اقتصادالتقاريرالصفحة الرئيسية

وسط رياح كورونا «المتحور».. الغيوم تغطي سماء الاقتصاد العالمي

كتبت – ولاء عدلان

“غموض كبير ما يزال يكتنف آفاق الاقتصاد العالمي بسبب الجائحة”.. بهذه الكلمات وصفت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا منذ يومين مستقبل الاقتصاد العالمي في ظل استمرار مخاطر “كورونا” وتداعياتها، فحتى اللحظة سجلت دول العالم أكثر من 96 مليون إصابة، وسط توقعات بوتيرة أسرع لانتشار الفيروس بعد “تحوره” الجديد.

وسط هذا الانتشار المضطرد للفيروس وعجز منظمة الصحة العالمية عن تحديد موعد حقيقي لنهاية الجائحة التي أدخلت العالم في حالة من عدم اليقين منذ فبراير 2020، يصعب على خبراء الاقتصاد الجزم بموعد التعافي من تداعياتها الاقتصادية.

الضبابية تسود المشهد الاقتصادي

قالت جورجيفا – في تصريح صحفي الإثنين الماضي- إن الغموض ما يزال يكتنف آفاق الاقتصاد العالمي بسبب فيروس كورونا، وإن تنامي التفاوت بين الدول الغنية والفقيرة يتطلب من الصندوق العثور على المزيد من الموارد، لاسيما مع استمرار الجائحة.

لكنها قالت – في مقابلة مع صحيفة “لوفيجارو” الفرنسية، نهاية الأسبوع الماضي- إن أداء الاقتصاد العالمي خلال عامي 2020 و2021 قد يكون أقل قتامة من توقعاتنا السابقة، لذا نحن نقوم بتحديث تقديراتنا بشأن معدلات النمو لعام 2020 وتوقعاتنا بالنسبة لعام 2021، والصورة تبدو أقل قتامة عما كانت عليه في أكتوبر الماضي، ويرجع الفضل في ذلك بصفة خاصة إلى الانتعاش الاقتصادي في الربع الثالث، الذي جاء مفاجئاً من حيث الحجم.

بالفعل حققت بعض الاقتصادات المتقدمة نموا في الربع الثالث من 2020، بفضل تخفيف إجراءات الإغلاق في العديد من البلدان في يونيو الماضي، لكن خلال الربع الأخير ومع تداعيات الموجة الثانية من الفيروس تبدلت الصورة، ليكون الاقتصاد الصيني في نهاية 2020 الوحيد من بين الاقتصادات الكبرى الذي تمكن من النمو بنحو 2.3% منفردا ومتجاوزا أكبر اقتصاد في العالم “الاقتصاد الأمريكي” الذي غرق في الانكماش بفعل الموجة الثانية، تجدر الإشارة إلى أن الصين وهي أول دولة ظهر فيها فيروس كورونا المستجد نهاية 2019 كانت أيضا أول دول تتمكن من السيطرة على الفيروس وتعلن عودة الحياة الطبيعية، وخلال الربع الأخير من العام الماضي تمكن اقتصادها من النمو بأكثر من 6%، مخالفا توقعات صندوق النقد.

هذا يعني أن “الصندوق” ليس على صواب دائما وأن الجائحة مستمرة في التأثير على معدلات النمو العالمي سلبا، سبق وأن حذرت كريستين لاجارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي والرئيسة السابقة لصندوق النقد، من أن أي انتعاش في المستقبل من المرجح أن يكون غير مستقر، بسبب “كورونا”.

فعلى سبيل المثال اضطرت العديد من دول أوروبا منذ نوفمبر الماضي إلى إعادة فرض قيود الإغلاق مع تفاوت درجتها بحسب الوضع الوبائي لكل دولة، ما جعل الآفاق الاقتصادية لمنطقة اليورو أكثر قتامة مما كانت عليه في النصف الثاني من 2020، ما يعني أن الاقتصاد وقع رهينة بيد كورونا، ولا مفر من ذلك سوى بمزيد من برامج التحفيز المالي ودعم الاقتصاد بكل جهد ممكن.

تجدر الإشارة هنا إلى أن دول الاتحاد الأوروبي سجلت العام الماضي انكماشا بنحو 7.3%، وسط توقعات للمركزي الأوروبي بتحقيقها لنمو بنهاية هذا العام بنسبة 3.9%.

إلا أن هذه التوقعات رهينة بتطورات الوضع الوبائي كما سبق وأن قلنا، فبحسب تصريحات لـ”لاجارد”، توقعات المركزي الأوروبي للنمو ما تزال معقولة وليست في حاجة إلى التغيير، إلا إذا كانت الدول الأعضاء بحاجة إلى إجراءات الإغلاق بعد شهر مارس المقبل أو تم إبطاء برامج التطعيم ضد كورونا.

تقرير الآفاق الاقتصادية العالمية الصادر عن البنك الدولي مطلع العام، أيضا لم يكن أكثر يقينا حيال الأوضاع الاقتصادية في 2021، وقال: رغم النمو المتوقع هذا العام بعد انكماش الاقتصاد العالمي بنحو 4.3% في 2020، فمن المرجح أن يكون الانتعاش ضعيفا ما لم يتحرك صانعو السياسات بشكل حاسم لترويض الوباء وتنفيذ إصلاحات تعزز الاستثمار.

تفاؤل حذر مرهون بمزيد من الإنفاق

في مقابلة لكبيرة الخبراء الاقتصاديين بصندوق النقد الدولي، جيتا جوبيناث مع “سي إن بي سي” مطلع العام، قالت: “نحن نبدأ 2021 عند نقطة أقوى بعض الشيء مما توقعناه في 2020 وهو شيء جيد”، لكن قفزة في الإصابات بكورونا وطفرات جديدة للفيروس تلقيان بظلالهما على التوقعات وتشيران إلى “شتاء قاتم”.

كان الصندوق توقع في أكتوبر الماضي أن تحقق اقتصادات العالم خلال 2021 نموا بنسبة 5.2 %، لكن من المتوقع أن يعدل هذه النسبة نهاية الشهر الجاري، وسط زيادة معدلات الإصابات بكورونا وعودة الإغلاقات إلى العديد من البلدان، ما دفع رئيسته الأسبوع الماضي، إلى دعوة دول العالم إلى مزيد من الإنفاق في ظل استمرار تداعيات الجائحة لإنقاذ اقتصاداتها، كما دعت إلى زيادة مخصصات الصندوق ليتمكن من مساعدة الدول النامية لمواجهة الأزمة الصحية.

وأكدت وزيرة المالية السويدية رئيسة اللجنة التوجيهية بصندوق النقد ماغدالينا أندرسون – في تصريح صحفي منتصف يناير- أن حاجة الصندوق إلى السيولة ما زالت كبيرة، وأنها خلال الفترة المقبلة ستتشاور مع الدول الأعضاء بشأن خيارات لزيادة السيولة.

رئيسة المركزي الأوروبي من جانبها أكدت مطلع العام، أن جميع الخيارات ستظل مطروحة على الطاولة، من أجل دعم دول الاتحاد في مواجهة تداعيات كورونا، بما في ذلك عمليات إعادة التمويل الموجهة طويلة الأجل التي أثبتت فاعليتها خلال 2020.

في الولايات المتحدة، يصل اليوم الرئيس الجديد جو بايدن إلى المكتب البيضاوي مبشرا بحزمة تحفيز ضخمة بقيمة 1.9 تريليون دولار، وعد أن تنفق على دعم الأسر والشركات المتضررة من “كورونا”، كما ستدعم جهود الولايات في مواجهة الوباء، وسط توقعات بأن يواصل الاقتصاد الأمريكي الانكماش خلال الربع الأول، على أن يبدأ في تحقيق نمو حقيقي بحلول الربع الثالث بنسبة قد تتجاوز الـ3% بفعل آثار حزمة التحفيز “البايدنية”.  

البنك الدولي في تقريره “الآفاق الاقتصادية العالمية” توقع أن يحقق الاقتصاد العالمي هذا العام نموا بـ4%، في حال تم توفير لقاح كورونا على نطاق واسع خلال العام، وقال: إن أولويات صانعي السياسيات في المدى القريب يجب أن تركز على التحكم في انتشار الفيروس وضمان نشر اللقاح بسرعة، فضلا عن استمرار دعم الاقتصاد والنمو المستدام.

وقال رئيس مجموعة البنك الدولي، ديفيد مالباس: إنه “للتغلب على آثار الوباء يجب أن يكون هناك دفعة كبيرة لتحسين بيئات الأعمال، وزيادة مرونة سوق العمل والمنتجات، وتعزيز الشفافية والحوكمة”.

بفعل الجائحة ارتفعت معدلات عدم اليقين عالميا إلى مستويات غير مسبوقة، فكل يوم يفاجئنا الفيروس الغامض – إن جاز التعبير- بتحول جديد في وقت نظن فيه أن السيطرة عليه باتت ممكنة، فحتى البلدان الغنية التي حصلت على الكم الأكبر من اللقاحات قد تفشل في الوصول إلى ما يسمى مناعة القطيع قبل 2022، وسط شكوك حول فاعلية هذه اللقاحات في التصدي للسلالة الجديدة من الفيروس، لذا يبدو أن العام الجاري سيشهد المزيد من التقلبات الاقتصادية، وستظل السرعة التي يمكن بها احتواء الوباء هي العامل الأساسي لدفع الاقتصاد العالمي نحو التعافي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى