التقاريرالصفحة الرئيسيةسياسة

داعش في سوريا والعراق.. مخاوف من عودة التنظيم بعد عامين من «الهزيمة»

كتبت – أسماء حمدي

بعد عامين من الهزيمة الساحقة، تصاعدت الهجمات التي يشنها تنظيم «داعش»، في بعض البلدان التي كان يسيطر على مناطق فيها أو ما زال له موطئ قدم في أراضيها، ما يشير إلى أنه قد تمكّن إلى حد كبير من إعادة تنظيم صفوفه في هذه المناطق الشاسعة.

داعش في سوريا مجددًا

شهدت سوريا منذ أسابيع تصاعدا لافتا للهجمات التي يشنها «داعش»، ضد قوات النظام وحلفائه، بعد أقل من عامين من الهزيمة التي مُني بها في الباغوز، البلدة التي شكّلت آخر معاقله على بريف دير الزور شرق سوريا.

شكّلت البادية السورية أحدَ أهم معاقل التنظيم، والذي بدأ بالاستقرار بها منذ أواخر عام 2017، حيث كان يمتلك فيها بنيةً تحتية للاستقرار، ومعرفةً تامة بتفاصيل تضاريسها وطرقاتها وأماكن الاحتماء فيها، كما أن عمق البادية التي تشكل قرابة نصف مساحة البلاد الإجمالية، ظلت خارج نطاق سيطرة النظام، الذي لم يكن يملك ما يكفي من لملاحقة «الدواعش».

 تقوم خلايا «داعش» باغتيالات وعمليات ترهيب وابتزاز في المناطق الممتدة من شرق الفرات حتى الحدود العراقية وهي مناطق سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» التي هُزم على أيديها بدعم أميركي، في مارس 2019.

وكان النظام السوري على دراية بأن مقاتلي التنظيم ينشطون في الجنوب، بدءاً من بادية السويداء بالغة الوعورة، مروراً بأرياف دمشق وحمص ودور الزور، شرقاً، وصولاً إلى الرقة وحماة في وسط سوريا، لكنه اعتبر أن «داعش» معزولا في الصحراء ولا يشكل خطرا كبيرا، وبدلا من ملاحقته عليه أن التركيز على معاقل المعارضة المتبقية.

 في بداية العام الماضي، تُرجمت سياسة النظام السوري،عندما شن حملة واسعة استهدفت محافظة إدلب بشمال غربي البلاد، والتي تمكن فيها مع حلفائه الروس في السيطرة على مناطق مهمة كانت تسيطر عليها فصائل المعارضة.

تتركز أوكار داعش في البادية السورية في ثلاث مناطق في عمق الصحراء، الأولى هي جبل بشري في أقصى القسم الجنوبي الشرقي من محافظة الرقة، والثانية، في منطقة الدفينة بجنوب غربي دير الزور، والثالثة، في الصحراء بين تدمر والسخنة، غرباً، منطقة حزام الـ«55 كلم» جنوباً، محطة الـ«تي 2» النفطية شرقاً، ومنطقة فيضة بن موينع شمالاً، وفقا لدراسة قدمها المعهد الملكي للشؤون الدولية «تشاتام هاوس» عام 2019 .

داعش في العراق

على الرغم من النجاح الذي حققته القوات العراقية في الفترة الأخيرة باحتواء التنظيم، هناك خوف من أن تؤثر الأزمة الحالية بين الحكومة والميليشيات الموالية لإيران على المعادلة الأمنية.

 وقال الباحث في الشأن العراقي أحمد النعيمي، إن «هناك أكثر من طرف له مصلحة بعودة هجمات داعش المؤثرة. أولها الطرف الفصائلي أو المليشياوي الحليف لإيران، فوجوده في المدن المحررة، الذي تحول جزء منه للتربح والتجارة وتحصيل الأموال، مرهون بخطر داعش، وزوال هذا الخطر أو تلاشيه يعني أنه لا حجة أمام هذه المليشيات للبقاء في تلك المدن، لذا لمسنا هجمات إرهابية مع كل دعوات تطلقها تلك المدن للمطالبة بإخراج المليشيات والاكتفاء بالجيش والشرطة».

وأشار إلى تراجع خطر التنظيم نهاية هذا العام، على عكس ما كان عليه في منتصفه مثلاً، لكن يبقى غير مضمون عدم عودة الهجمات الإرهابية، لأن أطرافاً سياسية نجحت في ربط الملف الأمني بالسياسي، وهذا ما يمكن اعتباره تلاعباً جديداً بحياة العراقيين.

استراتيجية جديدة

رغم مقتل قيادات داعش وتشتت عناصره، إلا أن التنظيم حافظ على تماسك بنيته التنظيمية ومنظومة القيادة والسيطرة فيه، وعمل على إعادة بناء مجموعاته القتالية في شرق نهر الفرات وغربه في سوريا، وفي المناطق الصحراوية والجبلية في غرب وشمال غربي العراق وشكّل التنظيم مجموعات صغيرة من بقايا فلول قواته، وقام بسحب معظم قياداته إلى مناطق آمنة، بحسب تقرير لمعهد دراسة الحرب.

عوامل مساعدة

في الآونة الأخيرة، ساعدت مجموعة من العوامل تنظيم «داعش» في استعادة نشاطه، كاستمرار الفوضى في سوريا والعراق أيضاً، وعدم التوصل إلى حلّ سياسي يُنهي الأزمة السورية، خاصة في ظل التدخلات الخارجية كالتدخل الإيراني والتركي.

كما ساعد الفساد في المؤسسات الأمنية في سوريا والعراق، على عودة التنظيم، حيث تشير المعلومات إلى أن الأجهزة الأمنية ساعدت مقاتلي التنظيم في الإفلات من السجون، وشراء الأسلحة بالإضافة إلى إمدادات الغذاء.

وساهم انتشار فيروس كورونا، وتأثيره في كلا البلدين في ملف الحرب على «داعش»، وخاصة «التحالف الدولي» إعادة نشاطه، وقد استغل التنظيم الانكفاءَ العسكري لهذه الأطراف والاكتفاء بما أنجزته من تدمير هياكل التنظيم وانسحاب فلوله بعيداً عن المراكز الحضرية.

وبالرغم من تأكيد التحالف الدولي ضد «داعش» أنه سيبقى في سوريا والعراق التزاما منه بمحاربة ما تبقى من التنظيم، إلا أن أولويات قد تغيرت وخاصة في العراق، وذلك نتيجة للتطورات العسكرية والسياسية، حيث أصبحت قضية التصدي للميليشيات الإيرانية والتي تستهدف القوات الأمريكية في العراق، تمثل خطراً أكبر بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية.

وفي سوريا، أصبحت حماية الأكراد لمناطقهم من تركيا وفصائل المعارضة السورية أولويةً تتقدم على خطر «داعش»، ونتج عن هذا التبدل تحويل أغلب موارد هذه الأطراف بعيدا عن الحرب على التظيم.

كما أن النظام السوري وحلفاءه الروس، لا يملكون تقنيات جوية تسمح لهم بتوجيه ضربات «ذكية» لتحركات مقاتلي التنظيم، كالمشاركة الروسية الكثيفة التي ساعدت النظام على استعادة المناطق من أيدي المعارضة، من خلال صب قدرة تدميرية كبيرة على منطقة محددة، ما يجعل بقاء المعارضة فيها مستحيلاً، بعد أن تحولت إلى أنقاض وركام، ما ويؤكد الأسلوب الروسي لخوض الحروب متمثلاً بتدمير المدن على أنقاض المعارضين المتحصنين بها، والحقيقة، أنه حتى ولو امتلك النظام وحلفاؤه تقنيات جوية حديثة، فإن ذلك قد لا يكون كافياً لهزيمة «داعش» في البادية.

مخاوف وتحذيرات

كشفت صحيفة «التايمز» البريطانية عن مخاوف وتقارير لمراكز دولية متخصصة بتتبع التنظيمات الإرهابية، من عودة «داعش» إلى الساحة مجدداً، كما حدث في الكمين الأخير الذي نصبه عناصر التنظيم لقافلة عسكرية تابعة لجيش النظام السوري، الأسبوع الماضي وأسقط عشرات القتلى.

ويثير الهجوم المخاوف من عودة التنظيم، وذلك بعد أن أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقادة آخرون أن تنظيم داعش قد هُزم بنسبة 100% بعد فقدانه دولة الخلافة، المعلنة من جانبه، ومقتل زعيمه أبو بكر البغدادي في أكتوبر 2019.

ووفقاً لتقارير صادرة عن BBC Monitoring المعني بتعقب التقارير الإعلامية في جميع أنحاء العالم، فإن داعش ومجموعات تابعة له أعلنوا مسؤوليتهم عن أكثر من 800 هجوم إرهابي اعتبارا من بداية عام 2020 وحتى 10 ديسمبر الماضي، وقد شمل نطاق تلك العمليات مصر وليبيا وأفغانستان واليمن ومناطق غرب أفريقيا.

كما وقع أكثر من 280 هجوماً في العراق، حيث زعم التنظيم في إصداراته أن الجيش في حالة ضعف، فيما تخشى الحكومة العراقية تفاقمَ الأوضاع مع انسحاب القوات الأمريكية.

كما حذرت فرنسا من عودة محتملة لتنظيم داعش إلى سوريا والعراق، وقالت وزيرة الدفاع الفرنسية، فلورنس بارلي في تصريحات صحفية، إن فرنسا ترى أن تنظيم داعش لا يزال موجودا، حتى أنه يمكن الحديث عن شكل من أشكال عودة ظهوره في سوريا والعراق، فمنذ سقوط بلدة الباغوز في وادي الفرات، حيث كان المعقل الأخير للتنظيم، يمكن أن نلاحظ أن داعش تستعيد قوتها في سوريا».

وإذا كان من المتوقع ارتفاع نشاط «داعش» في الفترة المقبلة، نتيجة انشغال خصومه بصراعاتهم، فإنه من غير المرجح أن يتحوّل التنظيم إلى قوة مهيمنة في المرحلة المقبلة، وأن استمراره رهن ببقاء الأزمة السورية من دون حل، حيث تحوّل إلى عنصر من عناصر الأزمة، بما فيها قضية التنظيمات المتطرفة التي تستفيد من حالة الفراغ السياسي في أجزاء من سوريا، والتي لا يُتوقع أن يكون لها وجود ولا تأثير بعد الحل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى