اقتصادالتقاريرالصفحة الرئيسية

الاقتصاد الإبداعي(2).. نماذج اقتصاد الفرص وجني الأرباح

كتبت – علياء عصام الدين

“إما  أن  تجد لك مكانًا على الساحة أو تختفي إلى الأبد”

تعد الصناعات الثقافية والإبداعية أحد روافد الاقتصاد العالمي، ومحرك من محركات النمو، وأحد الحلول الخلاقة لتنويع الاقتصاد.

في الجزء الأول من المقال تعرفنا على الاقتصاد الإبداعي وأقسامه، وهو ذلك الاقتصاد القائم على (الإبداع) بوصفه رأس المال الحقيقي الذي يقودنا لجني الأرباح وتحويل الأفكار الخلاقة إلى عمل يمكن من خلاله الإسهام في التنمية وتوفير فرص عمل ودعم الاقتصاد ككل.

للاطلاع على المقال الاقتصاد الإبداعي .. عندما يُحوِّل المبدعون الأفكار إلى أموال

تزامنًا مع ظهور شبح الفيروس التاجي، الذي ألقى بظلاله على العالم أجمع، برزت بقوة فكرة “اقتصاد الفرص” ومعها ثبتت نظرية “جون هوكنز” القائمة على قدرة الاقتصاد الإبداعي على الفكاك والتقدم وسط تخلف الاقتصادات الأخرى، لما يتمتع به من مرونة، الأمر الذي يجعله بديلًا اقتصاديًا قويًا في زمن الجائحة وما بعدها.

لقد تحققت بقوة مقولة “مصائب قوم عن قوم فوائد” ففي الوقت الذي خسرت فيه شركات السياحة والطيران خسارات فادحة وتضررت كيانات اقتصادية ضخمة وأعلنت إفلاسها، وأخرى أضحت على مشارف الإفلاس، كانت الفرصة سانحة لثالثة لتتصدر الأسواق العالمية وتحقق أرباحًا طائلة وسط الأزمة التي ستستمر آثارها لعقود قادمة.

والسؤال الأهم: ما الذي جعل مثل هذه الشركات تحقق هذا النجاح وتتصدر الأسواق في خضم الأزمة العالمية؟

تطبيقات الفيديو والمؤتمرات.. الحاجة أم الاختراع

يعتبر تطبيق زووم أحد النماذج الواضحة للشركات التي طبقت ما يسمى “باقتصاد الفرص“، فقد استغلت أزمة الوباء وخوف الملايين من مغادرة منازلهم تجنبًا للعدوى مع حرصهم أيضا على التواصل ومتابعة أعمالهم من المنزل، للخروج بفكرة الحفاظ على التواصل عن بعد عبر تطبيق للمؤتمرات والاجتماعات عبر تقنية (الفيديو كول) وهي واحدة من كثير من الشركات التي استلهمت فكرتها الناجحة من حاجة المجتمع المحيط حيث نظرت للتباعد الاجتماعي كفرصة استثمارية ذهبية للنهوض بأرباحها، وعلى نهجها سارت كثير من الشركات مثل مايكروسوفت المالكة لأداة “تيمز” لإدارة الفصول الدراسية عن بعُد والتي حققت هي الأخرى أرباحًا طائلة وقفزات في أعداد المستخدمين بعد أن وفرت منصة للطلاب والمدرسين للشرح والتواصل عن بعد.

واستنادًا إلى المرونة التي تتمتع بها اقتصادات الإبداع القائمة على الفنون والثقافة والإعلام الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي، تمكنت تطبيقات مكالمات الفيديو الجماعية من احتلال المراتب الأولى في قائمة التطبيقات الأكثر شعبية لتصبح هي الرابح الأكبر من الأزمة التي اجتاحت العالم.

وزادت ثروة الرئيس التنفيذي لشركة “فيسبوك” مارك زوكربيرج حوالي 30 مليار دولار، بالإضافة إلى نمو ثروة بيل جيتس مؤسس “مايكروسوفت” بنحو 15 مليار دولار.

ديزني بلس ونتفلكس.. ترفيه بلا حدود لكسر العزلة والملل

“إذا ما تملكت أدوات السوق وعرفت مفاتيح الحاجات الإنسانية التي تعمل لصالح الإبداع فسوف تتحكم بكل الظروف من حولك”

 إدركت كل من شركة ديزني ونتفكلس الأهمية القصوى للقيمة المفتقدة في زمن كورونا وهي “التواصل“وما يتبعها من حالة نفسية سيئة وشعور بالوحدة فكانت الحاجة لكسر الملل والعزلة أولوية، وطريق لتحقيق الأرباح والاستفادة من فترات العزل المنزلي.

لم تتوانى المنصات الترفيهية عن اقتناص الفرص للترويج لنفسها عبر النهوض بخدماتها مدفوعة الأجر لتقديم المحتوى الترفيهي من أفلام وبرامج والتي استهدفت ملئ وقت الفراغ وكسر ملل المكوث في المنزل، وسرعان ما حققت طفرة كبيرة في الأرباح فقد أعلنت ديزني في أبريل 2020 عن  ارتفاع كبير فىي عدد المشتركين لديها والذي تجاوز 50 مليون مستخدم، محققاً زيادة قدرها 22 مليون مشترك جديد.

يقول  ريكي ستروس  رئيس المحتوى والتسويق بالشركة  “مع عدم قدرة الجمهور إلى الذهاب لـدور العرض المختلفة بسبب انتشار فيروس كورونا، يسعدنا أن نقدم العرض الأول لفيلم Artemis Fowl على Disney Plus، والمخرج كينيث براناج، وفريقه المذهل، سينقلون المشاهدين مباشرة إلى عالم من الخيال والحيوية، العمل يعد ترفيه عائلي رائع، وهو الإضافة المثالية لمجموعة ديزني بلس الصيفية”.

ويمكن أن نلمح في بيان التسويق السابق كيف تكون “منظومة التسويق” فعالة عندما تلعب على الجانب الإنساني وتفتش عن احتياجاته، وهي القادرة في كثير من الأحيان على إقناعك بالمنتج أو الخدمة حتى دون حاجتك إليها، فما بالك وأنت تلهث خلفها لسد احتياجاتك الإنسانية وفي مقدمتها العزلة والشعور بالوحدة والملل، أو رغبتك في إنجاز مهام عملك دون تقاعس.

أما عن عملاقة البث التلفزيوني عبر الإنترنت “نتفليكس” فقد تمكنت هي الأخرى من جني أرباح طائلة، فقد انتصرت الشبكة الإلكترونية في معركتها مع السينمات، ومع إلغاء العديد من المهرجانات الفنية عقب الإغلاق.

 ووفقًا لصحيفة “الإندبندنت” ارتفعت أسهم نتفليكس في نفس التوقيت الذي أعلن فيه محافظ بنك إنجلترا أن بريطانيا على وشك خسارة اقتصادية كبيرة بسبب وباء كورونا، وقد زادت أسهم نتفلكس بسبب الذعر من الفيروس الذي أدى لبقاء العديد من المستخدمين في المنازل، مما أدى لزيادة نسب مشاهدة نتفليكس وزيادة عدد المشتركين الجدد فيها على السواء.

وقد أعلنت الشركة في منتصف أبريل انضمام نحو 16 مليون مشترك جديد إليها. بعد إدراكها أن توق الناس الشديد إلى التسلية والهروب من الواقع اليومي بات الآن أكثر من أي وقت سابق”.

ألعاب الفيديو والتجارة الإلكترونية.. التأقلم مع توجهات المستهلك

مثلت ألعاب الفيديو ومواقع التسويق الإلكتروني مثل “أمازون” الاستثناء الوحيد في زمن كورونا الذي كان “نعمة” لها، فقد سجلت أسهم هذه الشركات ارتفاعا كبيرا، ويعود ذلك لتمتع مصمميها بالذكاء الكافي الذي جعلهم قادرين على التأقلم مع تغير توجهات المستهلكين.

بدأت هذه الصناعات عصرًا جديدًا من الخدمات، كانت فيه كلمة السر ” اقتناص الفرص” وسارعت لإتاحة مميزات غير محدودة وعروض استثنائية دفعت بالكثير للتوجه إليها بكثافة، فقد اتجه العديد من الناس للتسوق عبر الإنترنت، بينما جلس الأطفال والمراهقون يلعبون ألعاب الفيديو في المنزل.

وتصدرت أمازون عناوين الأخبار في منتصف أبريل، بوصفها أحد أبرز الرابحين من أزمة كورونا، بعد تدفق الزبائن إلى موقعها ليصرفوا على عمليات الشراء ما قدرته تقارير بنحو 11 ألف دولار في الثانية، وحصد المدير التنفيذي للشركة “جيف بيزوس”، أرباحا تقدر بـ73 مليار دولار إضافية لتبلغ ثروته حوالي 182 مليار.

وبلغت مبيعات ألعاب الفيديو في الولايات المتحدة مستوى قياسياً في 2020 وصل إلى 56.9 مليار دولار، وفق تقرير لشركة “إن بي دي جروب والذي يؤكد الأداء الإيجابي في القطاع بدفع من تدابير الحجر المنزلي، كما ارتفعت الإيرادات الإجمالية للشركات العاملة في القطاع بنسبة 27%، ما يوازي 12 مليار دولار إضافي مقارنة بعام 2019.

وحققت لعبة “كول أوف ديوتي” المتاحة عبر “بلاي ستيشن” و”إكس بوكس” وأجهزة الكمبيوتر، أكبر الإيرادات في 2020، وحققت “كولد وور” و”مودرن ويلفير” أعلى الإيرادات بالدولار، كما فازت شركة “نينتندو” اليابانية بمعركة أجهزة ألعاب الفيديو، إذ تصدّر جهازها “سويتش” المبيعات، سواء على صعيد الإيرادات بالدولار أو عدد الوحدات المباعة.

واحتلت “بلاي ستيشن 5” التي أطلقتها “سوني” في نوفمبر المركز الثاني من ناحية عدد الوحدات المباعة، فيما حقق النموذج السابق “بلاي ستيشن 4” ثاني أكبر الإيرادات.

اقتصاد المستقبل.. من الفكرة إلى التنفيذ إلى جني الأرباح

ويظهر من الطرح السابق أن الإبداع وتوظيفه في اقتصاد السوق لا يتأتى من مجرد الأفكار المبدعة وتوافرها فقط، بل في القدرة على جعل هذه الأفكار حقائق تعرف طريقها إلى أرض الواقع، فكل الشركات سابقة الذكر والتي تمكنت من تحقيق أرباح طائلة لم تعتمد فقط على الأفكار المبدعة بل دعمت العمل الجماعي من أجل تطوير وتفعيل الإبداع، بغية الوصول بهذه الفكرة إلى أقصاها وجني الربح من ورائها.

فلا جدوى من الأفكار الخلاقة إذا لم تنفذ ويتم دعمها عن طريق مؤسسات وكيانات قادرة على احتضان براعم الإبداع وتطويرها وتوجيهها من أجل الانخراط في ركب التقدم واللحاق بالمستقبل.

تأتي الفكرة في المقدمة، ولكنها تظل مجرد حلقة ضمن دوائر إبداعية أخرى يجب أن تتظافر معًا حتى تكتمل الصورة.

إن الاقتصاد الإبداعي هو اقتصاد المستقبل الذي يستبدل السلع الأساسية بمهارات التخيل والإبداع والابتكار، ويضع الإنسان مرة أخرى في مواجهة الآلة، ليثبت إن العقل البشري قادر على التفوق، وفي  عالم الأتمتة المتزايد حيث تندثر الكثير الوظائف لن يكون هناك مكان سوى للمبدعين الذين سوف يضيفون شيئًا إضافيًا جديدًا إلى الطاولة في كل مرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى