جاكومو ليوباردي.. أيها البدر خبرني ماذا تجدي الحياة؟


٢٩ يونيو ٢٠٢٠

رؤية

لطالما كان هذا التل الوحيد عزيزا علي
هو وهذا السياج الذي يحجب رؤية الأفق الشاسع
لكن عندما جلست وحدقت فيه ..
رأيت بعين قلبي مساحات لا نهاية لها، وصمتا مطبقا
وهدوءا قاتلا.
فزيفت حينها أفكاري لأنها كادت أن ترعبني.
وعندما سمعت هزيز الرياح بين هذه النباتات
بدأت أقارن ذلك الصمت اللامتناهي.. بهذا الإزعاج.
فكرت بالأبدية، والفصول المنسية، وتلك الحالية.
وهكذا غرق فكري وغدا حطاما في هذا البحر العذب.

كان الشاعر الإيطالي جاكومو ليوباردي يرى أن الموت ليس مأساة، فهو يحرر الإنسان من جميع السوء, وأن الشيخوخة سيئة إلى أقصى الحدود, لأنها تسلب الإنسان كل أشكال المتعة, تاركة له جميع الآلام. وكان يتعجب أنه رغم ذلك, يخشى الناس الموت ويفضلون الشيخوخة..!

في مثل هذا اليوم 29 يونيو 1798، ولد ليوباردي لعائلة نبيلة محلية، في العصر الذي ساد فيه الحكم البابوي. كان والده الكونت مونالدو ليوباردي مولعًا بالأدب. أما والدته فكانت امرأة متسلطة وباردة، ومهووسة بإعادة بناء ثروات العائلة المالية، التي بددها زوجها نتيجة إدمانه لعب القمار.

كتب الشاعر الإيطالي جاكومو ليوباردي، أول أعماله وهو في الخامسة عشرة من عمره.

بدأ ليوباردي دراساته تحت إشراف اثنين من القساوسة، وروى ظمأه للمعرفة من مكتبة والده الثرية. وقد تعمق بالثقافة الفلسفية والكلاسيكية، وكان يكتب ويقرأ باللغة اللاتينية واليونانية القديمة والعبرية.

واصل الدراسة بين سن الثانية عشر والتاسعة عشر، حبا للمعرفة وهربا من البيئة الصارمة والانضباط الشديد في منزل والده الفخم. وقد تسببت دراسته المتواصلة في إضعاف جسده، وحرمه مرض خطير أصيب به مبكرا، من أبسط متع الحياة.


عانى ليوباردي كثيرا حتى أنه حاول الهروب عام 1818، لكن والده أعاده للمنزل. واستمرت العلاقة بينهما بعد ذلك في التدهور.

في عام 1822 أقام مع عمه لفترة قصيرة في روما، لكنه أصيب بخيبة أمل عميقة، نتيجة جو الفساد والانحلال ورياء الكنيسة. فبدت روما بالنسبة له تستحق الازدراء.

لم يكن نصيبه أوفر حظًا في الحب، فقد وقع في غرام ابنة عمه، لكنه عانى من خيبة الأمل كذلك، في الوقت الذي ازدادات فيه أمراضه الجسدية.

  يا حبيبتي سيلفيا!
  كما لو أن الحياة والقدر قد ابتسما لنا.
  حينما أتذكر كل ذلك الأمل
  أشعر بالمرارة .. والغضب على سوء حظي
  أيتها الطبيعة، يا طبيعة ..
  لم لا تفين بوعودكِ؟
  لم تضللين أبناءكِ؟
  وقبل أن تذبل الأزاهير في الشتاء،
  ذبلتِ ..
  أوهنكِ المرض ومُتِّ.
  ولم تري أزاهير عمرك المقبلات،
  ولم ينبض قلبك عشقا،
  ولم تتحدثي عن الحب أيام السبت
  مع صديقاتك.
  وقبل ذلك بأمد طويل،
  مات أملي الغض أيضا،
  لقد حرمني القدر من شبابي أيضا.
  صِرتِ ماض ماضياً يا رفيقة براءتي،
  ويا أملا أندبه !
  هل هذا هو العالم؟ وهل هي تراها
  المتع والحب والحاجة والتجربة
  التي تحدثنا عنها كثيرا؟
  هل هذا مصير الإنسان؟
  عندما اقتربت منكِ الحقيقة..
  سقطتِ.. أيتها المسكينة
  ومن بعيد أشار الموت إليكِ بإصبعه
  من قبر خال.


تلقى دعوة للذهاب إلى ميلان عام 1824، من صاحب مكتبة ستيللا، لكتابة عدد من الأعمال، فسافر خلال تلك الفترة متنقلًا بين ميلان وبولونيا وفلورنسا وبيزا.

في 1828 رفض عرضًا قدمه سفير بروسيا في روما، ليشغل منصب الأستاذية في بون أو برلين، حيث كان مريضا ومتعبًا من العمل. في نفس العام ترك عمله مع مكتبة ستيللا وعاد إلى مدينته ريكاناتي.

عام 1830 جاءته الفرصة للعودة إلى فلورنسا بفضل مساهمة مالية من (أصدقاء توسكانا). وسمحت له طباعة عمله "سانتي" أن يعيش بعيدًا عن ريكاناتي حتى عام 1832 .

عثر ليوباردي على جماعة بين الليبراليين والجمهوريين الذين يسعون لتحرير إيطاليا من الإقطاع. وكان يدين الدستوريين والجمهوريين والديموقراطيين، ويدعم الحركات التي تدعو الإيطاليين إلى النضال من أجل استقلالهم.

عاش ليوباردي حياة أقرب إلى العزلة، وغلبت على مؤلفاته القتامة والألم. من روائعه القصائد الخمس: "الفكر المسيطر"، "حب وموت"، "إلى ذاتِه"، "كونسالفو"، و"أسباسيا"، التي كُتبت بين عامَي 1831 و1835. آخر مؤلفاته: "غروب القمر ونبتة الوزَّال". توفي في نابولي سنة 1837.

  في تلك الليلة الخاوية .. بين المسارح الخالية
  وأنقاض المعابد .. والمنازل المدمّرة،
  حيث تواري الخفافيش صغارها،
  سال بقسوة بين المباني الخاوية..
  كمشعل شرير، تدفقت الحمم
  وقضت على كل ما حولها.
  وأنت أيضا (الإنسان) قشة طيّعة
  يا من تزيّن هذا الريف المهجور.
  ستُقاد قريبا إلى القوة الكامنة
  ودونما مقاومة منك..
  ستسلم عنقك للمنجل الحاصد. 


من قصيدته "أيها القمر" نقرأ:
... أيها القمر ما عملك في السماء؟ خبرني ماذا تعمل أيها الوحيد الصامت؟ إنك تظهر ليلاً وتسير مشاهداً البوادي ثم تختفي.

ما حل بك التعب من مرورك دوماً في هذا الفضاء الخالد؟ ألم يعترك الضجر والملل؟ ألا زلت ترغب في مشاهدة هذه الوديان؟

ما أشبه حياة الرعاة بحياتك! إنهم يستيقظون في تباشير السحر يسوقون أغنامهم إلى الحقول، فيرون أمامهم قطعاناً ومروجاً واسعة وعيوناً نابعة... فإذا ما حل بهم التعب من الطواف طول النهار، ناموا في المساء ولا أمل لهم غير الراحة.

أيها البدر! خبرني ماذا ينفع العيش وماذا تجدي الحياة؟

ليت شعري ما الفائدة من عبورنا السريع لهذه الحياة، وما الغرض من مسيرك المتواصل دائماً؟


الكلمات الدلالية جياكومو ليوباردي

اضف تعليق