اقتصادالتقاريرالصفحة الرئيسية

بعد انتقاده للنظام الصيني.. الملياردير «جاك ما» خرج ولم يعد

كتبت – ولاء عدلان

الملياردير الصيني مؤسس شركة علي بابا الشهيرة “جاك ما”، أصبح خلال الشهرين الماضيين في عداد المفقودين، الرجل المعروف بظهوره المتكرر على شاشات التليفزيون والصفحات الأولى للجرائد فجأة اختفى ولا أحد يعرف أين هو، وهل هذا الاختفاء طوعي أم إجباري؟ حتى شركته امتنعت عن التعليق والرد على أسئلة وسائل الإعلام.

جاك ما يعد واحدا من أهم رجال الأعمال في الصين بل في العالم ككل، وتوقفه عن الظهور بشكل علني فجأة أمر يحتاج إلى التبرير، ليس فقط من قبل شركته بل أيضا من قبل السلطات الصينية وهو ما لم يحدث حتى اللحظة.

ماذا حدث؟

شككت تقارير إعلامية عدة في أسباب الاختفاء المفاجئ لـ” جاك ما” وأثارت عدة تكهنات حول مكانه ومصيره، لاسيما أن الرجل اختفى بعد مشاركته يوم 24 أكتوبر في مؤتمر أعمال في شنغهاي، تحدث خلاله في كلمة لأكثر من 20 دقيقة عن ضرورة إصلاح النظام الاقتصادي الصيني.

وقال الملياردير جاك ما -خلال المؤتمر- إن النظام المالي الحالي هو إرث العصر الصناعي، ويجب علينا إصلاحه، فهو خاضع لسيطرة “نادٍ من العواجيز”، يعملون لخدمة مصالح حفنة من البنوك التقليدية، وهو ما يتسبّب في خنق جميع الصناعات القائمة على الابتكار، فهؤلاء المنظمون التقليديون غالبًا ما يضحون بالابتكار على مذبح الاستقرار، مضيفا يجب أن نتذكر أنه لا يوجد ابتكار بلا مخاطر، ففي كثير من الأحيان تكون محاولة تقليل المخاطر إلى الصفر هي الخطر الأكبر بحد ذاته.

الغريب أن نائب الرئيس الصيني وانغ كيشان كان حاضرا في المؤتمر، ويبدو أن كلام جاك أثار حفيظته، حيث قال، خلال كلمته: إن الحفاظ على استقرار النظام المالي يحظى بأولوية قصوى، وينبغي بذل الجهود لمنع وتقليل المخاطر المالية، وبينما أدت التقنيات المالية الجديدة إلى تحسين الكفاءة وتوفير الراحة، فقد تم تصعيد المخاطر المالية، وختم قائلا: الاستقرار والأمن دائمًا يحتلان المرتبة الأولى.

وبحسب مشاركين في المؤتمر أغضب خطاب جاك الرئيس الصيني نفسه، وهو ما ترجمه في 4 نوفمبر الماضي بإصدار أوامر مباشرة بوقف الاكتتاب العام لشركة الخدمات المالية “Ant” التابعة لمجموعة “علي بابا” والذي كان يقدر بنحو 35 مليار دولار، وربما ترجمه بشكل أكثر قوى باتخاذ خطوات عملية لتحجيم نفوذ جاك وهو ما سنعرج عليه لاحقا.

الملياردير الصيني كان يفترض أن يشارك خلال شهر نوفمبر الماضي في الحلقة النهائية من برنامج “Africa’s Business Heroes” باعتباره أحد أعضاء لجنة التحكيم، ولكنه لم يحضر وناب عنه مسؤول تنفيذي بمجموعته “علي بابا”، وبررت المجموعة وقتها عدم مشاركته بأن جدول أعماله متخم بالمواعيد.

ومنذ تاريخ 24 أكتوبر الماضي غاب جاك ما عن الأنظار ولم يظهر علنا ولو لمرة واحدة كما أنه توقف عن استخدام حسابات التواصل الاجتماعي الخاصة به، ما أثار تكهنات عدة حول مصيره.

بحسب “فايننشال تايمز” تلقت وسائل الإعلام الصينية منذ ديسمبر الماضي، تعليمات صارمة من الجهات الرقابية بشأن الأخبار التي يمكن ولا يمكن عرضها بشأن شركات مجموعة علي بابا، ونقلت الصحيفة عن أصدقاء لـ”جاك ما” تأكيدات بأن الرجل ما زال في الصين ولم يهرب إلى الخارج كما تكهنت بعض التقارير الصحفية.  

واستبعد أصدقاء “ما” بشدة التقارير التي تتحدث عن وقوع الرجل تحت طائلة القانون بسبب جرائم مالية،  في حين قال أحدهم: إن جاك ما بخير ويرد على الرسائل والمكالمات ويبدو أنه في حالة معنوية جيدة، لكنه يلتزم الصمت نظرا لوجود مناقشات مع الجهات التنظيمية بشأن أوضاع شركاته في ظل التنظيمات الجديدة المتعلقة بمكافحة الاحتكار.

خصومة مع النظام

في غضون ذلك، قالت صحيفة الشعب اليومية الناطقة بلسان الحزب الشيوعي الصيني إن جاك ما تحت الرقابة وتم إبلاغه بعدم مغادرة البلاد، إذ أنه يواجه اتهامات مالية تتعلق بالاحتكار واستغلال الفقراء، وكتبت في تعليق لها على أخبار اختفائه أنه لا يوجد ما يسمى عصر جاك ما أو عصر شخص بعينه، فقط هناك أشخاص حققوا بعض الإنجازات خلال حقبة ما، هذا التعليق دفع البعض في الصين للتكهن بأن عصر جاك ما انتهى ولن يعود كما كان.  

جاك ما الذي تقدر ثروته بنحو 60 مليار دولار، شركاته بدأت في نهاية العام الماضي تواجه مشاكل مباشرة مع الجهات التنظيمية في الصين، ففي ديسمبر الماضي فتحت سلطات المنافسة الصينية تحقيقا ضد شركته المتخصصة في البيع عبر الإنترنت “علي بابا”؛ بشبهة قيامها بممارسات احتكارية.

كما فتحت “إدارة تنظيم الأسواق” تحقيقا يستهدف مجموعة “آنت جروب” التابعة لـ”علي بابا”، بشأن قضايا تتعلق بالرقابة، كما أعلن المركزي الصيني وهيئة الرقابة المصرفية وجهات أخرى التواصل مع إدارة الشركة من أجل إعادة هيكلة أوضاعها لتصبح أكثر تناغما مع مبادئ السوق والاشتراطات الخاصة بالرقابة المالية.

في منتصف ديسمبر الماضي فُرضت السلطات الصينية على مجموعة “جاك ما” غرامة قدرها 500 ألف يوان “62 ألف يورو” لعدم إبلاغها عن عملية استحواذ.

تجدر الإشارة هنا إلى أن بكين أعلنت في نوفمبر الماضي، عن قواعد جديدة لمكافحة الاحتكار في سوق منصات الإنترنت، والتي تستهدف بشكل أساسي عمالقة التجارة الإلكترونية والخدمات المالية الإلكترونية وفي مقدمتهم “علي بابا” و”أنت جروب” التي خرجت للنور عام 2014 لتصبح في أقل من 4 أعوام أكبر صندوق للخدمات المالية في العالم، ومع توسها في مجال منح القروض للأفراد والشركات الصغيرة أصبحت تخدم نحو 70% من سكان الصين، ونجحت في تقديم قروض لأكثر من 20 مليون شركة صغيرة وما يقرب من نصف مليار فرد.

يقول تشين لونج من شركة Plenum الاستشارية في بكين -في تصريح لـ”فايننشال تايمز”- رغم قوانين مكافحة الاحتكار الجديدة ما يزال بإمكان أقطاب الإنترنت في الصين جني ثروات هائلة إذا تمكنوا من إقناع القيادة العليا بولائهم، هذه القيادة تريد التأكد من عدم تجاوز جاك ما أو أي شخص للخط الأحمر بمحاولة ممارسة تأثير شخصي على سياسات الحكومة.

ويضيف تشين: يبدو أن الرئيس الصيني اعتبر خطاب جاك ما في مؤتمر شنغهاي جريئا أكثر من اللازم، ولولا هذا الخطاب، لكان كل شيء على ما يرام.

بحسب صحيفة “وول ستريت جورنال” بكين تسعى حاليا لتقليص نفوذ “جاك ما” وربما الاستحواذ على حصة أكبر في شركاته، فعلى الرغم من أنه لم يعد الرئيس التنفيذي لـ”علي بابا” منذ 2019 إلا أنه ما زال يشكل العقل المدبر لكل عملياتها.

ويشكل نفوذ جاك ما -وهو بالمناسبة أحد أعضاء الحزب الشيوعي الصيني- وشركاته بما تملكه من مئات الملايين من المستخدمين وصندوق ضخم للتمويل “آنت جروب”، تهديدا مباشرا للمنظومة المالية التقليدية في الصين، لاسيما وأن الرئيس “شي جين بينج” لديه انحياز كامل لدور الدولة في الاقتصاد وتركيز النفوذ الاقتصادي في يد الحكومة، وسبق أن قام بتحجيم دور عدد كبير من رجال الأعمال في حملة لمكافحة الفساد خلال الفترة من 2016 إلى 2018.

خلال هذه الحملة اختفى أثر العديد من المليارديرات، وكان من بينهم رجل الأعمال الكندي الصيني شياو جيان هوا صاحب شركة Tomorrow Holding الذي تم اعتقاله بالقوة من غرفته بأحد فنادق هونج كونج خلال احتفالات العام الصيني الجديد 2017 وتم إجباره على تصفيه شركته لصالح الحكومة، وفي 2018 اعتقلت السلطات الصينية رجل الأعمال يي جيان مينغ، رئيس شركة تشاينا إنيرجي، ولم يعرف مصيره حتى اللحظة.

وفي حال صحت التكهنات، فإن السيد جاك ما -الذي حظي لفترة طويلة بدعم الدولة الصينية، وكان سفيرا لها في عالم التجارة الإلكترونية والخدمات المالية الإلكترونية- قد يكون محتجزا لدى السلطات وسنراه قريبا يحاكم بجرائم مالية مثل التلاعب في البورصة أو تقديم الرشاوي أو الاحتكار، وقد ينتهي الأمر بتأميم شركاته أو إخضاعها لرقابة أكثر تشددا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى