التقاريرالصفحة الرئيسيةسياسة

«نجعل منزلنا آمنًا مرة أخرى».. الأيادي الناعمة تعالج ندوب الحرب الخفية

كتبت – أسماء حمدي

حروب عدة عاشها العالم، لم تنته آثارها بتوقفها، فما خلفته من ضحايا لا يزال تعدادهم في تصاعد مستمر نتيجة كم الألغام التي خلفتها والتي لا تزال تشكل خطرا كبيرا يواجه الناس في مختلف المدن، مما دفع العديد من النساء للعمل على إزالة الألغام القاتلة والعبوات الناسفة من الحقول والمدن في أوطانهم، وبالرغم من أنه أمر خطير لكنه يساعدهم في إعادة بناء حياتهم.

خطر الموت

في العراق يوجد حوالي 1800 كيلومتر مربع من الأراضي المليئة بالالغام نتيجة للصراعات المتعددة، كالحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات، وحرب الخليج، والغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003، واحتلال داعش عام 2014، فيما تخطط الحكومة العراقية لتطهير البلاد، وحددت فبراير 2028 كمهلة للانتهاء من عمليات التطهير.

وتمكنت المجموعة الاستشارية للألغام (MAG) وهي مؤسسة خيرية لإزالة الألغام في مناطق النزاع، هذا العام من نزع 1200 لغم، عادة ما يكون 6750 لغم، ويقول جاك مورجان مدير المجموعة: “في العام الماضي، قام العاملون بتطهير ما يزيد عن 15 كيلومترًا مربعا، لكن انتشار فيروس كورنا لم يساعد على تظهير المزيد من الأراضي”.

في عام 2016، كانت المجموعة الاستشارية للألغام أول منظمة لإزالة الألغام في العراق توظف عاملات في إزالة الألغام لديها، ويعمل الآن لدى المجموعة 24 امرأة أيزيدية، وتخطط لتوظيف 10 نساء إضافيات من الموصل.

تروي هناء خضر إحدى العاملات في إزالة الألغام وهي تعيش بسنجار شمال العراق : “كانت سنجار جميلة وهادئة ومميزة جدًا”، وتعتبر هناء من اليزيديين الذين يعتقدون أن الجبل كان مكان الراحة الأخير لسفينة نوح، ولطالما اعتبرت القمة الصخرية ملجأ مقدسًا للأشخاص المضطهدين.

كان الجبل هو الذي أنقذها وأكثر من 40 ألف يزيدي آخر عندما فروا من تنظيم داعش في أغسطس 2014، بعد طردهم من قراهم، وخيموا على الجبل لعدة أشهر – بعضهم لسنوات – بعد الإبادة الجماعية التي شهدتها المنطقة.

ووفقًا للأمم المتحدة، قتل 5000 يزيدي وما يصل إلى 7000 امرأة وفتاة وتم بيعهن كعبيد لأعضاء داعش، تقول هناء، البالغة من العمر 28 عامًا: “كنا نخشى على حياتنا ولحسن الحظ، هربت إلى كردستان، وعشت في مخيم للنازحين حتى تحرير قريتي وعدت مع عائلتي في مايو 2016، وبعد بضعة أشهر، تقدمت بطلب للعمل مع المجموعة الاستشارية لإزالة الألغام .

تقول هناء: “يريد جميع الأيزيديين أن يفعلوا شيئًا لجعل سنجار كما كانت قبل الحرب، لذلك عندما سمعت عن منظمة تزيل بقايا الحرب وتحرر الأرض من “خطر الموت”، شعرت بالحماس للعمل معهم”، وأشارت إلى أن داعش تركت عمدًا الأجهزة المتفجرة في كل مكان، كداخل الحاويات وأواني الطبخ والهواتف المحمولة وحتى لعب الأطفال.

وتمشط فرق إزالة الألغام الأرض بعناية وتعمل من خلال المنازل لتحديد العبوات الناسفة التي تقتل وتشوه السكان المحليين حتى يومنا هذا، ففي مطلع ديسمبر الماضي، كان أربعة أطفال يلعبون في قرية القباسية الواقعة على بعد 10 دقائق بالسيارة جنوب سنجار، عندما قتل اثنان منهم بعد أن داسوا على عبوة ناسفة، والاثنان الآخران أصيبا بجروح خطيرة.

تقول هناء التي تقود فريقا من النساء العاملات في إزالة الألغام: “عملي هو رسالة إلى داعش، نحن أقوياء ولا يمكن هزيمتنا “.

وتعتبر وظيفة مزيل الألغام عملاً  “للرجال فقط”، ويرجع ذلك من ناحية إلى الخطر وناحية أخرى بسبب المتطلبات المادية فهي بطيئة وشاقة، لكن هذا الرأي يتغير، حيث تشرف  هناء خضر على فريق مختلط من 14 عضوًا، ويبدأ عملها في الخامسة صباحًا، عندما تصل إلى قاعدة ماج لتلقي التعليمات ومقابلة فريقها، ثم يقودون سياراتهم إلى قرية ممتلئة بالألغام وبعملن على إزالتها حتى حوالي الساعة 2 مساءً.

في الميدان، كل خطوة تخطوها هناء محفوفة بالمخاطر، لكن كل خطوة تقربها من سنجار التي حلمت بها في طفولتها، كمدينة “سلمية وخالية من الألغام”، كما ساعدت في تحقيق خطوات كبيرة نحو المساواة بين الجنسين في قطاع يهيمن عليه الذكور، تقول: “عندما بدأت أنا وزميلاتي  العمل لأول مرة في إزالة الألغام، كان ذلك شيئًا غريبًا في المجتمع، لكنهم كانوا أيضًا منفتحين جدًا على ذلك، وحصلت على دعم من زوجي وعائلتي وأقاربي والمستفيدين من الأرض التي قمنا بتطهيرها”.

ندوب الحرب الخفية

لبنان بلد شرق أوسطي آخر يتحدى ببطء ولكن بثبات الإجراءات المتعلقة بالألغام، ووفقًا للمجموعة الاستشارية للألغام (MAG) ، منذ عام 2006، قُتل 70 شخصًا بسبب الألغام الأرضية أو غيرها من الذخائر غير المنفجرة في لبنان وأصيب 470 شخصًا بسبب لغم أو ذخائر غير منفجرة.

وبطول الخط الأزرق، وهو ترسيم حدودي بطول 120 كيلومترًا بين إسرائيل ولبنان، والذي يخضع حاليًا لدوريات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، تنتشر العلامات المثلثية الحمراء التي تحمل جمجمة وعظمتين متقاطعتين، وهو تحذير لمراقبة خطواتك، حيث تنتشر ما يقدر بنحو 400000 لغم زرعتها إسرائيل خلال احتلال البلاد لجنوب لبنان في الثمانينيات.

تمت إضافة هذه الألغام خلال نزاع قصير في عام 2006، عندما اندلعت التوترات بين الدول وأسقطت إسرائيل 4 ملايين من الذخائر الصغيرة العنقودية، وحوالي 40٪ منها لا تنفجر عند الاصطدام، ويعمل فريق من خبراء إزالة الألغام من المجموعة الاستشارية للألغام (MAG) على إزالتها.

وتعمل مجموعة مكونة من 30 امرأة لدى المجموعة الاستشارية للألغام (MAG) في لبنان، إحداها هالة نعمة 31 عاما، من قرية قريبة من النبطية، تحكي قائلة: “عندما أكون في الميدان لإزالة الألغام، أفكر في حماية نفسي كأولوية لأن لدي عائلة، ولدي ابن عمره خمس سنوات، وأخشى أنه قد يُصاب أو يُقتل إذا وطأ على لغم فجميع الأطفال يحبون اللعب في الخارج”.

هذا العام، أزالت المجموعة الاستشارية للألغام (MAG) ما يقرب من 15000 لغم في لبنان.

في عام 2019، وجدت دراسة استقصائية أجرتها كندا للعمل في مجال الألغام على 12 منظمة غير حكومية معنية بإزالة الألغام الأرضية حول العالم، بما في ذلك المجموعة الاستشارية للألغام (MAG)، ومنظمة هالو تراست (Halo Trust)، والمجموعة الدنماركية لإزالة الألغام، أن النساء يشكلن 20٪ فقط من طاقم العمل.

تقول هبة غندور، مسؤولة النوع الاجتماعي والتنوع في المجموعة الاستشارية للألغام (MAG) في لبنان، إن إدخال المزيد من النساء في مناصب تشغيلية لن يحدث بين عشية وضحاها، لا توجد قاعدة صلبة، نحن نتعلم باستمرار، لا ينبغي أن يكون هناك أي مجال يقول أحدهم أنه ليس للنساء”.

في ظل الوضع الاقتصادي الحالي في لبنان على وجه الخصوص، أصبح توفير الفرص للمرأة الآن أكثر أهمية من أي وقت مضى، تقول هبه: “لقد سمعت 90٪ من موظفاتنا يقولون، نحن نساعد أزواجنا وآبائنا وعائلاتنا بدوننا لم يكن بإمكانهن البقاء على قيد الحياة”.

ويشكل عمل العديد من النساء في الأعمال المتعلقة بالألغام مساهمة كبيرة في الحفاظ على بقاء بلادهن التي مزقتها الحروب، وإعادة بنائها من الألف إلى الياء، وبالنظر إلى قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1325 الذي ينظر في مشاركة المرأة في عملية بناء السلام، على الرغم من الانتقادات التي يوجهها الكثير من الرجال، فإن النساء يرغبن في المشاركة في بناء السلام، ويمكنهن إحداث فرق وهذا سيساعد في تمكين الجيل القادم من النساء للعمل على التحلص من هذه الألغام التي تشكل خطرا على حياتهن وحياة عائلاتهن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى