التقاريرسياسة

بعد 14 عامًا.. مدير مركز جنيف للعدالة يؤكد عدم قانونية اغتيال صدام حسين

رؤية – سحر رمزي

قبل أربعة عشر عاماً، فجر الثلاثين من كانون الثاني/ ديسمبر 2006، جرى إعدام الرئيس العراقي صدّام حسين. وشكّل الحدث، ولا يزال، علامةً بارزة في تاريخ العراق الحديث، وجرى استذكاره خلال الأيام القليلة الماضية، بالعديد من المقالات، لكنّها أغفلت الموقف القانوني الدولي بشأن ذلك، وهو ما سيحاول توضيحه المدير التنفيذي  لمركز جنيف  الدولي للعدالة  ناجي حرج. وسوف يقدم  إيجازاً بموقف أجهزة حقوق الإنسان في الأمم المتحدّة عنه.

يقول مدير مركز جنيف الدولي للعدالة تُوكل الأمم المتحدّة قضايا حقوق الإنسان إلى أجهزتها المختصة في جنيف، وفي مقدّمتها المفوّضية السامية لحقوق الإنسان، والمقرّرين الخواصّ والفرق العاملة. قدّ تناولت كلّ هذه الأجهزة موضوع الإعدام واعتبرته غير شرعي وغير إنساني، كما أنّها قد تناولت، أساساً، تأسيس ما سمّي، المحكمة الجنائية العراقيّة الخاصّة من قبل الحاكم الأمريكي بول بريمر، بالقانون رقم 1 الصادر في 10/12/2003، واعتبرت أن ذلك إجراء غير شرعي كونه قدّ جرى في ظلّ احتلال أجنبي. وأكدّت معظم البيانات والتقارير الرسميّة على عدم استقلالية القضاء في العراق بسبب التدخل المستمرّ للمحتل والسلطات التي أنشأها فيه، وعلى ما يتعرّض له المحامون ورجال القضاء من ضغوط تؤكد عدم وجود ضمانات استقلالية المحكمة.

المفوّضة السامية: الإعدام بعد محاكمة غير عادلة هو عمل غير إنساني

كما أوضح حرج أنه في إحدى رسائلها للسلطات العراقيّة وللمحكمة الجنائيّة الخاصة، أكدّت المفوّضة الساميّة آنذاك (لويز آربور)، أنها “تتدخل بوصفها أعلى مسؤولٍ لحقوق الإنسان في الأمم المتحدّة. وهي لديها ولاية الأمم المتحدّة المنصوص عليها في قرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن الدولي. وأن هذه الولاية تقضي بأن تقوم بالتحقيق من ومراقبة وتقييم مدى تطبيق الدول للالتزامات المترتبة على عاتقها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان. وأن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، ومن بينها العراق، بقبولها الالتزام بميثاق الأمم المتحدّة، تكون قد قبلت ولاية المفوض السامي لحقوق الإنسان”.

وفي أكثر من مناسبة، أكدّت بالتفصيل الجوانب القانونية والوقائع التي تؤكدّ عدم توفّر محاكمة عادلة ومنصفة، وأضاف وشكّكت في شرعية إنشاء المحكمة وفي حياديتها، وأشارت إلى عدم توفّر دفاع فعّال للمتهمين، وأوضحت ما تعرّض له المحامون من تهديدٍ واغتيالات. وكذلك عدم توفر الوقت الكافي للدفاع إذ إنّ المحكمة في الوقت الذي كانت تقبل فيه أدلة جديدة ضدّ المتهمين، فأن القاضي أعلن عن إغلاق باب تقديم الدفوع أمام دفاع المتهمين، كما لم تتح للمتهمين مناقشة شهود الإثبات. واعتبرت أن كلّ ذلك يعدّ انتهاكا لحقّ المتهمين الأساسي ويناقض مبدأ “تساوي الأسلحة”. وأشارت أيضاً إلى عدم توفّر وسائل أمام المتهمين للتظلّم، وإلى التدخل الواضح للسلطة التنفيذية في سير المحاكمات وخاصة قيامها بتبديل القضاة. كما أشارت إلى صدور تصريحاتٍ من مسؤولين حكوميين، قبل وأثناء المحاكمات، تُجرّم المتهمين وتقترح إصدار أحكامٍ معينة ضدّهم وهو ما اعتبرته تدخلاً واضحاً في عمل المحكمة. وبالتالي فقد رأت المفوضة السامية “أن تطبيق حكم الإعدام الصادر إثر محاكمة غير عادلة هو عمل غير إنساني”.

وفي إحدى مطالعاتها القانونية التي وجّهت للمحكمة والسلطات العراقية، أفردت المفوّضة السامية جزءاً خاصّاً عن الطريقة الوحشية التي نُفذ فيها حكم الإعدام ضدّ الرئيس صدّام حسين مؤكدةً أنها “مخالفة صريحة للالتزامات المنصوص عليها في العهد الدولي”، ورأت المفوّضة السامية أن الطريقة كانت “مشينة ولا تحترم الكرامة الإنسانية”. وكل ذلك يستتبع المسؤولية الدولية للسلطات المعنية.

الفريق العامل للأمم المتحدّة المعني بالاعتقال التعسفي

وقال حرج درس الفريق العامل المعني بالاعتقال التعسفي مجريات المحاكمات منذ بداياتها ووجّه الكثير من الرسائل للسلطات العراقية والامريكية طالباً إجابات محدّدة عن قضايا كثيرة أثارها الفريق ليحدّد موقفه من مدى مشروعية المحاكمات. وفي هذا السياق قدّم الفريق أكثر من تقرير الى مجلس حقوق الانسان. وفي أحد تقاريره خلص الى القول أنّه وجد “أن صدام حسين لم يتمتع بحقّ محاكمته من قبل محكمة مستقلة ومحايدة وفق ما تقتضيه شروط المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية”.

 وأوضح أنه “لم يُتَح لصدّام حسين الوقت الملائم ولا التسهيلات الملائمة لتحضير دفاعه”. وإن القيود الشديدة المفروضة على وصوله إلى محامين من اختياره، وتواجد مسؤولين أمريكيين في اجتماعاته (مع محاميه) تشكل انتهاكاً لحقّه في الاتصال بمحامٍ. وإن اغتيال اثنين من محاميه أثناء سير المحاكمة، هما السيد سعدون الجنابي، يوم 20 تشرين أول 2005، والسيد خميس العبيدي، يوم 21 حزيران 2006، قد عرّض إلى خطرٍ كبير حقّه في الدفاع عن نفسه من خلال مساعدة قانونية من اختياره، وهو الحقّ المنصوص عليه في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية”. وأضاف الفريق الأممي: “إن صدّام حسين لم تتح له إمكانية إحضار واستجواب الشهود لصالحه في ظلّ نفس الشروط التي أعطيت للشهود الذين شهدوا ضدّه”. ويذكر أن الفريق قد طلب في عام 2004 زيارة السجون والمعتقلات لكن سلطات الاحتلال رفضت الطلب.

وفي ضوء ما سبق، فإن الفرق العامل قدّم – في حينه – إلى الأمم المتحدّة الرأي القانوني التالي:

“إن حرمان السيد صدّام حسين من حرّيته هو حرمانٌ تعسفي، كونه يتناقض مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية و كلّ من العراق والولايات المتحدة هما طرفان من أطرافه.”

وطالب الفريق العامل من السلطات العراقية والأمريكية اتخاذ الإجراءات اللازمة لإصلاح هذا الوضع غير القانوني، وهو ما لم يتمّ. وفي تقرير لاحق، اختتم الفريق العامل سلسلة آرائه عن المحاكمة بالقول “إن محاكمة السيد صدّام حسين قد أُجريت وانتهت بسلسلة من الانتهاكات لحقّ الدفاع وللحقّ في الحصول على محاكمة عادلة”.

موقف بعثة الأمم المتحدّة في العراق

كما أكد حرج أنه لا بدّ من الإشارة إلى أن بعثة الأمم المتحدة في العراق قدّ أكدّت بصورة لا تقبل الشك، أن “المحاكمات تفتقر إلى العدالة والنزاهة وفقًا للمعايير الدولية”، وشكّكت في تقاريرها الدورية بشرعية المحكمة التي تتولى إجراء تلك المحاكمات. وفي أحد اللقاءات مع (رويترز) في ديسمبر 2005، أعرب السيد جون باتشي، مسؤول حقوق الإنسان في البعثة “أنّ ضعف نظام إدارة العدالة بالإضافة إلى السوابق التي أحاطت بإنشاء المحكمة لن يكون قادراً على إنتاج العملية التي تتواءم مع المعايير الدولية”، وأضاف: “نحن قلقون للغاية بشأن المحاكمة، ويتعيّن وضع شرعية المحكمة تحت الاختبار؛ لوجود طعون حقيقية ضدّها في كثير من الجوانب”. وأوضح باتشي “أن الاعتداءات والاغتيالات التي طالت عدد من المحامين تحول دون تمتّع المتهمين بحقّهم في الدفاع، وهو ما يقوّض أهم أركان المحاكمة العادلة”.

موقف المقرّر الخاص للأمم المتحدة عن استقلال القضاء والمحامين

حسب مدير مركز جنيف يختصّ هذا الخبير الدولي بمهمّة النظر والتدقيق في شؤون وأوضاع القضاء والمحامين في العالم لملاحظة مدى الاستقلالية واحترام المعايير الدولية المُلزمة للدول الأعضاء. ومنذ تاسيس المحكمة، أبدى السيد ليناردو ديسبوي (المقرّر الخاص آنذاك)، تحفظاتٍ جدّية بشان عدم مشروعية المحكمة، وبيّن، في تقاريره وبياناته الرسميّة، العيوب والنواقص الخطيرة في إجراءاتها، ومنها تقييد ولايتها القضائية شخصياً وزمانياً، وما ينشأ عن ذلك من إخلالٍ بالمبادئ والمعايير الدولية لحقوق الإنسان وخاصةً ما يتعلّق بحيادية المحكمة واستقلالها وضمان حقوق المتهمين بالدفاع اللازم.

وأوضح ديسبوي “أنّه راقب منذ البداية إجراءات المحكمة بقلقٍ بالغ، وأنه قد صُدم من حجم وعدد الخروقات التي ارتكبت”. وأكدّ أن الخرق الأساسي هو “أن المحكمة قد أُنشئت في ظلّ احتلالٍ أجنبي، الأمر الذي يقّوض أيّ ادعاء بالمشروعية ابتداءً، وأن القضاة قد اختيروا ضمن هذا السياق وضمن اعتباراتٍ وميولٍ سياسية معينة، وبالتالي فإن عنصر الحيادية قد انتفى تماماً”. وقال “إن من دراسته لنظام هذه المحكمة فإنه يستطيع القول إنّه لا نظام لها بالمعنى القانوني الصحيح لهذه الكلمة، مما يؤكدّ إنها جهاز وضع لتحقيق غرضٍ معين”. ويبيّن السيد ديسبوي، “أن من القضايا الجوهرية في عدم مشروعية المحاكمة هو الإصرار على تطبيق عقوبة الإعدام ضمن نيّة مسبقة عبّر عنها معظم أركان النظام في العراق، فقبل المحكمة تحدثوا عن إنزال عقوبة الإعدام! وهذا خرقٌ فاضح جداً لكل مبادئ حقوق الإنسان والمعايير الدوليّة”.

كما أشار ديسبوي  كذلك إلى أن المجتمع الدولي كان يستحقّ أن يرى محاكمةً عادلة ومستقلّة وشفافة، “فما أثير عن عهد صدام حسين كان كثير جداً وكنا نتمنى أن نعرف حقيقة ما جرى، ولكي نتثبت من صحة الادعاءات الكثيرة”، وتساءل “لماذا ولمصلحة من يتمّ طمس كلّ ذلك ؟، وإذا كان هنالك من ضحايا فان من حقّهم أيضاً أن يعرفوا الحقيقة كاملة”. ولذا، يقول المقرّر الخاص، “لقد أكدّت في تقارير وتصريحات هذا الجانب أيضاً فهو خرقٌ فادح لمعايير العدالة، وأكدّت أنه لا يمكن أن تجري محاكمة عادلة وحقيقية ومستقلّة في ظلّ الظروف التي يعيشها العراق، مما يستلزم إجراءها في إطار محكمة دولية بالتعاون مع الأمم المتحدة “.

موقف المقرّر الخاص للأمم المتحدة المعني بالإعدام خارج نطاق القضاء  

كما كانت هناك مواقف مهمّة للمقرّر الخاص للأمم المتحدة المعني بالإعدام خارج نطاق القضاء أو الإعدام بمحاكمة موجزة أو الإعدام القسري، تكرّر فيها كل ما قيل سابقاً عن عدم شرعية المحكمة، عدم استقلاليتها، انتهاكاتها للمعايير الدوليّة، ما تعرّض له المتهمون والمحامون من معاملة سيئة وتهديدٍ واغتيالات.

وفي تقاريره إلى لجنة ثمّ مجلس حقوق الإنسان والى الجمعية العامة للأمم المتحدّة أوضح  فيليب ألستون (المقرّر الخاص آنذاك)، تفاصيل مراسلاته مع السلطات العراقية والأمريكية بخصوص عدم عدالة المحاكمات. ومنها أنّه قدّ وجّه رسالةً عاجلة إلى تلك السلطات بتاريخ 7 تموز 2006، بعد أن طالب المدّعي العام للمحكمة الجنائية العراقية، الحكم بالإعدام ضدّ الرئيس صدّام حسين وعدد من رفاقه في قضية الدجيل. وقدّ شدّد السيد ألستون في رسالته “أن فرض عقوبة الإعدام يستدعي طبقاً للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وغيره من الصكوك القانونية الدولية ذات الصلة، أن تقدّم الدول الأعضاء ضماناتٍ إجرائية صارمة في المحاكمات، وفي جمع وتقييم الأدلّة، دون أيّ استثناء، فيجب أن تستوفي أعلى معايير الاستقلالية والكفاءة والموضوعية والنزاهة المطلوبة في القضاة والمحلّفين”. ومنها أيضاً “أن يُتاح للمتهمين الذين يواجهون عقوبة الإعدام دفاعٌ كفء وفعّال في جميع مراحل الدعوى. ويجب افتراض براءة المتّهمين إلى أنّ تثبت إدانتهم بما لا يدع أيّ مجال معقول للشكّ”. وعلاوةً على ذلك، يجب “أن تؤخذ جميع العوامل المُخفِّفة في الحسبان. ويجب أن تضمن إجراءات الدعوى الحقّ في مراجعة وقائع القضيّة وجوانبها القانونية على السواء أمام محكمة أعلى تتألف من قضاة مختلفين عن قضاة المحكمة الأولى التي نظرت القضية في الدائرة الابتدائية”. كذلك، يجب “ضمان حقّ المتهم في التماس العفو وتخفيف الحكم”.

وأضاف ألستون أنه أوضح للسلطات وجود مخاوف جدّية فيما يتعلق بالامتثال لهذه المتطلبات في محاكمة الرئيس صدّام حسين ورفاقه ومنها وليس آخرها، أن اغتيال ثلاثة من محامي الدفاع يلقي الشكوك على التمتّع الكامل بالحقّ للمتهم في الدفاع عن نفسه من خلال مساعدة قانونية من اختياره طبقاً للمادة 14 من العهد. وبالنظر إلى الطابع غير القابل للعلاج في حالة عقوبة الإعدام، ولأنّه رأى أن هذا الحكم سيفشل في أن يأخذ في الاعتبار العديد من المسائل القانونية الخطيرة التي كان يجب توافرها في المحاكمة، فإنه قدّ حثُ السلطات على إلغاء أو تعديل المادة 27 التي تنصّ على أن لا سلطة، بما في ذلك لرئيس الجمهورية، منح العفو أو تخفيف العقوبات الصادرة عن المحكمة لتعارضها مع الفقرة 4 من المادة 6 من العهد، التي تنصّ على أن ” لكلّ شخص حُكم عليه بالإعدام الحقّ في التماس العفو أو تخفيف العقوبة”، فضلاً عن ضرورة توفير الوقت الكافي لممارسة هذا الحقّ على نحوٍ فعّال، منتقداً فترة الشهر المقرّرة بين الحكم والتنفيذ.

وخلص السيد الستون في أحد تقاريره للجمعية العامة للأمم المتحدّة”أن المحاكمات لم تحترم المعايير الدولية وأنه يعتبر أن السلطات العراقية قد فشلت في التعاون مع ولاية المقرّر الخاص الممنوحة له من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدّة”.

خلاصة الموقف القانوني الدولي

تلخص المواقف المذكورة أعلاه الموقف القانوني الدولي من إعدام الرئيس صدّام حسين، فهي مواقف قد بُنيت على المواثيق الدولية من عهودٍ ومعاهداتٍ، ملزمة لأطرافها، وبالتالي فأنّ أهم عناوين تلك المواقف هي:

  • عدم مشروعية الاعتقال،
  • عدم مشروعية إنشاء المحكمة،
  • عدم مشروعية المحاكمات،
  • عدم مشروعية حكم الإعدام،
  • عدم مشروعية تنفيذه،

ومن هنا، فقد مثّل إعدام الرئيس صدّام حسين حالة إعدام خارج القضاء، بمعنى أنّ كلّ من ساهم في التهيئة لذلك، وفي التنفيذ، يتحمّل المسؤولية الكاملة عن جريمة قتلٍ عمد. ويمثّل ذلك، فضلاً عن الطريقة غير الإنسانيّة التي نُفّذ فيها حكم الإعدام، الغياب التام لحكم القانون في العراق، وأسست لتردٍّ خطير في النظام القضائي ككل يتواصل إلى يومنا هذا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى