اقتصادالتقاريرالصفحة الرئيسية

للمرة الأخيرة.. ترامب يفتح النار على بكين ويضع بايدن في الزاوية

كتبت – ولاء عدلان

مع استعداد الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب لمغادرة البيت الأبيض الأربعاء المقبل، يبدو أنه قرر أن يضع خصمه السياسي الرئيس الجديد للبلاد جو بايدن في الزاوية، إذ رفع سقف الحرب التجارية مع بكين بإدراج تسع شركات صينية جديدة إلى القائمة السوداء بما يجبر المستثمرين الأمريكيين على سحب استثماراتهم من هذه الشركات بحلول 11 نوفمبر المقبل، كما وجه الحكومة بدراسة سبل تقليص استيراد البضائع والخدمات الصينية إلى أدنى حد.

القائمة السوداء التي تضم حاليا نحو 35 شركة صينية، قامت بوضعها وزارة الدفاع الأمريكية منذ يونيو الماضي – بموجب قانون تفويض الدفاع الوطني للعام 1999- وتستهدف الشركات ذات الصلة بالجيش الصيني، بعدد من القيود منها منع الشركات الأمريكية من الاستثمار في هذه الشركات بأي شكل من الأشكال ومنع تصدير التكنولوجيا الأمريكية إليها أو الاستيراد منها.

الشركات الصينية في مرمى نيران ترامب

طوال الأربعة أعوام الماضية اتخذت إدارة ترامب العديد من الإجراءات ضد الشركات الصينية وتحديدا شركات قطاع التكنولوجيا باعتباره قطاعا حيويا سيقود نمو الاقتصاد العالمي خلال العقود القليلة المقبلة، وأعلنت حربا تجارية ضد الهيمنة الصينية، ووجدنا سيف العقوبات الأمريكية والقيود يطال شركات كبرى مثل هواوي و” SMIC” و”سينس تايم”، تحت عدة مسميات مثل القائمة السوداء التابعة لوزارة الدفاع وقائمة الكيانات المحظورة التابعة لوزارة التجارة، أما أسباب العقوبات فكانت بشكل رئيسي تتمحور حول مخاوف تتعلق بالأمن القومي ومزاعم ارتباط هذه الشركات بصلات مباشرة أو غير مباشرة مع الجيش الصيني.

الآن وجدت تسع شركات صينية جديدة نفسها في مرمى نيران الإدارة الأمريكية، من بينها شركة صناعة الطائرات المملوكة للدولة ” Comac”، و”شاومي” ثالث أكبر شركة لتصنيع الهواتف الذكية، و “تشاينا موبايل”، و”تشاينا تيليكوم”، و”تشاينا يونيكوم”، ومع إدراج هذه الشركات على القائمة السوداء للبنتاجون، باتت تحت طائلة الأمر التنفيذي الذي وقعه ترامب في نوفمبر الماضى، والخاص بحظر الاستثمار الأمريكي في الشركات المصنفة على أنها تدعم جهود الأجهزة العسكرية والأمنية الصينية.

وفي المقابل، تهدد قائمة وزارة التجارة الأمريكية الخاصة بالكيانات والشركات الصينية نحو 60 شركة بحظر مماثل أيضا، وأمام هذا الصين قد تتعرض في حال استمرار العمل بهذه العقوبات إلى أزمة تصنيع سواء لاعتماد بعض الصناعات على مواد مستوردة من أمريكا أو لعمليات التخارج الكبرى التي ستحدث لرؤوس الأموال الأمريكية من أسواقها.

الشركات الصينية المدرجة على القوائم السوداء الأمريكية تنفي علاقاتها بالجيش “الشيوعي” الصيني، فعلى سبيل المثال نفت شركة ” أس إم آي سي” في سبتمبر الماضي ارتباطها بأي شكل من الأشكال مع الجيش الصيني، معربة عن استعدادها للتواصل مع الحكومة الأمريكية لتوضيح الأمور وحل المشكلة، إلا أن هذا لم يحدث صدى لدى واشنطن، وهو ما تكرر مع “هواوي” أيضا.

وبالأمس أكدت “شاومي” في بيان، أنها ليست مملوكة أو تابعة للجيش الصيني، وليست شركة عسكرية، وأنها تعمل وفقًا للقوانين واللوائح ذات الصلة للسلطات القضائية، حيث تمارس أعمالها، وتقدم منتجات وخدمات للاستخدام المدني والتجاري فقط، مضيفة أنها ستتخذ الإجراءات المناسبة لحماية مصالح مساهميها.

وفي أول تعليق رسمي من بكين على الخطوة “الترامبوية”، قال متحدث باسم وزارة الخارجية، أمس، “سنتخذ الإجراءات الضرورية لحماية مصالح الشركات الصينية”.

تداعيات توسيع “القائمة السوداء”

المشكلة في الصراع بين أكبر اقتصادين في العالم، هي أن صداه يتعدى حدودهما ويحدث ارتباكا في الأسواق العالمية، فعلى سبيل المثال، نقلت “رويترز”، عن مسؤولين في قطاع صناعة السيارات تصريحات تؤكد أن شركات صناعة السيارات حول العالم بدأت في تخفيض أعداد خطوط التجميع بسبب النقص العالمي في أشباه الموصلات الذي تفاقم بسبب إجراءات إدارة ترامب ضد شركات إنتاج الرقائق الصينية الرئيسية وفي مقدمتهم ” SMIC”.

مطلع هذا الشهر اضطرت بورصة نيويورك إلى شطب أسهم “تشاينا موبايل” و”تشاينا يونيكوم” و”تشاينا تيليكوم” امتثالا للأوامر التنفيذية الخاصة بحظر الاستثمار في شركات “القائمة السوداء”، ما أثر سلبا على حركة المؤشرات ودفع الأسهم للتراجع تحت ضغط البيع، مع العلم أن شركة “تشاينا موبايل” هي من أكبر شركات الاتصالات الأجنبية المدرجة في نيويورك منذ العام 1997.

على وقع العقوبات الجديدة أيضا، تراجعت أسهم “شاومي” بنحو 13%، وخسر مؤسسها “لي جين” نحو 3.6 مليار دولار من ثروته، فيما خسر “لين بين” نائب رئيسها نحو 1.7 مليار دولار، تجدر الإشارة هنا إلى أن “شاومي” تجاوزت في الربع الثالث من 2020 مبيعات “آبل”، وفي ديسمبر تجاوزت قيمتها السوقية الـ100 مليار دولار، أما الآن فيبدو أنها دخلت في النفق المظلم ذاته الذي سبقتها إليه “هواوي”.

في المقابل بحلول نوفمبر سيحتاج المستثمرون الأمريكيون إلى بيع ما يقرب من 12 مليار دولار من الأوراق المالية الصينية، حسب تقديرات لـ”مورجان ستانلي”، وذلك للامتثال لـ “القائمة السوداء”.

بايدن في موقف حرج

تحت عنوان “تقليص خطر التجسس”، وجه ترامب الحكومة بدراسة سبل تقليص استيراد البضائع والخدمات الصينية إلى أدنى حد، وقال مستشاره للأمن القومي رويرت أوبراين، اليوم، إن الصين تستهدف أنظمة أجهزتنا الحكومية في محاولة للحصول على البيانات الشخصية والخطط العسكرية من خلال القرصنة وغيرها من العمليات، لهذا السبب يجب أن نتخذ الخطوات اللازمة لحماية مصالحنا، ويجب أن نعدل قواعدنا وسياساتنا لتقليص خطر التجسس الصيني.

بالفعل قد تكون إدارة ترامب محقة فيما يتعلق بخطر استخدام التكنولوجيا الصينية، لكن هل الطريقة الوحيدة لوقف هذا الخطر هو الدخول في حرب مفتوحة مع الشركات الصينية وضد المصالح الصينية بشكل عام؟ وهل فعلا ترامب هدفه فقط هو مواجهة هذا الخطر بمثل هذه الخطوات؟ أم أن هدفه هو وضع العصا في دواليب إدارة بايدن وعرقلة أي إجراء قد تقدم عليه مستقبلا باتجاه حلحلة الأمور مع بكين.

إدارة بايدن ستكون لديها الصلاحية اعتبارا من 20 يناير للإبقاء على قيود ترامب ضد الشركات الصينية أو إلغائها، يقول مارك ناتكين العضو المنتدب لشركة Marbridge Consulting الأمريكية التي تتخذ من بكين مقرا لها -في تصريح لـ”بلومبرج”- لا يستطيع بايدن أن يبدو لطيفًا تجاه الصين، بعد كل هذا التصعيد من سلفه ترامب، لذلك قد ينتهي به الأمر إلى مواصلة التصعيد أو الحفاظ عليه، حتى ولو لم يكن متوافقا مع نهجه السياسي “المثالي”.

بالفعل في حال ألغى بايدن قرارات ترامب سيبدو “ضعيفا” وسيكون عرضة لنيران الجمهوريين باعتباره يضحي بالمصالح الأمريكية، وفي حال واصل النهج التصعيدي فسيكون أيضا خسر التعاون المهم مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم، في وقت قطعت فيه بكين شوطا واسعا لمواجهة الهيمنة الأمريكية ففي نوفمبر الماضي أعلنت عن تشكيل أكبر تكتل تجاري في العالم يضم 15 دولة بقيادتها وباستثناء أمريكا، ونهاية ديسمبر توصلت إلى اتفاق للاستثمار المتبادل مع الاتحاد الأوروبي، هذا فضلا عن جولاتها الدبلوماسية لتعزيز ثقة بلدان آسيا وضمان أن تكون هي خيارهم الأول اقتصاديا، كما أصدرت الأسبوع الماضي  قانونا يسمح بمعاقبة الشركات العالمية التي ستمتثل للعقوبات الأجنبية ضدها، ما يعني أن الشركات سيكون عليها الاختيار بين بكين وواشنطن.

بايدن كان قد صرح سابقا  بأنه سيبقى على رسوم جمركية تستهدف الصين بقيمة 370 مليار دولار، ودعا إلى تشكيل تحالف دولي ضد الصين، وقال “في الوقت الذي نتنافس فيه مع بكين لمحاسبتها على انتهاكات التجارة والتكنولوجيا وحقوق الإنسان، سيكون موقفنا أقوى بكثير عندما نبني تحالفا”، قد يكون هذا التحالف بالفعل ضرورة لمواجهة صعود النفوذ الصيني، لكن إلى أن يحصل – وإن كان هناك شكوكا في الوصول إليه قريبا بعد أن خرب ترامب علاقات أمريكا مع العديد من حلفائها الدوليين- سيكون على بايدن التعايش مع التنين الصيني بطريقة السير على حبال المفاوضات وبالطبع سيكون من المهم أن يستخدم ورقة القوائم السوداء والرسوم الجمركية بسياسة العصا والجزرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى