التقاريرالصفحة الرئيسيةثقافة

نوال السعداوي.. لم أعد أرغب في العيش ولم أعد أخشى الموت!

رؤية

“لقد انتصرت على كل من الحياة والموت.. لأنني لم أعد أرغب في العيش، ولم أعد أخشى الموت”..

كان آخر ظهور للكاتبة نوال السعداوي في يناير الماضي، حين نشرت صورتها مع ابنتها على مواقع التواصل الاجتماعي بعد أشهر قليلة من بلوغها التسعين عامًا، مصحوبة بكلماتها السابقة.

لم تعد ترغب في العيش، فقد اكتفت من الحياة ومعاركها التي لم تكف عن خوضها يوما. لم تعد تخشى الموت، فاليوم أغمضت عينيها وهدأ قلبها وقالت للدنيا السلام.

نوال السعداوي التي رحلت اليوم عن عمر يناهز 90 عاما، تعتبر واحدة من ألمع وأشهر الكاتبات المصريات، وإحدى أهم المناضلات في العقود الماضية، حققت شهرة عالمية، حيث قضت سنوات عديدة من عمرها في النضال من أجل حقوق الإنسان بشكل عام والمطالبة بحقوق المرأة وتحريرها من القيود المجتمعية بشكل خاص.

ولدت في 27 أكتوبر عام 1931، لعائله تقليدية في قرية كفر طحلة إحدى قرى مركز بنها التابع لمحافظة القليوبية، وهي المولودة الثانية لعائلة مؤلفة من تسعة أطفال؛ وكانت تطلق عليها “عائلة معقدة”. والدها كان ينتمي لطبقة فقيرة، و أمها من عائلة برجوازية، وكانا يفضلان أخاها الكبير والذي لم ينجح أو يتابع دراسته، في حين أن نوال تابعت دراستها وكانت متفوقة، وهناك بدأت تتلقى الدعم من عائلتها.

حاول والدها تزويجها عندما كانت في العاشرة من عمرها لكنها رفضت، ووقفت أمها بجانبها في هذا القرار. كان حلمها أن تكون راقصة، كما كانت تحب الموسيقى، ولكن والدها لم تكن أوضاعه المادية جيدة، ولم يساعدها هذا الأمر على المضي قدمًا بتحقيق أحلامها.

خلال سنواتها الدراسية، استمرت في كسر القواعد، فبعكس بقية زميلاتها أصرّت على الاشتراك في جميع أنشطة المدرسة مثل الخطابة والمسرح، وعبرت عن كرهها الشديد لحصص “التدبير المنزلي”، التي تعلم الفتيات فنون الطبخ وأساليب الإدارة المنزلية.

تخرجت من كلية الطب جامعة القاهرة في ديسمبر عام 1955، وحصلت على بكالوريوس الطب والجراحة وتخصصت في مجال الأمراض الصدرية وعملت كطبيبة امتياز بقصر العيني، تزوجت في نفس العام من أحمد حلمي زميل دراستها في الكلية.

blank

“إن الشخصية الناضجة هي وحدها التي تستطيع أن ترغب الحرية وتسعى إليها دون أن تخشاها، فالحرية تخيف الإنسان غير الناضج غير المستقل”..

بدأت نوال الكتابة مبكرا، فكانت أول أعمالها عبارة عن قصص قصيرة بعنوان “تعلمت الحب” في عام 1957 وأول رواياتها “مذكرات طبيبة” عام 1958. ويعتبر كتاب “مذكرات في سجن النساء” (1986) من أشهر أعمالها، إضافة إلى “سقوط الإمام”، “توأم السلطة والجنس”، “الأنثى هي الأصل”، و”معركة جديدة في قضية المرأة”.

اشتهرت السعداوي بآرائها الجريئة والمثيرة للجدل، فاعتبرت النقاب صورة من صور العبودية. فكانت السعداوي ترى أنه رغم ارتفاع الأصوات المنادية بثورة الفكر والتعليم والثقافة، وتجديد الخطاب الديني، من أجل محاربة الفكر المتطرف؛ إلا أننا لم نشهد شيئا لتحقيق هذا الهدف، خاصة فيما يتعلق بحياة النساء والقيم الموروثة التي تسلبها إنسانيتها وكرامتها, تقول: “يكفى أن تغطى المرأة وجهها بالنقاب لإثبات أنها لا تنتمى إلى الفصيلة البشرية، فالإنسان لا يعرف إلا من وجهه، وجه الإنسان هو شرفه وكرامته وشخصيته وملامحه التي تميزه عن الآخرين، لهذا يكون النقاب نوعا من الإرهاب أو القتل لشخصية المرأة وإنسانيتها وكرامتها وشرفها، النقاب إرهاب مادي ومعنوي، جسمي عقلي روحي، يمارس ضد الكثيرات من النساء المصريات دون أن نعتبره إرهابا”.

كما كانت تعتبر أن الملابس ليس لها وظيفة أخلاقية، فتقول: “أنا ضد عرض الجسد أو تغطيته لأنه يعني نفس الشيء، حينما أعري جسدي أقول أنا مجرد جسد أو بضاعة معروضة للبيع، وحينما أغطي جسدي أقول أنا جسد لا بد أن أُغطى”.

ألّفت 61 كتاباً دافعت فيها بضراوة عن حق مساواة المرأة مع الرجل، وانحازت إلى القضايا النسوية، ودخلت في معارك عديدة مع شيوخ الأزهر، بسبب معارضتها لفريضة الحجاب، وهو ما اعتبره الشيوخ اعتداءً على ثوابت الدين.

ترجمت كتاباتها لأكثر من 20 لغة، وتدور الفكرة الأساسية لكتاباتها حول الربط بين تحرير المرأة والإنسان من ناحية، وتحرير الوطن من ناحية أخرى.

blank
الكاتبة المصرية نوال السعداوي

“لا يموت الإنسان في السجن من الجوع أو من الحر أو البرد أو الضرب أو الأمراض أو الحشرات. لكنه قد يموت من الانتظار.. الانتظار يحول الزمن إلى اللازمن، والشيء إلى اللاشيء، والمعنى إلى اللامعنى”.

اختارتها مجلة “تايم” الأمريكية، العام الماضي، ضمن أهم 100 امرأة في العالم على مدار القرن الماضي. واختارت التايم نوال السعداوي لغلاف عام 1981، وهو العام الذي تم اعتقالها فيه، وقالت تايم إنه بالنسبة للسعداوى كان السجن ميلادا جديدا فقد عزز نشر كتابها “النساء والجنس” سمعتها كشخصية لا تخاف وكاتبة في شؤون المرأة في مصر.

رفضت السعداوي رفضا قاطعا، ختان الإناث والذكور كذلك، مؤكدة أن الأمر لا علاقة له بالدين، وأن هذا الفعل لم يرد سوى في التوراه. وفى عام 1981، تم سجنها لجرائم ضد الدولة بسبب آرائها التي شملت انتقادها لختان الإناث.

“جريمتي الكبرى.. أنني امرأة حرّة في زمن لا يريدون فيه إلا الجواري والعبيد، ولدت بعقل يفكر في زمن يحاولون فيه إلغاء العقل”.

أسست السعداوي جمعية تضامن المرأة العربية عام 1982، كما ساعدت في تأسيس المؤسسة العربية لحقوق الإنسان، وحصلت على العديد من الجوائز العالمية ففي عام 2004 حصلت على جائزة الشمال والجنوب من مجلس أوروبا، وفي عام 2005 فازت بجائزة إينانا الدولية من بلجيكا، وفي عام 2012 فازت بجائزة شون ماكبرايد للسلام من المكتب الدولي للسلام في سويسرا.

اليوم ودعتنا نوال السعداوي، ونعى الأديب إبراهيم عبدالمجيد، الكاتبة الراحلة قائلا على صفحته بموقع “تويتر”: “رحم الله الدكتورة نوال السعداوي. غير كتبها التي تعلمت منها التحضر في الحياة والحق في معنى وقيمة المرأة ورواياتها الممتعة؛ جمعتني بها ظروف جميلة في الحياة الثقافية أو العمل السياسي في السبعينات”.

وأضاف: “نوال السعداوي رحلة نضال سياسي كبيرة وعرفت السجن والظلم وكثير ممن ينتقدونها لم يقرأوا كتابا لها ولا يعرفون شيئا عن سيرتها ولم يقرأوا لها كتابا ولا يعرفون تاريخها . معرفتهم تتوقف عند برامج التوك شو وبعض جمل لا تعجبهم. البرامج التي صارت للأسف مصدر المعرفة والثقة عند الكثيرين”.

blank

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى