اقتصادالتقاريرالصفحة الرئيسية

الليبيون يبحثون عن «كِسرة خُبز».. والسراج يتبادل الاتهامات مع «الصديق الكبير»

كتبت – ولاء عدلان

في الوقت الذي يستعد فيه أطراف ملتقى الحوار السياسي الليبي، اليوم الإثنين، للتصويت على آلية اختيار السلطة التنفيذية التي ستقود البلاد خلال المرحلة المقبلة، في خطوة وصفتها الأمم المتحدة بالإيجابية وتؤسس لإجراء الانتخابات المقررة في 24 ديسمبر المقبل، تفجرت أزمة جديدة من قلب العاصمة طرابلس عنوانها “الخبز”.

خلال الأيام الماضية سجلت ليبيا نقصا حادا في الخبز، وارتفاعا في أسعاره وأسعار المواد المشغلة لصناعته، ووسط تراجع مخزون “الطحين” وارتفاع أسعاره محليا أغلقت مخابز عدة أبوابها، في انتظار الحل من حكومة السراج التي قد تكون أصل المشكلة.

“كسرة خبز” تفجر خلافا جديدا بين السراج و”الصديق الكبير”

مدفوعا بمخاوف من دخول البلاد في نفق أزمة غذائية شرسة والأهم احتمالات انفجار ثورة جياع، حمل رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فائز السراج مسؤولية أزمة الخبز لمصرف ليبيا المركزي.

واعتبر السراج أن المركزي الليبي قصّر في منح اعتمادات كافية لاستيراد “الطحين”، وفي رسالة وجهها مساء أمس الأحد، إلى محافظ المركزي الصديق الكبير، قال السراج: إن نفاد مخزون الدقيق يعني دخول البلاد في أزمة غذائية، وتهديد السلم الأهلي، متهما المركزي بـ”عدم الدقة” في تقدير الأولويات والاحتياجات الضرورية عند فتح اعتمادات الميزانية، عوضا عن تخصيص مبالغ ضخمة لاستيراد سلع غير أساسية.

وأوضح السراج أن آخر اعتماد فتح لاستيراد الدقيق كان في أغسطس 2020، مهددا بأنه في حال استمرار الأزمة سيتدخل للتصرّف في رصيد الحكومة من النقد الأجنبي بالمصرف الليبي الخارجي لتوفير “الدقيق”، عبر فتح اعتمادات جديدة تمنح الأولوية لاستيراد مادة الدقيق بما يكفي احتياجات السوق المحلي.

ردا على هذه الاتهامات قال الصديق الكبير – في رسالة إلى السراج- إن نقص مخزون الدقيق من الأسواق يعود إلى انتشار عمليات التهريب، موضحا أن ما تم فتحه من اعتمادات خلال العام 2020، لتوريد مادة الدقيق يتناسب مع مقدار الاستهلاك المحلي، مشيرا إلى أن على الحكومة بذل مزيد من الجهد لضبط الحدود ومنافذ البلاد ووقف عمليات التهريب تحديدا التي تطال السلع الأساسية.

وأكد أنّه لم يتم فتح اعتمادات مستندية لتوريد سلع ليست ذات أهمية وأن مادة الدقيق بين المواد الأساسية بالتوريد، وأن “المركزي” يعي ذلك جيدا.

كما حذر الكبير من التدخل بأي شكل للتصرف في رصيد الحكومة من النقد الأجنبي في المصرف الخارجي، موضحا أن هذا الرصيد خاص بعائدات سيادية موجودة بالمصرف إلى حين تحويلها إلى حساب الإيراد العام السيادي بالمصرف المركزي، وأن أي تصرف فيه من قبل “الوفاق” سيعد مخالفة جسيمة للقانون المالي للدولة، ولضوابط الإنفاق العام الواردة بالاتفاق السياسي.

هذه ليست المرة الأولى التي يتبادل فيها الرجلان الاتهامات وسط صراع على سلطة القرار المالي بالدولة، وسبق أن وصل الأمر بأن طالب السراج مجلس الأمن بتشكيل لجنة لمراجعة إيرادات وتعاملات “المركزي” وتحديدا المتعلقة بإيرادات النفط.

أسباب أزمة الخبز و”ورطة الجميع”

محافظ المركزي – في رسالته إلى السراج- أشار أيضا إلى أن البنوك التجارية بدأت في فتح اعتمادات لتجار السلع الأساسية كالدقيق والزيت منذ الثالث من يناير الجاري، في ضوء قرار تعديل سعر الصرف من 1.4 دينار للدولار الواحد إلى 4,48 دينارًا للدولار، هذه النقطة تحديدا تجعلنا نفهم أكثر أحد أهم أسباب الأزمة.

قرار تعديل سعر الصرف الصادر عن “المركزي” نهاية العام الماضي، لم يستثنِ موردي القمح وأصحاب المطاحن، بحسب ما أكده نقيب الخبازين خريص محمد – في تصريح لموقع “ليبيا الأحرار”- لافتا إلى أن هذا الأمر بالإضافة إلى ارتفاع أسعار القمح عالميا بنسبة 40%، وتوقف شركة المطاحن الوطنية عن توريد الدقيق إلى المخابز جميعها عوامل أدت إلى ارتفاع سعر رغيف الخبز بأكثر من الضعفين ليصبح دينارا لكل ثلاثة أرغفة.

وأوضح نقيب الخبازين أن سعر الدقيق في السوق المحلي بلغ 200 دينار للقنطار، في حين أن وزارة الاقتصاد تحدد سعره بـ 150 دينار للقنطار، مضيفا أن وكيل شركة المطاحن الوطنية يبيع القنطار الواحد من الدقيق عند سعر 180 دينار، ورغم ذلك فإن الكميات التي يوفرها لا تغطي حاجة 150 مخبزا، في حين أن عدد المخابز في طرابلس الكبرى وحدها يتجاوز الـ 700 مخبز.

وفقًا لتوصيات وزارة الاقتصاد يفترض أن يتم بيع رغيف الخبر مقابل 20 قرشًا، لكن وسط أزمة الدقيق وارتفاع أسعار المواد المشغلة لصناعة الخبز، قامت المخابز برفع الأسعار كما أوردنا، ما دفع جهاز الحرس البلدي التابع لحكومة الوفاق خلال الأيام القليلة الماضية إلى إغلاق المخابز المخالفة للتسعيرة الحكومية، وهو ما نجم عنه نقصا في معروض الخبز وعادت الطوابير للظهور أمام العدد القليل من المخابز التي ما زالت تعمل.

يرى رئيس لجنة متابعة المخابز علي أبو عزة – في تصريحات لقناة “ليبيا 218”- أن هذه التسعيرة مجحفة في حق أصحاب المخابز بسبب عدم حصولهم على سلع بأسعار مخفضة تناسب قرار الوزارة الصادر وفقًا لمعطيات السوق في يناير2020، موضحا أن سعر كيس الدقيق سعة 50 كجم حاليا وصل إلى 210 دينارات، فيما بلغ سعر صندوق الزيت 90 دينارًا، بدلاً من 60 دينارًا بالمقارنة مع أسعار ديسمبر الماضي.

جدير بالذكر هنا أن ليبيا تستهلك سنويا أكثر من 1.3 مليون طن من القمح، يتم استيراد 75٪ منها، بسبب انخفاض إنتاج القمح محليا إلى 250 ألف طن.

بُعد آخر للأزمة أشار إليه، محمد بعيو رئيس المؤسسة الليبية للإعلام – في منشور عبر صفحته على “فيسبوك”-  قائلا: “أزمة الخبز في طرابلس مفتعلة من طرف تنظيم حزبي متأسلم متعطش للسلطة، هذا التنظيم يستخدم قوت الليبيين مثلما استغل دماءهم لتحقيق غاياته الدنيئة، فلنقف معاً ضد هذه الفئة الضالة”، يشار هنا إلى أن بعيو اختطف العام الماضي من قبل ميليشيات موالية لـ”الإخوان”.

إذًا أزمة الخبز هي أزمة متعددة الأبعاد، ويبدو أن الجميع متورط فيها سواء حكومة الوفاق أو المركزي، فالحكومة يفترض أنها من خلال وزارة الاقتصاد تدير الأسواق وتراقب جيدا مخزون السلع الاستراتيجية، كما يقع على عاتقها دعم قطاع المخابز ومنع شركات المطاحن أو أي جهة كانت من التحكم في الأسواق، أما “المركزي” فيفترض أنه يراقب اعتمادات المخصصات ويوجه اعتمادات التصدير بشكل أكثر دقة لعدم منح اعتمادات لتوريد سلع غير أساسية على حساب سلع حساسة كالخبز، والأهم أنه يمنح استثناءات وتسهيلات لموردي السلع الأساسية.

أمام هذا يفترض أن يدع السراج مناكفاته مع الصديق الكبير جانبا، ويبدأ في إدارة الأزمة من خلال توفير حصص عاجلة من الدقيق للمخابز، وتفعيل رقابة صارمة على شركات المطاحن وزيادة دعم الخبز والسلع التي تدخل في صناعته، وعوضا عن تبادل الاتهامات مع “الكبير” سيكون من الأجدى أن يبحث معه سبل استثناء موردي القمح والدقيق من قرار المركزي الخاص بتعديل أسعار الصرف.  

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى