التقاريرالصفحة الرئيسيةسياسة

مواجهة إيران.. شعلة الصراع بين هيئة الأركان و«الموساد» في إسرائيل

كتب – د.محمد عبدالدايم

رغم الزخم “المتكرر” حول الانتخابات الإسرائيلية القادمة، فإن الجدل حول الخلافات بين هيئة أركان الجيش الإسرائيلي ممثلة في أفيف كوخافي والموساد ممثلا في يوسي كوهين ظهر بقوة على السطح، خصوصا بعد التصريح غير المسبوق لكوخافي بضرورة المواجهة المباشرة مع إيران، وتجدد الحديث عن الخلافات الكبيرة فيما يخص إيران بعد التفجير “الغامض” الذي أصاب السفينة الإسرائيلية التي تحمل علم الباهاما في خليج عمان الأسبوع الماضي.

أفادت التقارير الإعلامية أن رئيس الموساد يوسي كوهين طالب بأن يكون رد إسرائيل على استهداف السفينة “جريئًا” و”قويًا”، فيما أيد أفيف كوخافي الرد “المعتدل” “غير المتسرع”، على عكس تصريحاته السابقة الشهر الفائت والتي شدد فيها على ضرورة الاستعداد لضربات قوية ضد إيران.

يبدو أن رفض كوخافي توجيه ضربة مباشرة لإيران يرجع لأن الجيش الإسرائيلي بالفعل قد استهدف (ليلة الأول من مارس) تمركزات لعناصر إيرانية في قلب العاصمة السورية دمشق، فيم لم تعلن إسرائيل مسؤوليتها عن القصف “المجهول”، لتستمر في سياستها العسكرية “الحرب بين الحروب”، بإحباط إيران دون الدخول في مواجهة مباشرة.

المواجهة مع إيران تبدو “ركيزة” للخلاف بين جهازي الموساد ورئاسة الأركان، لكنها ليست السبب الوحيد، فيبدو أن الخلافات – التي ظهرت للعلن بشكل فج ومفتعل- هي في الأساس جزء من الصراع على السلطة، والخلافات على أسلوب قيادة الأذرع الأمنية والعسكرية في إسرائيل، وظهر ذلك في رد فعل يوسي كوهين على خطاب كوخافي الذي أعرب فيه عن معارضته لاتفاق أمريكي مع إيران، حيث استبق رئيس الأركان جولة “التفاهمات” الإسرائيلية- الأمريكية فيما يخص الملف النووي الإيراني.

بعيدًا قليلا عن الخلافات حول قيادة الأمور وتطبيق السياسات الأمنية؛ يبرز السؤال المحوري الذي تتنافس على إجابته الأجهزة الإسرائيلية المعنية: كيف يمكن ردع إيران على المدى القريب والمدى البعيد؟ ولكن إجابة هذا السؤال تستلزم أولا فهمًا لطبيعة الصراع بين الأجهزة الأمنية على الموارد، وإمكانيات الوصول، والقدرة على صنع القرار وتنفيذه.

كيف تعمل الأجهزة الأمنية

من المفهوم أن تكون الاختلافات بين عدة أجهزة في مؤسسات الأمن والعسكرة الإسرائيلية راجعة لطبيعة عمل كل منها، وأسلوب تطبيق سياساتها، فالموساد يختلف عن رئاسة الأركان وكل منهما يختلفان على شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، فكل منها له مسار مختلف (نظريًا) حتى في إطار تنفيذ عمليات مشتركة.

ينفذ الموساد ينفذ الجزء الأكبر من أنشطته في الخفاء، وفي حالة إيران مثلا يتركز عمله في المراقبة الاستخباراتية، وإحباط البرنامج النووي، وكذلك يتكلف بإحباط جهود الأنشطة العسكرية والاستخباراتية الموجهة ضد إسرائيل، ومن المعروف أن الموساد هو الجهاز المسئول الأول عن ملف إيران، سواء جمع المعلومات الاستخباراتية، أو تنفيذ العمليات في الداخل الإيراني، أو في محيطه (بما في ذلك الخليج العربي حيث تعرضت السفينة الإسرائيلية للاستهداف)، وبالتالي وفي هذا النشاط يتشارك سبل العمل مع جهاز الأمن العام (الشاباك) الذي يتركز نشاطه على مكافحة التهديدات الموجهة لإسرائيل من الداخل، وأحيانا من المناطق المجاورة لها، إضافة إلى تأمين المنشآت، وتوفير المعلومات.

لتحقيق هذه الأهداف؛ يتلقى كل من الموساد، وجهاز الأمن العام معلومات استخباراتية من وحدات الجمع والتقييم التابعة للاستخبارات العسكرية (أمان)، وتحديدا من الوحدة 8200 والوحدات المنوطة بـ”الذكاء البصري”، وتحديدا الوحدة 9900، وبدون المعلومات الوافية من شعبة الاستخبارات يمكن أن يفشل الموساد والشاباك في تنفيذ المهام المسندة إليهما.

أما فيما يتعلق بالجيش الإسرائيلي، فمن المؤكد أنه يتشارك عمليات مراقبة واستطلاع مع الأسطول الخامس الأمريكي المتمركز بالقرب من إيران، ويلزمه في ذلك معلومات استخباراتية دقيقة، وإحاطة كاملة بالأوضاع، يوفرها الموساد، كي يتمكن من التنفيذ “العملي” لأنشطته.

دون تخطي عتبة الحرب

في السنوات الأخيرة أظهرت شعبة الاستخبارات العسكرية تفوقًا ملحوظا في مجال جمع المعلومات الاستخباراتية عالية الدقة، مما ساهم في تنفيذ الجيش الإسرائيلي (ولا سيما سلاح الجو) لعمليات “الحرب بين الحروب”، وظهر هذا واضحًا في عمليات نوعية مُركزة وخاطفة في سوريا والعراق، حيث يركز الجيش على هذه العمليات، ويتوقف عمله “عند عتبة الحرب”، ويحتفظ بعدم إعلان مسؤوليته عن العمليات العسكرية، حتى لو اتضح للجميع أنه المسؤول، خصوصا العمليات المنصبة على أهداف في دول عربية، كسوريا والعراق ولبنان، أو دول “معادية” لإسرائيل كإيران، وهذا التحفظ كيلا تواجه إسرائيل مشكلات سياسية بسبب هجماتها العسكرية، وفي الوقت نفسه كيلا تعطي ذريعة للدول (في حالات مثل إيران والعراق وسوريا) أو حركات (في حالة حزب الله) لتوجه رد فعل “انتقامي”.

ينفذ الجيش عملياته إذا من منطلق الحفاظ على التفوق النوعي، وزيادة درجاته، مع تكريس الهجمات التي تضرب أهدافًا “نوعية”، دون التضحية بإصابات بشرية في جنوده، هي عمليات يمكن اعتبارها “حركية” تنفذها وحدات تابعة لسلاحي الجو أو المشاة، تستهدف إحباط الجموح الإيراني، دون إعلان يحمل إسرائيل المسؤولية، ودون اجترار غضب كبير من طهران يدفعها لرد انتقامي، ولكنها تضطر للعودة إلى “جدول أعمالها” المتمثل في إعادة الهيبة والتوسع، وهذا ما يحدث في سوريا منذ 2013، تعمل إيران على نقل الأسلحة، والتمركز العسكري، والتوسع داخل الأراضي السورية، وفي المقابل يعمل الجيش الإسرائيلي على وقف نقل الأسلحة، واستهداف تمركزات الحرس الثوري، وإبعاد القوات الإيرانية عن محيط إسرائيل، وهكذا دواليك.

تدرك إيران أبعاد المعادلة، ففي آخر مرة حاولت توجيه ضربة مباشرة للداخل الإسرائيلي، بإطلاق صواريخ عام 2019؛ تحركت إسرائيل للرد، بعد اعتراض الصواريخ، ولم تكرر إيران الضرب حتى الآن، لأنها تدرك جيدًا أن أية ضربة تستهدف مدنيين تابعين لإسرائيل سيكون الرد عليها قاسيًا، وستواجه خطرًا حقيقيًا، أي أن طهران تلعب دورها مع إسرائيل في لعبة “الحرب بين الحروب”.

صراع “سياسي” بين كيانات عسكرية

بالعودة إلى الخلاف المتصاعد بين الموساد وهيئة الأركان، بعد حادثة السفينة، فإنه يتركز حول درجات الردع التي تقيمها الأجهزة الإسرائيلية، فرئيس الموساد يرغب في وتيرة أعلى من الردع، كيلا تتجرأ إيران مرة أخرى على استهداف كيانات مدنية إسرائيلية، فيم يتمسك كوخافي باستمرار لعبة “الحرب بين الحروب” مع طهران التي لم تعلن مسئوليتها عن تفجير السفينة.

الصراع حول كيفية مواجهة إيران يبدو في ظاهره حول الآليات العملية لمواجهة إيران، لكنه في جوهره صراع “سياسي” ينتهجه رئيسي الموساد والأركان، خصوصا وأن كل من يوسي كوهين وأفيف كوخافي يتسابقان للظهور الإعلامي مؤخرًا، فهو صراع حول من له يد الطولى في الردع، ومن يستحوذ على القدر الأكبر من الموارد (ميزانية وأضواء) لتحقيق أهدافه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى