اقتصادالتقاريرالصفحة الرئيسية

الاقتصاد الإبداعي .. عندما يُحوِّل المبدعون الأفكار إلى أموال

كتبت – علياء عصام الدين

إن أصحاب الأفكار في عصر الثورة المعلوماتية أصبحوا أكثر نفوذاً ممن يشغّلون الآلات، بل إنهم، وفي كثير من الحالات، أكثر نفوذاً ممن يمتلكون الآلات. (جون هوكنز)

هددت جائحة كورونا العديد من الاقتصادات حول العالم، لكنها في الوقت نفسه كانت نقطة انطلاق للعديد من الشركات والدول التي انتهزت الفرصة واتجهت لتبنّي وتطبيق ما يسمى بـ”الاقتصاد الإبداعي”، فبرزت الصناعات الثقافية والإبداعية كأحد روافد الاقتصاد العالمي، وكمحرك من محركات النمو، وكأحد الحلول الخلاقة لتنويع الاقتصاد.

وانطلاقًا من الحاجة العالمية لتعويض الخسارة الاقتصادية في عام الجائحة وتحريك المياه الراكدة، خصصت الأمم المتحدة نوفمبر الماضي عام 2021، ليكون «العام الدولي للاقتصاد الإبداعي من أجل التنمية المستدامة».

لكن ما هو الاقتصاد الإبداعي؟ وكيف يمكن أن يسهم في دفع عجلة التنمية الاقتصادية؟

من الأفكار إلى الأموال

تعود جذور الاقتصاد الإبداعي إلى موضوعين رئيسيين هما طبيعة العمل والعلاقة بين الفرد وعمله، الأولى بدأت بالثورة الصناعية وركزت على التحضر والمعلومات والمعرفة، وطورها الاقتصاديون وكتاب الإدارة.

في النصف الثاني من القرن العشرين تم التعبير عن هذه الأفكار باسم مجتمع ما بعد الصناعة، ومجتمع المعلومات، ومجتمع المعرفة، ومجتمع الشبكات، حيث أعطت هذه المفاهيم البيانات والمعرفة الأولوية على خلق الفرد لأفكار جديدة.

بدأت أوروبا في التعرف على العناصر الاقتصادية للثقافة وتطوير مفاهيم الصناعات الثقافية والصناعات الإبداعية في التسعينيات.

في 2001 طور جون هوكنز الخبير الاقتصادي في مجال الأعمال التجارية الإبداعية في كتابه “اقتصاد الإبداع” المصطلح ليصبح أكثر وضوحًا واستخدمه لوصف النظم الاقتصادية التي تستند فيها القيمة إلى صفات إبداعية جديدة بدلاً من الموارد التقليدية للأرض والعمالة ورأس المال.

أصبح المصطلح يستخدم لوصف الإبداع الاقتصاد في مجالات واسعة من الفنون مرورًا بالثقافة ومجالات العلم والتكنولوجيا ووسائل الإعلام.

يقول هوكنز: “الإبداع ليس جديدًا ولا علم الاقتصاد، لكن الجديد هو طبيعة العلاقة بينهما”.

تمكن هوكنز من شرح طبيعة العلاقة بين الإبداع والاقتصاد وطول أمد هذه العلاقة وكيف أن التقاءهما واجتماعهما معاً يؤديان إلى الثروة الحقيقية.

جمع هوكنز في كتابه جميع هذه المكونات (الإبداع، والملكية الفكرية، والإدارة، ورأس المال، والثروة) ضمن إطار شامل نتج عنه هذا الدليل العملي الذي سماه اقتصاد الإبداع الذي بين فيه كيفية تحويل الإبداع والأفكار اللامعة إلى رأسمال وأرباح،

الاقتصاد الإبداعي وأقسامه

باختصار يمكن تعريف الاقتصاد الإبداعي بأنه مجموعة الصناعات الإبداعية القائمة على المعرفة واستغلال “الفرص” والثقافة للنهوض بالناتج المحلي الإجمالي وتوفير فرص عمل جديدة وكيفية تحويل الهواية أو الإبداع إلى تدفق نقدي واستخدام الحلول غير التقليدية في حل المشكلات الاقتصادية.

أصبح “الاقتصاد الإبداعي” عنصرًا هامًا في اقتصادات كثير من الدول التي تسعى لتنمية الإبداع والابتكار وترغب في التنويع الاقتصادي.

يعرف (الأونكتاد) الاقتصاد الإبداعي بأنه نمط اقتصادي يقوم على استغلال الأصول الإبداعية التي يمكن أن تولّد نموًا اقتصاديًا وتقود إلى التنمية، ويتضمن الاقتصاد الإبداعي كل من السلع والخدمات التي تعتمد على الإبداع ورأس المال (الفكري) كمدخلات أولية.

يشمل الاقتصاد الإبداعي 4 مجموعات، هي: التراث، والفنون، ووسائل الإعلام، والإبداعات الوظيفية وتنقسم بدورها كالتالي:-

التراث

أشكال التعبير الثقافي التقليدي (الفنون، والحرف اليدوية، والمهرجانات، والاحتفالات)

المواقع الثقافية، وتضم (المواقع الأثرية، والمتاحف، والمكتبات، والمعارض)

الفنون

الفنون البصرية (الرسم، والنحت، والتصوير الفوتوغرافي، والتحف)

الفنون المسرحية، وتشمل (الموسيقى، والمسرح، والأوبرا، والسيرك)

وسائل الإعلام

النشر والوسائط المطبوعة (الكتب، والصحافة، وغيرها من المطبوعات)

الوسائل السمعية والبصرية(الأفلام، والتلفزيون، والإذاعة)

الإبداعات الوظيفية

التصميم (الرسم، والأزياء، والمجوهرات، ولعب الأطفال)

وسائل الإعلام الجديدة (البرمجيات، وألعاب الفيديو، والمحتوى الإبداعي الرقمي)

الخدمات الإبداعية (الخدمات المعمارية، والإعلان، والخدمات الثقافية والترفيهية، وفي بعض الأحيان الأبحاث الإبداعية).

السر وراء الاقتصاد الإبداعي

يرى مراقبون أن الإبداع هو السمة المميزة لاقتصادات القرن الحادي والعشرين المتقدمة، تمامًا كما تميز التصنيع في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

ويتفق خبراء الاقتصاد على أنه ينمو بوتيرة قياسية كونه يتمتع بموقع فريد يمكّنه من المضي قدمًا في النمو المطرد، حتى لو كانت الصناعات الاقتصادية الأخرى متخلفة.

ويرى المنتدى الاقتصادي العالمي أن الصناعة الإبداعية تعمل بشكل مستقل عن الأسواق الأخرى، وتستمر في النمو بمعدل عالمي بلغ 14% خلال الانكماش الاقتصادي العالمي عام 2008 على سبيل المثال.

وأشار تقرير أصدرته “إيرنست آند يونغ” للأبحاث أن يصل سوق الصناعات الثقافية والابداعية العالمي إلى أكثر من تريلوني دولار، ويوفر أكثر من 29.5 مليون وظيفة، تستحوذ منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا على 58 مليار دولار، ويوفر 2.4 مليون وظيفة بما يعادل 1.1 من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة بأسرها، وتشير هذه الأرقام أن قطاع الصناعات الثقافية والابداعية يمتلك مقومات وإمكانات هائلة للنمو الأمر يستوجب توجيه طاقات الشباب نحو الأفكار الخلاّقة وتشجيعهم على تأسيس شركاتهم.

يخدم الاقتصاد الإبداعي غرضًا أكبر بكثير من جلب الأفلام الرائجة أو أحدث الأغاني الناجحة على الراديو، من منظور مالي بحت، تعد الخدمات الإبداعية محركًا كبيرًا لسوق العمل في الولايات المتحدة، فوفقًا لناسا “تساهم الفنون في الاقتصاد الوطني الأمريكي أكثر مما تساهم به صناعات البناء والتعدين والمرافق والتأمين والإقامة والخدمات الغذائية”.

تتمتع الأعمال الإبداعية بجاذبية عالمية، ويؤكد المنتدى الاقتصادي العالمي أن الخدمات الإبداعية يمكن أن تكون محركًا لبناء الثقة والتفاهم والقبول عبر الثقافات.

هكذا يكون السر في الاقتصاد الإبداعي في المرونة والتأقلم والقدرة على تجاوز الأوضاع المربكة والمستجدة هنا يصبح “الإبداع” هو رأس المال الحقيقي ويقود “الموهوبون” الدفة بدلًا من رجال الأعمال، انطلاقًا من مبدأ أن الثروة الحقيقية تكمن في العقول لا في الجيوب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى