التقاريرالصفحة الرئيسيةسياسة

إثنين الغضب.. «غليان» الشارع اللبناني إلى أين؟

كتبت – أميرة رضا

أزمات اقتصادية متسارعة، وأوضاع متردية عمقها الشلل الناتج عن تدابير الوقاية من وباء “كوفيد19″، وأسباب عدة كانت كفيلة لعودة الاحتقان إلى الشارع اللبناني، ومن ثم زيادة النقمة الشعبية احتجاجًا على تردي الأحوال المعيشية، ليعلنها الجميع صراحة “لم يعد لدينا ما نخسره”!

فتحت شعار “إثنين الغضب” تصاعدت في الساعات الأولى من صباح اليوم حدة الغليان الشعبي اللبناني، إذ استفاقت البلاد على حركة واسعة لإقفال الطرق الرئيسة والفرعية في معظم المناطق، احتجاجًا على التدهور الاقتصادي الكارثي، خاصة بعد أن انهارت العملة الوطنية بشكل قياسي مسجلةً نحو 10200 ليرة أو أكثر مقابل أمام الدولار الأمريكي الواحد، الأمر الذي طرح تساؤلات عدة أبرزها إلى متى ستظل الأوضاع هكذا في لبنان الجريح؟

ثورة الغضب

الاحتجاجات اللبنانية، دخلت يومها السابع تواليًا وسط تصعيد حاد، إذ دعا ناشطون خلال اليومين الماضيين إلى إعلان اليوم الإثنين الموافق الـ8 من مارس “إثنين الغضب”، فقطعوا الطرق بمستوعبات النفايات والإطارات المشتعلة أحيانًا إضافة إلى الشاحنات والخيام، في حين عمد الجيش اللبناني إلى فتح الطرق في بعض المناطق، ووقف لحماية المتظاهرين في مناطق أخرى.

وشملت الاحتجاجات قطع المحتجين الطريق في ساحة الشهداء بوسط العاصمة بيروت في منطقة الصيفي وأمام مبنى جريدة “النهار”، وعند “تقاطع الكولا” باتجاه كورنيش المزرعة، وعلى مسلكي الطريق السريع في مناطق جل الديب والزوق وجبيل، شمال بيروت.

فيما أقفل آخرون، فجر اليوم، طريق الأوتوستراد الساحلي بين العاصمة والجنوب، وتحديدًا في منطقة الجية، بالقرب من مفرق برجا بالاتجاهين، في حين عمل الجيش على تحويل السير إلى الطريق البحرية القديمة في الجية، والتي باتت تشهد زحمة سير خانقة بفعل الحركة الكثيفة والضاغطة للسير.

كذلك شهدت محطات المحروقات في منطقة الزهراني “جنوبًا” زحمة كبيرة منذ الصباح الباكر، كما لوحظ أن بعض المحطات رفعت خراطيمها لعدم توفر مادة البنزين.

ومن جانبها، نظمت “الجمعية اللبنانية لأولياء الطلاب في الجامعات الأجنبية”، و”الاتحاد الدولي للشباب اللبناني”، و”تكتل الطلاب اللبنانيين المغتربين”، وقفة احتجاجية أمام مصرف لبنان في منطقة الصنائع في بيروت، في شأن تنفيذ قانون “الدولار الطالبي” الرقم 193، الذي يتيح للبنانيين إرسال أموال من حساباتهم بالعملة الأجنبية إلى أبنائهم الذين يتابعون تعليمهم في الخارج، وذلك بعدما وضعت المصارف ضوابط قاسية على حركة تحويل الأموال من وإلى لبنان.

أوضاع «مرعبة»

دفعت الأزمة الاقتصادية السيئة عددًا كبيرًا من المواطنين اللبنانيين، للتوجه إلى الاحتجاجات الشعبية من جديد، إذ انطلقت شرارتها منذ الثلاثاء الماضي، بعد بلوغ سعر صرف الدولار عتبة العشرة آلاف ليرة لبنانية، وهو مستوى متدن للغاية وغير مسبوق.

وسجلت الليرة في الأيام الأخيرة انخفاضًا قياسيًا غير مسبوق منذ دخول لبنان دوامة الانهيار الاقتصادي قبل عام ونصف العام، حيث اقترب سعر الصرف مقابل الدولار من عتبة 11 ألفًا في السوق السوداء، مما تسبب بارتفاع إضافي في الأسعار، مما دفع الناس للتهافت على المحال التجارية لشراء المواد الغذائية وتخزينها.

وفي تطورات الأحداث، شهدت محال بيع المواد الغذائية حوادث صادمة في الأيام الأخيرة، مع التهافت على شراء سلع مدعومة، لم تمر دون صدامات، في بلد يعيش أكثر من نصف سكانه تحت خط الفقر، وترتفع فيه معدلات البطالة تدريجيًا.

وفي هذا الصدد، علق “مرصد الأزمة” في الجامعة الأمريكية ببيروت في تقرير له اليوم قائلًا: “إن ظهرت تداعيات انهيار قيمة الليرة جليًا في تدهور القدرة الشرائية للبنانيين والمقيمين في لبنان، وما يرافق ذلك من تنافس محموم وأحيانًا عنيف على ما يعرض من سلع وبضائع مدعومة في بعض المحلات، فإن الأسوأ لم يحدث بعد”.

ومن جانبه، قال الباحث في الشؤون المصرفية والمالية محمد فاعور إن التدهور في قيمة الليرة “هو مجرد استمرار لاتجاه واضح نحو الانخفاض في سعر الصرف منذ بدء الأزمة وللتقاعس السياسي المزمن”.

كذلك انتقد البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي السياسيين في خطبته يوم الأحد، إذ قال فيها، بحسب “رويترز”: “كيف لا يثور الناس وقد تجاوز سعر الدولار الواحد عشرة آلاف ليرة في يوم واحد، كيف لا يثورون عندما يكون الحد الأدنى للأجور 70 دولارًا؟”، داعيًا إلى عقد مؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة لمساعدة لبنان.

تحقيق وتهديد

الأزمة لم تمر مرور الكرام، إذ أمر الرئيس اللبناني ميشال عون، الأربعاء الماضي، بفتح تحقيق في أسباب انهيار الليرة، مطالبًا حاكم المصرف المركزي رياض سلامة بإحالة نتائج التحقيق إلى النيابة العامة، كي تتم ملاحقة المتورطين في حال ثبت وجود عمليات مضاربة غير مشروعة على العملة الوطنية.

وفي السياق ذاته، أرسلت النيابة العامة التمييزية في لبنان، الخميس، المستندات التي طلبها القضاء السويسري، والمتعلقة بتحويل أموال خاصة بحسابات حاكم مصرف لبنان رياض سلامة إلى الخارج.

وتم إرسال هذه المستندات عبر البريد الإلكتروني، كمرحلة مبدئية، على أن يتم إرسالها بشكل رسمي إلى القضاء السويسري عبر الحقيبة الدبلوماسية، أي بواسطة وزارة الخارجية اللبنانية.

ووفقًا لوسائل الإعلام اللبنانية، جاء ذلك استجابة لكتاب أرسله المدعي العام السويسري إلى النيابة العامة التمييزية في لبنان، يطلب فيه مساعدة قضائية بشأن تحويلات مالية قام بها سلامة ومساعدته ماريان حويك وشقيقه رجا سلامة إلى المصارف السويسرية.

في المقابل، هدد رئيس وزراء حكومة تصريف الأعمال حسان دياب، السبت، بالاستقالة لزيادة الضغط على من يعرقلون تشكيل حكومة جديدة، مشيرًا إلى أن لبنان بلغ “حافة الانفجار بعد الانهيار، والخوف من ألا يعود ممكنًا احتواء الأخطار”.

كوفيد19.. ما بين القيود والاحتجاجات!

في الوقت الذي يشهد فيه الشارع اللبناني هذه التحركات والاحتجاجات، وسط مخاوف وبث أخبار تشير إلى إمكانية حدوث انفلاتًا أمنيًا، طفت مشاكل قيود كورونا على السطح مجددًا، إذ تزامن إقفال الطرق، اليوم، مع دخول لبنان المرحلة الأخيرة من تخفيف قيود الإغلاق المشدد المفروض منذ منتصف الشهر الماضي في محاولة للحد من التفشي المتزايد لفيروس كورونا.

مع ازدياد حدة الغليان، توجهت جهات طبية وصحية بمناشدات عاجلة إلى المحتجين والمتظاهرين من أجل السماح لجميع المواطنين المتوجهين إلى المستشفيات والمراكز الطبية بناء على مواعيد مسبقة لأخذ اللقاحات ضد كورونا، وكذلك السماح لجميع المواطنين المتوجهين بشكل طارئ إلى المستشفيات، محذرة من خطورة الإخلال بمواعيد التلقيح بما ينعكس سلبًا على انتظامها.

بدورها، ناشدت شركات توزيع الأكسجين جميع المواطنين لتسهيل مرور شاحناتها على جميع الطرق لتلبية حاجة المستشفيات بالأكسجين الطبي لمصابي كورونا.

وفي هذا الصدد، قال سليمان هارون، رئيس نقابة المستشفيات في لبنان لوكالة “أسوشيتد برس”، إنه بعد عطلة نهاية الأسبوع لمدة يومين عندما لا يكون هناك توزيع للأكسجين تنفد بعض المستشفيات وتحتاج بشكل عاجل إلى الإمدادات، خاصة لعلاج مرضى كورونا”، مشيرًا إلى إنها “ليست مزحة.. وإنها مسألة حياة أو موت”.

إثنين الغضب.. هاشتاج أشعل تويتر

في غضون اشتعال فتيل الأزمة، ومع دخول الاحتجاجات يومها السابع تواليًا، تداول نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي على نطاق واسع، هاشتاج “إثنين الغضب” الذي أشعل تويتر بأبرز وأهم اللقطات التي توثق مدى غليان الشارع اللبناني الجريح، احتجاجًا على تلك الأوضاع المتردية.

نهاية وفي حقيقة الأمر، لم تكن هذه هي أولى أزمات لبنان الجريح إذ يعاني منذ سنوات طويلة من أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية متلاحقة وانقسامات عميقة، حالت دون تحقيق أي إنجاز على صعيد تطوير البنى التحتية وتحفيز الاستثمارات وتنشيط الاقتصاد، مما أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية بشكل منقطع النظير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى