لوحات الفنان رينوار.. شخصيات لا تفكر وتعيش كالعصافير


٢٣ مايو ٢٠٢٠

رؤية

لم يبدأ الفنان الفرنسي أوجاست رينوار حياتة الفنية بكثير من النجاح، فخلال فترة 1860 لم يجد أموالا كافية ليشتري أدوات الرسم. ولم يُكلل معرضه الأول عام 1864 بأي نجاح يذكر، لكن بدأ الناس يبحثون عن اسم أوجاست رينوار على اللوحات بعد مضي 10 سنوات منذ ذلك التاريخ، بعد أن تم استضافة ست من لوحاته في المعرض الأول للمدرسة الانطباعية، وفي العام نفسه وضعت له لوحتان مع دوراند رويل بلندن.

بدأ رينوار حياته بالرسم على الخزف الصيني لمساعدة أسرته في دخلها المتواضع، فكان يزور متحف اللوفر لدراسة لوحات أعظم الفنانين، وأمضى أربع سنوات في المتحف يتدرب على نقل اللوحات، وفي سنة 1861 درس على يد المدرس السويسرى تشارلز جلاير، فتعرف على ألفريد سيزيلي وفريدريك بازيل وكلود مونية الذي أثر به وتأثر به أيضاً.

قام رينوار بالترحال إلى كثير من الدول التي أراد رؤيتها بعينيه، ففي عام 1881 سافر إلى الجزائر، ثم إلى مدريد لمشاهدة أعمال دييجو فلاسكيز، ومنها إلى إيطاليا لمشاهدة ورسم بعض لوح رفائيل بروما.

يا للفوضى!


كان الفضول أبرز مظاهر شخصية رينوار، والذي دفعه ليصور كل ما يراه في لوحاتة الانطباعية، والتي أصبحت من أبرز معالم هذه المدرسة.. حاول الكثيرون تصوير منطقة "تلة مونمارتر" لكن بشكل عام دون الدخول في أي تفاصيل، لكن رينوار عرف كيف يجسد تلك الحياة المليئة بالحركة والفوضى، فمن يشاهد لوحته يرى تلك الحركة والصخب المصاحب لهؤلاء الناس في اللوحة، فجسد الحياة بعفويتها وبساطتها وحركتها وصخبها ببراعة، وعندما عرضت لوحته سنة 1877، في صالون الانطباعيين الباريسي، صرخ النقاد "يا للفوضى!" وهو الانطباع الذي كان رينوار يريده.

في عام 1890 تزوج رينوار من ألين فيكتورين التي كانت تعمل موديل رسم، وبعد الزواج بدأ برسم زوجته في أكثر من لوحة وفي حياتة اليومية، وظهر أولاده الثلاثة في أكثر من لوحة أيضاً وممرضته وابن عم زوجته.

كانت النساء مصدر إلهامه الأساسي، وعندما أصبح مقعداً بسبب التهاب المفاصل رفض أن يقبل خادماً ذكراً، وكان محاطاً بأكثر من 30 فتاة كن يخدمنه على مدى 30 عاماً من الخادمات والطباخات والمربيات. وكان يوظف هؤلاء النسوة للعمل المنزلي وأيضاَ للجلوس أمامه بعفوية كي يرسمهن. ولا يبدو في وجوههن أي خبث أو تفكير.. وكان رينوار يمقت فكرة أن بإمكانهن التفكير، ويقول: إن هؤلاء النساء الشابات هن فاكهة جنة عدن وأزهارها.. إن شخصياتي التي أرسمها لا تفكر وهي تعيش مثل العصافير.

ويعترف رينوار بحبه الطائش للجسد الأنثوي ولكنه لم يكن أبداً "زير نساء"، ولم يكن يسعى مثل غيره من الفنانين لإغواء شخصياته "الموديلات". وعندما اهتم برسم العاريات صار عليه أن يترك تقنيات الخطوط المبعثرة والتناقض اللوني وهي أساسية في أسلوب الانطباعية، وصار يهتم بتقنيات الشكل والحواف والخطوط الخارجية للشكل كي يظهر جمال الجلد ومتعته.




واعتبر رينوار لوحته "المستحمات" قمة أعماله، وفيها فتاتان عاريتان في مقدمة اللوحة تقدمان الجمال والدفء للمشاهد، والألوان الدافئة فيها تمتزج مع درجات من الضوء، وفي خلفية اللوحة ثلاث فتيات عاريات يلعبن بالماء.

تتميز لوحات رينوار بقوة وروعة الألوان، وقوة التضاد بين الضوء والظل، والتي تميز المدرسة الانطباعية التي يعد رينوار من أحد روادها. أحب رينوار المدرسة الواقعية في البداية، ثم بدأ نضجه الفني عندما ظهرت له أعماله التي تعد انطباعية كاملة، والتي تصور لقطات من الحياة اليومية المليئة بالألوان والضوء والظل في منتصف 1880.

لم يتوقف رينوار عن الرسم حتى في آخر أيام حياته، وقد عانى من التهاب المفاصل الذي جعله جليس كرسي متحرك، وفي عام 1919 زار رينوار متحف اللوفر لآخر مرة في حياته ليرى لوحاته معروضة بجوار لوحات الفنانين الكبار الذين طالما درس لوحاتهم ونظر لهم بكل احترام وإجلال. وفي نفس العام رحل الفنان عن عمر يناهز الثامنة والسبعين.

 








الكلمات الدلالية الفنان رينوار

اضف تعليق