التقاريرالصفحة الرئيسيةسياسة

الاتحاد الأوروبي وأردوغان.. «القارة العجوز» تحاصر السرطان التركي بسياسات قوية

كتب – عاطف عبداللطيف

عانت دول أوروبا من الخلايا السرطانية التي ذرعها الرئيس التركي رجب أردوغان وحزبه العدالة والتنمية، داخل مجتمعاتهم ولكنهم لم ينتبهوا لخطورتها عليهم إلا بعد وقت طويل؛ إذ أفاقت الدول الأوروبية من ثباتها بشكل متأخر نسبيًا، أمام هذا الاختراق والغزو الناعم الذي حققه أردوغان داخل بلادهم أملًا في التأثير على القرار الذي يحلم به وهو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

سكوت الدول الأوروبية على السياسات التركية، حول العديد من العواصم الأوروبية إلى بيئات غير مأمونة بالنسبة للكثير من المعارضين الأتراك، وخاصة من الأكراد وجماعة فتح الله غولن والجاليات الأرمنية، بعد أن تمكن أردوغان من زرع الخوف واستغل الجاليات التركية والمسلمة في أوروبا، خاصةً في النمسا وألمانيا وفرنسا، من أجل الضغط على الدول التي يقيمون فيها، ليقدم نفسه زعيمًا ممسكًا بخيوط اللعبة، وأن بإمكانه إثارة الفوضى في تلك البلدان حين يريد، وأن ثمن ذلك سيكون صمت أوروبا على سياساته، أو عليها مواجهة الغضب الذي يمكن أن يثيره في مجتمعاتها، وهو ما آتى ثماره عقب نجاحه في تحويل نظام الحكم في بلاده من البرلماني إلى رئاسي مستغلًا أصوات الجاليات التركية في أوروبا.

رقابة مخابراتية

بدأت أجهزة المخابرات الأوروبية في وضع العديد من المنظمات ذات الأهداف المشبوهة تحت المراقبة، وأبرزها حركة مللي غوروش، التي وضعت تحت رقابة هيئة حماية الدستور الاستخبارات الداخلية الألمانية، وخضعت لعمليات تفتيش استهدفت مساجدها ومؤسساتها الاقتصادية والثقافية.

 وكشفت التحقيقات عن تورط المساجد التابعة للاتحاد التركي الإسلامي لمديرية الشؤون الدينية في ألمانيا في تتبع خصوم أردوغان والتجسس على معارضيه، سواءً كانوا من الأتراك أو الألمان، وتشير التحقيقات إلى وجود نحو 8 آلاف شخص يقومون بهذه الأعمال لصالح القنصليات التركية. 

كما انتبهت الدول الأوروبية لمخطط أردوغان وغرضه الأساس من التوسع في بناء المساجد وباتت تضيق الخناق على أنشطتها داخل أراضيها، ووفق معهد جاتستون لدراسة السياسات الدولية، فإن تركيا توظف “ديانت”، كما لو كانت وكالة استخبارات مسؤولة، عن جمع المعلومات في الخارج، عبر الأئمة الموظفين في 38 دولة، خاصة ضد أتباع حركة الخدمة. 

أنشطة تجسس

وبحسب تقرير جاتستون، المنشور في أكتوبر 2019، فإن ألمانيا أول من تنبه لتلك الأنشطة؛ إذ أجرت تحقيقات مع عدد من مسؤولي المؤسسة لديها، في معلومات، حول ممارسة أنشطة تجسس تخريبية، كما أن النائب في البرلمان الأسترالي «بيتر بيلز»، أعلن حصوله على وثيقة، تثبت وجود شبكة دولية لمخبرين، يعملون لحساب تركيا، في عدة دول، منها أستراليا؛ لجمع معلومات عن المعارضين للحزب الحاكم في تركيا، مقابل رواتب سخية. 

كما قال وزير الداخلية النمساوي كارل نيهامر إن بلاده ستوجه اتهامات لشخص اعترف بالتجسس لصالح المخابرات التركية وإن السلطات تحقق في المزيد من أنشطة التجسس المشتبه فيها وحذر تركيا من أنه لا يمكن التغاضي عن ذلك.

وأضاف الوزير أن النمسا وجدت أن أكثر من 30 نمساويًا اعتقلوا في تركيا بين 2018 و2020 بعد دخولهم البلاد وهناك دلائل على أن المخابرات التركية حاولت تجنيدهم.

تتبع المعارضة

وخلال العام 2020، كشف مكتب حماية الدستور في ألمانيا والذي يعد أعلى مؤسسة استخبارات ومكافحة تجسس في البلاد عن قيام المخابرات التركية بإدخال تطبيق خبيث من إنتاجها في هواتف محمولة من الإنتاج التركي وتزويد استخبارات أنقرة للمقيمين الأتراك في ألمانيا من عملائها بتلك الهواتف الذكية للتجسس على معارضي أردوغان على الأراضي الألمانية .

وجاء في تقرير سربته الاستخبارات الألمانية للصحافة أن تطبيق الهواتف الذكية التجسسي تم في مدينة بادن وكذلك مدينة ويتينبيرج الواقعتين في جنوب غرب ألمانيا على الحدود مع سويسرا وفرنسا حيث يتركز غالبية الرعايا الأتراك على الأراضي الألمانية بما في ذلك المعارضين الأتراك، ويسكن في مدينتي بادن وويتينبيرج نحو ثلاثة ملايين نسمة يمثل الرعايا الأتراك نسبة 15 بالمئة منهم .

ونبه تقرير الاستخبارات الألمانية – الذي نشرت دورية انتليجينس نيوز مقاطع منه – إلى أن تواصل عملاء المخابرات التركية مع الرعايا الأتراك من المنشقين على نظام أردوغان عبر تلك الهواتف يسمح للمخابرات التركية بالنفاذ المباشر إلى ملفات هواتف المعارضين واختراق حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي وبيان أرقام من يتواصلون معهم وهو ما يمكن من مراقبتهم ومعرفة اتصالاتهم وتحركاتهم بصورة دائمة، لكن الاستخبارات الألمانية ألمحت إلى ما قد يكون أخطر من ذلك وهو احتمالية استهدافهم من الاستخبارات التركية وتصفيتهم على الأراضي الألمانية .

وقالت الاستخبارات الألمانية في تقرير لها إن نشاط الاستخبارات التركية مكشوف تمامًا لرجال الاستخبارات الألمانية وإن نشاط الاستخبارات وجمع المعلومات الذي يقوم به رجال المخابرات التركية يتم تحت أغطية متعددة ويستهدف شريحتين أساسيتين من الأتراك المقيمين على الأراضي الألمانية وهما عناصر حزب العمال الكردستاني وأنصار المعارض التركي -حليف أردوغان السابق- فتح الله جولن الذي يتهمه نظام أردوغان بدعم المحاولة الانقلابية التي شهدتها تركيا في يوليو من العام 2016.

العلاقات التركية النمساوية

ولعل ذلك ساهم في سوء العلاقات بين تركيا والنمسا التي تمر بأسوأ مراحلها منذ استلام رئيس الوزراء النمساوي سيباستيان كورز مقاليد السلطة في بلاده، ومطالبته بعرقلة محاولة تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، والحد من نفوذ أنقرة على الجالية التركية الكبيرة في النمسا.

كانت النمسا قد أدرجت شعارين تستعملهما جماعات في تركيا إلى قانون الحرب على الإرهاب، هما الذئب الرمادي الذي يتّخذه حزب الحركة القومية المتشدد شعارًا له، و”شعار رابعة” الذي يتضامن عبره الرئيس التركي رجب أردوغان مع جماعة الإخوان الإرهابية في مصر.

كما طردت السلطات النمساوية إيطاليا من أصل تركي قال إنه تلقى أوامر باغتيال 3 شخصيات تنتقد أنقرة.

الذئاب الرمادية

قالت مصادر مخابراتية غربية لدورية نورديك مونيتور -التي تصدر في ستوكهولم- إن هناك أدلة دامغة على اتساع نطاق أنشطة التجنيد التي تقوم بها الاستخبارات العامة التركية في بلدان الاتحاد الأوروبي. وأضافت المصادر -التي طلبت عدم التعريف بها- أن الجانب الأعظم من هذا النشاط التجنيدي يتم بصورة أكبر في النمسا وفرنسا مقارنة بباقي دول الاتحاد الأوروبي وذلك بحكم وجود جاليات تركية كبيرة فيهما، كما تبين لأجهزة مكافحة التجسس الأوروبية أن نشاط المخابرات التركية التجنيدي للعملاء يهدف في المقام الأول إلى جمع المعلومات والتأثير السياسي من خلال عمليات الشحن النفسي والإعلامي ضد من يراهم أردوغان خصومًا لسياساته من خلال إشاعة الفوضى والتوترات الداخلية اعتمادًا على مبررات مضللة.

وفي فرنسا قررت الحكومة حل حركة “الذئاب الرمادية” بتهم تتعلق بالكراهية والعنف، كما طرحت الحكومة قانون الانفصالية الإسلاموية، ومن ضمن إجراءاته الحد من التمويل الأجنبي للنشاط الديني وفرض قيود على استقدام الأئمة من الخارج، لا سيما تركيا، وتدريب الأئمة في الداخل الأوروبي وفق مناهج تراعي ظروف المسلمين في الدول الأوروبية، حيث يوجد حاليًا نحو 151 إمامًا مبتعثًا من طرف الدولة التركية في فرنسا، و65% من الأئمة في البلاد يتلقون رواتب من تركيا.

دمج الجاليات

وفي النمسا تناقِش السلطات وضع قانون يجرم الانتماء لتنظيمات إسلامية سياسية، وهو ما يهدد نفوذ قطاع واسع من الشبكات التركية ذات التوجه الإسلاموي، تأتي هذه التشريعات المستحدثة لتفكيك الشبكات التركية باعتبار أن هذه الشبكات تستفيد من ثغرات القوانين السائدة. وفي خطوة بدت متأخرة تحاول الدول الأوروبية دمج الجاليات التركية ضمن النسيج الاجتماعي وكسر تأثير النظام التركي من خلال منع استقدام المعلمين من تركيا، ودمج الشرائح الشبابية من أصول تركيا في مجتمعها الأوروبي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى