التقاريرثقافة

ضحية «جقمق».. زيارة إلى الأمير المهندم «جوهر اللالا»

كتب – هدى إسماعيل وعاطف عبداللطيف

القاهرة واحدة من أعظم عواصم العالم.. متفردة بتاريخها الذي يضم الحضارة المصرية القديمة، والرومانية البيزنطية والقبطية والإسلامية ، ولكل منها بصمته التي تبهر الزائرين.

على تبة عالية من بقايا جبل المقطم وبالقرب من مسجد السلطان حسن بالقرب من ميدان القلعة بالقاهرة ، يقع مسجد ومدرسة «جوهر اللالا» تحفة معمارية لم يسلم من يد الإهمال التي تعبث بآثار أجدادنا ، فآثار الخراب تطال كل شئ في المكان فالمسجد من الخلف تحول إلى «خرابة» والمئذنة من الأمام آيلة للسقوط.

رغم ضآلة الحجم والمساحة (178 مترا) مقارنة بـ«جامع السلطان حسن» إلا أن المسجد الصغير يتباهى بجماله ودقة تفاصيله وتبادل الألوان على حجارة الواجهة ما بين اللونين الأحمر والأبيض، تجذب المار ليقف متأملا أمام عبقرية العمارة الهندسية .

مربي أبناء السلاطين

جوهر اللالا هو الأمير «جوهر الجلباني»- نسبة إلى الأمير جلبان أو أحمد الجلباني – الحاجب، وهو المعروف بـ «اللالا» أى مربي أبناء السلاطين.

ينتمي الأمير «جوهر اللالا» إلى دولة المماليك الجراكسة، وأصوله تعود إلى أدغال الحبشة، اشتراه الأمير «عمر بن بهادر» طفلًا من أسواق مكة المكرمة، وحينما عاد إلى القاهرة أهداه لأخته زوجة الأمير «أحمد بن جلبان الحاجب»، فقامت بتربيته ثم أعتقته فصار اسمه «جوهر الجلباني».

يصفه المؤرخ «بن تغري بردي» بأنه كان نظيفا يبالغ في التأنق والجمال في ملبسه، محبا للنظام وضبط الأمور بدقة بالغة، وفوق هذا النظام الصارم كان محبوبا من العامة، إذ كان صاحب مروءة وشهامة، لا يمانع في قضاء حوائج الناس عند السلطان وكبار رجال الدولة»،  حيث رفض «جوهر» أن يستغل صلته بالسلطان في تحقيق ثروة طائلة وامتلاك ضياع واسعة، فصار يذكره الجميع بالسيرة الحسنة الحميدة.

الكتًاب والمدرسة

أنشأ «جوهر» مكتبا لتعليم أيتام المسلمين القراءة والكتابة ، ووضع شروطا للانضمام إلى الكُتّاب والمدرسة، ومنها ألا يكون الأيتام قد بلغوا الحلم، ومن بلغ منهم يستبدل بيتيم غيره، أما إذا ختم اليتيم القرآن قبل البلوغ وأراد الاشتغال بالعلم أجيب إلى طلبه على أن يصرف له المبلغ المقرر حتى يبلغ الحلم.

وحينما أراد جوهر أن يبني الكُتّاب والمدرسة بحث عن أرضا قريبة من القلعة ، فاستقر على ربوة عالية من الكتلة المنفصلة عن جبل المقطم ، ورغم عدم انتظام شكل الأرض إلا أن المهندس المصري العبقري استطاع أن يحصل منها على مسجد يضم أربعة إيوانات، إلى جانب كُتّاب ومدرسة، وقبة يرقد تحتها جوهر اللالا».

العمارة الإسلامية

تتميز واجهته بذلك التنوع ما بين اللون الأحمر والأبيض ، والذي تعرفه العمارة الإسلامية بنظام «الأبلق» والباب الرئيسي للمسجد مغلق حالياً ، واستبدل به باب صغير في جانب المسجد، ويغطي الصحن سقف خشبي تتوسطه شخشيخة، وإيوان القبلة مستطيل، وكسيت جدرانه بوزرات من الرخام، وفوق المحراب توجد طاقية من الجص تحمل نجمة داود ، كما يعلو المنبر شباك جصي معشق بالزجاج الملون.

المئذنة

تعلو الواجهة الرئيسية للمدرسة، ويمكن الوصول إليها من أعلي سطح المدرسة، تتكون من مربع ينتهي في الأركان مشطوفة إلي أسفل ليرتكز عليها البدن، يعلو البدن المربع بدن مثمن يوجد بالجزء العلوي منه دخلات مستطيلة تنتهي بعقود نصف دائرية مزخرفة بزخارف مشعة ويتوجه أربع حطات من المقرنصات. يعلو البدن المثمن بدن مستدير يتوجه ثلاثة حطات من المقرنصات، وهذه المئذنة ليست من عصر الإنشاء ولكن تاريخ تجديدها غير معروف.

نهاية مؤلمة

جاءت نهاية «جوهر اللالا» مؤلمة ، إذ تسلطن بعد وفاة برسباي ابنه «العزيز يوسف» ، لكن الأمير «جقمق» عزله، ونكّل السلطان الجديد بكل المقربين من السلطان المعزول ، وكان منهم «جوهر اللالا» الذي صودرت أمواله وألزمه بدفع مبلغ 30 ألف دينار ، فباع جوهر ما يملك حتى يستطيع أن يفتدي نفسه. وعاش بقية أيامه حزينا يكابد تعسف جقمق حتى توفي سريعا في الثالث والعشرين من جمادي الأولي عام 842 هجريا.

الوضع الحالي

كغيره من الآثار المصرية التي تتعرض للإهمال فالقمامة تحيط به من جميع الجوانب،  الأهالي التي تقطن بجواره تكاد لا تعرف قيمته فهو بالنسبة لهم مجرد لافته مسجل عليها اسم «جوهر اللالا»وفي الآثار مجرد رقم في الدفتر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى