التي راجت وأصبح لهم رواد ومريدين ورأس مال، في شارع "حمدي سيف النصر" الذي يفصل بين حديقة الأزبكية، لكن بدأت السلطات في ملاحقتهم، وفي إحدى المرات قذفوهم بخراطيم مياه سيارات الإطفاء، فتوجه الكتبية -وكان عددهم 31 كُتبي- للقاء رئيس الوزراء حينذاك مصطفى النحاس، وبالفعل قابلهم وتعاطف مع قضيتهم وأمر وزير الداخلية فؤاد سراج الدين بإصدار تراخيص لمزاولة هذه المهنة ليمنع تعرض البلدية لهم، ليتحول سور الأزبكية بشكل رسمي إلى معرض دائم للكتب.

وخلال عام  1959 لجأ البائعون إلي الدكتور عبدالقادر حاتم ، مدير مكتب الرئيس عبد الناصر آنذاك، وصلت أنباء الشكوى إلى عبد الناصر الذي حن إلى الأيام القديمة عندما كان من زبائن السوق الدائمين هو ورفاقه من أعضاء مجلس قيادة الثورة، وتذكر جميل تجار السوق فعقب ثورة 52 يوليو طلبت قيادة الثورة من تجار السور التنقيب عن أي وثائق أو أوراق قديمة عن الأسرة المالكة وحاشيتها، وبالفعل توصلوا إلى الكثير من الأوراق عن طريق خدم القصور الملكية الذين باعوها لتجار السور.

وأمر بتنفيذ أكشاك خشبية للبائعين لتنظيم كتبهم وإصدار تصاريح رسمية لهم بمزاولة المهنة بشرط ألا يغيروا النشاط ويبيعوا بضاعة أخرى.





أصبح السور جزءا رئيسيا من النهضة الثقافية في فترة الستينيات التي ازدهر فيها التعليم، والثقافة بوجه عام في مصر، كما بدأ تيار الحياة يثري في الحركة الأدبية، فتنامت التجارة وتضاعف عدد البائعين.

لكن مرة أخرى تأتي الرياح بما لا تشتهي الكتب، ففي عام 1983، تم هدم السور ونقله إلى منطقة السيدة زينب بعد البدء في إنشاء كوبري الأزهر، واستمر هذا الوضع لمدة خمس سنوات، حتى صدر حكم المحكمة لصالح التجار ضد محافظ القاهرة، الذي أعاد لهم تراخيص العمل مكان السور، وعادوا بالفعل لكن إلى الوراء قليلا بعد أن اقتطع الكوبري جزء من أماكنهم.

 تكرر الأمر عام 1993، عندما بدأت الحكومة في أعمال إنشاء مترو الأنفاق في ميدان الأوبرا، وتم نقل التجار إلى منطقة الدراسة على مقربة من المقابر، وهي فترة توارى فيها نور السور حتى عاد ليشع مجددا عام 1998.

كنوز وحكايات


وهناك بين جنبات كنوزا مخبوءة، فقد عثر محامي بالصدفة على نسخة من مسرحية "وفاء العرب" لأنطون الجميل مطبوعة في الأهرام التي كان رئيسا لتحريها عام 1909، موقع بإهداء من الجميل إلى سعد باشا زغلول.

ونشرت مجلة ساعة تقريرا طريفا عن مدرس ابتدائي عثر بالصدفة أيضا على مذكرات يوسف صديق، أحد قادة ضباط ثورة يوليو 1952، عندما وجد كشكولاً من دون غلاف وقلب صفحاته ثم نقد البائع خمسون قرشا ووضع الكشكول في جيبه، فقد أدرك أنه وقع على سبق صحفي هام وتوجه إلى مقر مجلة "أخر ساعة" التي قامت بنشر المذكرات الشخصية لأحد ضباط ثورة يوليو البارزين.

وتمت سرقة مكتبات لكبار الشخصيات وبيعها لتجار السور مقل مكتبة علي ماهر باشا رئيس وزراء مصر الأسبق، ومكرم عبيد وأحمد لطفي السيد، وأحمد كامل مرسي، وباع ورثة المفكر سلامة موسى مكتبته لتجار السور بعدما رفضت دار الكتب في مصر شراءها، كذلك مكتبة المستشار محمود بك السبع التي احتوت على كتب أجنبية نادرة منها نسخة من كتاب "الحملة الفرنسية" المطبوع في فرنسا في 36 مجلدا.

مشهد عشوائي


بمرور الوقت وتغير الثقافة ووجود أكثر من وسيط للمعرفة، وخصوصا الإنترنت، تغيرت أذواق مرتادي السوق لم يعد هناك الكثير من محبي التراث الذي ينقبون في أكوام الكتب القديمة المصفرة وكأنهم أمام كنز في معارة علي بابا، وأصبح الإقبال الأكبر على الطبعات الشعبية "المضروبة" من الروايات الأدبية.

في الماضي كنت ترى صاحب الكشك المخضرم الذي له مع المكان تاريخ، والذي يرفض أن تطلق عليه بائع ويفضل "كتبجي" وكانت الكتب لهذا الرجل الذي ربما لم ينل قسطا وافرا من التعليم أنيسه وجليسه، ووسادته كان يأكل حروفها في نهم حتى أصبح فقيها في كل ما يتعلق بالكتب، تجده قارئا مثقفا يكلمك عن الكتب وكأنها أبناؤه، وعلىا لعكس الآن تجد الباعة من الشباب الذين ينادون على بضاعتهم وكأنهم يبيعون الطماطم.

وبسبب ركود حركة الشراء وانتشار القراءة الإلكترونية، انساق الباعة الجدد وراء متطلبات السوق، فتراهم يبيعون ألعاب الأطفال، وزجاجات المسك والسبح الملونة إلى جانب عناوين كتب "ماسخة" بلا طعم، كتب عن التنمية البشرية وعن السحر والأبراج، واختفت كتب الفلسفة والتراث والشعر.

وتحول المشهد في السور إلى مشهد عشوائي، زحام المترو من جانب، واصطفاف الباعة الجائلين بضوضائهم فضلا عن موقف السيارات المجاور جعل صوت الصور يندثر ويخفت، مع حالة من الإهمال أصابت البائعين هناك بالحزن.

لكن أمام مائد السور التي ظلت رغم أنف الزمن عامرة ستقف شاعرا بالحيرة من أين تبدأ وماذا تشتري، هنا ستجد علوما وفلسفة، فقه ورياضايات، سياسة وفكر وتاريخ، ستجد تاريخ مصر كله، تاريخا مندثرا بأقلام من سبقونا تاريخ ضائع وسط الأتربة والزحام، وثق أن جنيهاتك القليلة ستفارقكك هناك، ربما لا يتبقى معك سوى تذكرة المترو، ومع ذلك ستودعه سعيدا ومثقلا بحمل جميل.


اضف تعليق