التقاريرالصفحة الرئيسيةسياسة

الموانئ السودانية والسباق الأمريكي-الروسي.. دلالات ومآلات

كتب – حسام عيد

حركة عسكرية لافتة للانتباه عند ميناء استراتيجي على البحر الأحمر، إنه بورتسودان، الذي استقبل يوم 28 فبراير 2021 المدمرة الأدميرال جريجوروفيتش، كأول سفينة حربية في تاريخ روسيا المعاصر تزور المياه السودانية وتمكث بالميناء لبضعة أيام.

إلى هنا، حيث تعتزم روسيا بناء قاعدة بحرية بناء على اتفاق أقره الرئيس فلاديمير بوتين، وصلت بعد يوم واحد من قدوم الفرقاطة الروسية، السفينة الحربية الأمريكية “يو إس إس ونستون تشرشل”، وهي السفينة الأمريكية الثانية التي تزور المياه السودانية الإقليمية خلال أقل من أسبوع، بعد “كارسون سيتي” التي كانت أول سفينة تابعة للبحرية الأمريكية تزور ميناءً سودانيًا منذ عقود.

أمر ربما يعكس حجم الصراع على النفوذ الإفريقي، لا سيما بعدما باتت القارة السمراء قُبلة العديد من القوى الدولية لما تمتلكه من مقومات استثمارية هائلة فضلاً عن موقعها الجيو-سياسي الإستراتيجي. لكن هل الصراع على النفوذ الأفريقي بالفعل وراء تلك السابقة التاريخية، أم ستنقل تلك السفن، التوتر الأمريكي الروسي الآخذ في التصاعد خاصة مع قدوم الرئيس جو بايدن إلى البيت الأبيض، لأفريقيا؟.

في الوقت ذاته، قد يكون السودان هو الرابح من استقطاب قوى عالمية بارزة إلى مياهه الإقليمية، فهو بحاجة إلى تنويع مصالحه وتحالفاته بالمشهد الدولي الذي غاب عنه لعقود طويلة.

الموانئ السودانية.. هدف أمريكي روسي

بدأت ملامح السباق مع وصول أول مسؤول عسكري أميركي للخرطوم في يناير 2021، وهو نائب قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا أندرو يانج، وذلك بعد 3 عقود من عدم التواصل العسكري بين البلدين أثناء حكم الرئيس السابق عمر البشير.

وهدفت الزيارة إلى تحريك العلاقات العسكرية بين السودان والولايات المتحدة، وبناء وتطوير علاقات استراتيجية بين البلدين.

وتلا تلك الزيارة، وتحديداً في 24 فبراير الماضي، رسو سفينة النقل السريع التابعة لقيادة النقل البحري العسكرية “يو إس إن إس كارسون سيتي” في ميناء بورتسودان لتعزيز الأمن البحري، طبقاً لما قالته السفارة الأمريكية في الخرطوم.

واليوم الإثنين 1 مارس 2021 رست المدمرة الأمريكية “يو إس إس ونستون تشرشل” على السواحل السودانية، حيث كان في استقبالها القائم بالأعمال الأمريكي براين شوكان، وقيادات عسكرية سودانية، ومسؤولون محليون.

وجاء التقدم في العلاقات العسكرية بين السودان والولايات المتحدة في إطار سلسلة من التطورات السياسية والدبلوماسية، أهمها شطب واشنطن اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، والاتفاق على تصعيد التمثيل الدبلوماسي لدرجة السفير، والتزام الولايات المتحدة بالدعم السياسي والمالي للحكومة السودانية بقيادة المدنيين لإنجاح الفترة الانتقالية.

ومع أجواء ذلك التقارب، استقبلت القوات البحرية السودانية السفينة الحربية الروسية “أدميرال”، التي وصلت إلى ميناء بورتسودان في ساعة متأخرة من يوم الأحد 28 فبراير، وذلك في إطار العلاقات الدبلوماسية المتطورة بين السودان وروسيا، وتعزيز التعاون بين القوات البحرية السودانية ونظيرتها الروسية، وفقاً لبيان صادر عن الجيش السوداني.

وكان لافتا أن ما جاء في بيان الجيش السوداني حول غرض وصول “أدميرال” يختلف عما ذكرته وكالة “إنترفاكس” من أن الخطوة أتت في إطار ما تنوي روسيا القيام به، بـ”إقامة قاعدة عسكرية في بوتسودان التي تستعد لاستضافة مركز لوجستي للبحرية الروسية، بأهداف تموين وصيانة البحرية الروسية على ساحل البحر الأحمر، وتعزيز السلام والأمن في المنطقة”.

توتر جديد وتعزيز النفوذ بقارة الثروات

رغم أن جو بايدن كانت تربطه علاقات أقرب إلى درجة الوثيقة والقوية مع روسيا؛ إلا أنه على ما يبدو نجحت السلطة في تغيير مسار هذه العلاقة التي باتت تشهد توترًا مع قدوم الرئيس الأمريكي الديمقراطي الجديد.

المتابعون للشأن الأفريقي قد يرون أن الولايات المتحدة التي اقتربت من السودان لا تستطيع منع موسكو من إنشاء قاعدة عسكرية في الميناء السوداني نظراً للعقد المبرم بين موسكو والخرطوم خلال زيارة الرئيس المعزول عمر البشير، لموسكو في 2017.

العقد المبرم بين روسيا والسودان ومدته 25 عامًا قابلة للتمديد 10 سنوات إضافية بموافقة الطرفين، ينص على إنشاء قاعدة تتعلق بالتدريب، وتبادل الخبرات، ودخول السفن الحربية لموانئ البلدين وبحث إنشاء قاعدة عسكرية بالبحر الأحمر، ولكن روسيا لم تتحمس كثيرًا للعرض الأخير، ما طرح تساؤل عن تحرك روسيا لإنشاء قاعدتها العسكرية في السودان من حيث التوقيت والدلالات، فمنهم من يرى أن روسيا تريد التواجد عسكريًا بالقرب من القواعد الأمريكية بهدف توفير أرضية توازن الردع ومنهم من يرى أن روسيا تحرص على تعزير وجودها ونفوذها في القارة الأفريقية التي تمثل مصدرًا كبيرًا للثروات الطبيعية وسوقًا ضخمة للسلاح الروسي.

وروسيا ليست الوحيدة في هذا المسعى، فهناك العديد من الدول التي تعمل لهذا الهدف مثل تركيا والصين وفرنسا، كما للولايات المتحدة والصين وفرنسا قواعد بحرية في دولة جيبوتي المطلة على مضيق باب المندب.

المنشأة الجديدة ستسهل كثيراً عمليات الأسطول البحري الروسي في المحيط الهندي إذ سيكون بمقدور البحرية الروسية تبديل طواقم القطع البحرية الروسية المنتشرة في المحيط الهندي عبر نقلهم جوا إلى السودان.

لكن الولايات المتحدة، بدورها، وبعد زيادة روسيا لنفوذها في البحر الأبيض المتوسط، عبر سوريا، ستحاول عدم السماح لموسكو بالتمدد في البحر الأحمر”، وخصوصًا أن الاتفاق الذي تتحدث عنه موسكو بشأن القاعدة البحرية هو “اتفاق مفتوح ويمكن أن يشمل حتى الجانب النووي، وتلقائياً يمكن أن يمتد الاستقطاب ليشمل كل منطقة القرن الأفريقي، تماماً كما حدث خلال فترة الحرب البادرة.

السودان وفوائد الاستقطاب الدولي

استمرار تصاعد سباق النفوذ في الموانئ السودانية على البحر الأحمر ربما يتحول إلى ميزات تفضيلية، فمن شأنه تسهيل دخول السودان في تحالفات دولية جديدة قد تساهم في تحقيق المصلحة الوطنية العليا.

هنا ربما يلجأ السودان لتفعيل أدوات المناورة المعقولة، والبحث عن المصالح بتحالفات واضحة دون أي ضبابية، أو حلول وسطى، لكن وفق معطيات ومتغيرات المعادلة السياسية الحالية، السودان أقرب إلى الحلف الأمريكي، لذلك قد تبتعد عن الدخول في أي اتفاقيات أو تكتلات من شأنها تعكير صفو العلاقات مع واشنطن، خاصة وأنها تنشد النمو والتطور السريع بعد جمود وعزلة طويلة كان لها وقعًا خطيرًا اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا.

وختامًا، يمكن القول: إن التواجد السياسي والعسكري في أفريقيا بالنسبة للبيت الأبيض جزء من مشروع أمريكي أوسع يهدف إلى إعادة رسم معالم السياسة الأمريكية تجاه روسيا والتي نسفها الرئيس السابق دونالد ترامب بحكم تقربه من المسؤولين الروس، كما يهدف إلى استكمال طوق حصار أوروبا على موسكو للحد من استعادة قوتها بشكل كامل والتي كانت تنافس بها أمريكا والصين سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى