التقاريرالصفحة الرئيسيةمنوعات

الرحلة الذهبية.. ولادة مصر الجديدة في موكب المومياوات الملكية

أماني ربيع

لا يتجمع المصريون في الشوارع وأمام شاشات التلفزيون، عادة، إلا في الكوارث أو الأعياد، ومنذ بداية القرن الجديد كانت مباريات كرة القدم هي الفرصة الوحيدة ليتنفس العلم المصري في الهواء فاردا جناحيه كالنسر، بينما الحناجر تهتف باسم مصر، وبالأمس تجمع المصريون ومن أجلهم تجمع العالم كله من أجل مشاهدة التاريخ يبعث ويسير بجلال في حاضرنا يخطف قلوبنا تماما كما فعل في اللحظة الأولى التي انكشف فيها الستار أمام شامبليون وهو يفك لغز الكتابة الهيروغليفية على حجر رشيد ومعه تنهض مصر القديمة من رقادها لتقول للعالم من أين بدأ النور والضمير، وكتلك اللحظة التي فغر فيها هاوارد كارتر فاه أمام الكنوز الذهبية لفرعون شاب كانت مقبرته درسا في التاريخ وعن الحضارة.

انتظر الجميع الموكب الملكي وهم مستعدون للكثير لمشاهدة تلال من الأخطاء، واعتبروا أن الحدث لن يكون أبدا على المستوى، لكننا جميعا بهتنا أمام المشهد الطويل الذي استمر قرابة ساعة والذي بدا أشبه بنسيج يدوي بديع صاغته أنامل مئات بمنتهى الدقة وفي نفس اللحظة وذيلوه جميعا بتوقيع “صنع في مصر”.

جلال الخالدين

من الموسيقى إلى الأزياء والإضاءة والتصوير والديكور والمجاميع، كان هذا حدثا لا ينسى وبخاصة للصغار -جيل المستقبل الذي لم ير أو يسمع كثيرا عن الحضارة المصرية إلا باعتبارها ملصقا دعائيا على واجهة شركة سياحية- تحولت تماثيل المصريين القدماء إلى لحم ودم تهمس في آذاننا: جَلَالُ المُلْكِ أيامٌ وتمضي.. ولا يمضي جلال الخالدين.. تعالى اللهُ! كان السحرُ فيهم.. أليسوا للحجارة مُنْطِقين.. وآثارُ الرجالِ إذا تَنَاهَت إلى التاريخ خَيْرُ الحاكمين”.

في كلمته لفت وزير السياحة إلى أن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي كان صاحب اقتراح فتح الأطفال لبوابة ميدان التحرير أمام المومياوات الملكية، وهو الاقتراح الذكي الذي جعلنا نشعر وكأنما المستقبل يعانق التاريخ في لحظة لا تنسى.

ربما كانت الأجيال السابقة أوفر حظا في المعرفة عن التاريخ والحضارة المصرية من الأفلام والمسلسلات وفي المدارس حيث لم يكن هناك الكثير من روافد التسلية والمعرفة أمامه، لكن جيل اليوم والغد يبدو بعيدا كل البعد عن ذلك يستقي جُل معلوماته من وسائل التواصل الاجتماعي على قلة ما فيها من دقة وعلى كثير ما فيها من معلومات موجهة صيغت بطريقة إقناعية احترافية، لذا كان موكب الأمس حجر أساس في بناء الإنسان المصري الجديد وإعادة ربطه بجذوره وبهويته وبتاريخه.

صنع في مصر

وجود الأطفال بوجههم المنبهرة وهم يرون زهور اللوتس وعين حورس ومفتاح الحياة وقرص رع، مثلت الأمل في مستقبل تستطيع فيه مصر استعادة أمجادها، لا بالكلام وحده ولكن بالعلم والعمل، وأهم شيء بالترابط والتلاحم والبعد عن أي مسببات للفرقة أو التناحر، هذه الوجوه البريئة البيضاء بدت وكأنها جاهزة لكتابة المستقبل.

كان هذا الموكب أشبه بقطعة فنية مثل المجوهرات الفريدة التي صاغتها أنامل المصريون قديما بمهارة وبقيت تتحدى الزمن، تحدثت الموسيقى هنا عن المنجز الحضاري المصري الذي تجاوز الحروب واستعراض القوة، إلى صناعة الثقافة.

وكانت هناك الكثير من المشاهد التي بدت فيها اليوم أشبه بالبارحة رأينا الرسومات على جدران المعابد تبث فيها الحياة داخل أوركسترا الفيلهارموني فعازفة الدف صورة على جدار إحدى المقابر.

وعازفة التمباني رضوى البحيري التي بدت أمام الآلة الضخمة قوية وراسخة كما المصريات في قديم الزمن.

العناية بالتفاصيل كانت من أهم أسباب النجاح وأبرزت كيف يمكن لحضارة عاشت منذ آلاف السنين أن تعيش اليوم حتى في الموضة والأناقة من لمسات إكسسوارات الشعر إلى الملابس والماكياج، وهو ما شاهدناه في اختيارات منسقا الأزياء مي جلال وخالد عزام، حيث شاركا في تصميم أزياء ما يقرب من 1600 شخص مشارك بالاحتفالية، إضافة إلى نجوم الفن والغناء.

والمعاصرة هي كانت عنوان الأناقة، فالهدف ليس حفلا تنكريا وإنما كيف يمكن للماضي أن يكون جزء من المستقبل ولهذا شاهدنا الرجال بالسترات الأنيقة مع لمسات إكسسوارات مثل عين حورس ومفتاح الحياة وهي من رموز الحضارة المصرية القديمة.

وكذلك النجمات شاهدناهن بفساتين السهرة التي تنوعت بين الأزرق والأحمر والأبيض والأخضر والتي تزينت بنقوش فرعونية بالإضافة إلى لمسات الماكياج الفرعوني الذي يركز على العيون.

رفع الموكب شعار “صنع في مصر”، وما لفت الأنظار هو موسيقى الموكب والأغنيات البديعة للموسيقار المصري هشام نزيه التي استدعت جلال الحضارة المصرية وتنوعت في أساليبها بين حضارات مصر المختلفة وعلى ألحانه غنى الفنان محمد منير أغنية “أنا مصر” من كلمات أمير طعيمة، وغنت ريهام عبدالحكيم “مصر لا تنام”، وشاركت نسمة محجوب بأغنية “حكاية شعب”.

وكانت درة الحفل السوبرانو المصرية أميرة سليم التي غنت من ترانيم للمعبود إيزيس نقشت كلماتها على أحد معابد الأقصر، وجمل من نصوص الأهرامات باللغة المصرية القديمة، وأبدعت بصوتها الذي صدح ولفت الأنظار لموهبتها رغم أن نوع الغناء ولغته غريبة على أذان المصريين إلا أنها حازت إعجابهم.

ولا ننسى دور المايسترو الكبير نادر عباسي للعازفين بشكل جعل قلوب المشاهدين تعزف معهم وتغني بصوتهم، والأداء البديع لـ وعازف الناي اني البدري، وعازف الربابة أحمد منيب.

والمسؤولون عن الصورة الرائعة التي خرجت بها الاحتفالية على الشاشة المخرج عمرو عزيز الذي أشرف على وحدات الإخراج، ومدير التصوير أحمد المرسي، ومصممة الأزياء نور عزازي.

نون النسوة

كانت نون النسوة حاضرة بقوة في الاحتفالية وهو ليس بجديد على القيادة السياسية التي تؤمن بقوة بدور المرأة في بناء المجتمعات وكما تبني هي تبدع أيضا وتألقت بالموكب عدة وجوه مصرية جميلة منها المذيعة الرصينة المثقفة جاسمين طه زكي، ومقدمة الحفل ناردين فرج، وعازفة التمباني رضوى البحيري، التي خطفت الأنظار بثباتها الانفعالي وتركزيها الشديد، وهو ما قالت عنه إنه كان تصرفا لا إراديا، خاصة وأن الآلة التي تعزف عليها صعبة للسيدات وتحتاج إلى قوة تركيز وقوة عضلية كبيرة.

ولا ننسى الأداء الرائع لسوليست الكمان سلمى سرور، والحسناء التي تقدمت مع عشرات الفتيات بالزي الفرعوني، الموكب وبحث الجميع عنها وهي عارضة أزياء وممثلة مصرية بريطانية اسمها ميرال ماهيليان.

بداية جديدة للسياحة

يمثل موكب المومياوات الملكية بداية مرحلة جديدة للسياحة المصرية وتخلصها من الرداء القديم وظهورها بحلة جديدة معاصرة تليق بتاريخ عريق، كما أن وزارة السياحة والآثار وضعت في هذه المرحلة مناطق جديدة على خريطة السياحة مثل منطقة الفسطاط، وسياحة المتاحف التي تعد من أبرز الوجهات للسياح حول العالم، وحتى في اختيار المتاحف والمحتوى كان هناك ذكاء فمتحف الحضارة يبدو وكأنه اعتراف رسمي بتعدد جوانب الهوية المصرية وروافدها، فالهوية المصرية عبر تاريخها الطويل استقت من كل الحضارات التي وفدت إليها وصنعت منها نسيجها الخاص من الحضارة البطلمية إلى الرومانية والقبطية والإسلامية، هذا كله يصب في هوية واحدة وجسد واحد هو مصر.

أصبحت القاهرة بحسب حديث وزير السياحة الآثار خالد العناني، وجهة فريدة ومتنوعة لن يقصدها السائح لمجرد مشاهدة الأهرامات وزيارة المتحف المصري والتجول في شارع المعز، ففي الفسطاط التاريخية سيكون على موعد مع الكنيسة المعلقة وحصن بابليون أحد النقاط الهامة لمسار العائلة المقدسة ومسجد عمرو بن العاص، أول مسجد بني في مصر وأفريقيا، ومعبد بني عزرا، بجانب إعادة الحياة إلى بحيرة عين الصيرة “عين الحياة”، وتجديد المنطقة بأكملها لتصبح في ثوب يليق بمصر الجديدة.

ويعتبر الموكب دعاية قوية وعالمية للسياحة المصرية بوجهها المتطور، ويدل على ثراء وتنوع الكنوز الأثرية التي تكفي لأكثر من متحف، كما هو إعادة بعث للآثار التي كانت مكومة في المتحف المصري في التحرير دون أن تعرض أو تعرض وفق نسق قديم جدا لا يواكب طريقة العرض المتحفي المتعارف عليها.

تضمن الموكب عدة رسائل أبرزها هو أن مصر ورغم جائحة كورونا قادرة على الالتزام بالضوابط الصحية لكن الحياة فيها لا تقف كما هو الحال في أوروبا وأمريكا، فمنذ العام الماضي والاكتشافات الأثرية متوالية، والاحتفال تم على أعلى مستوى وبالتزام كامل بالإجراءات الاحترازية.

استعراض للقوة

كذلك كانت صناعة الحدث اختبارا كبيرا وتجديدا للثقة في الإبداع المصري الذي خرج بأيادي مصرية خالصة وبصورة عالمية جعلته مضربا للأمثال وحدثا لن يُمحى من الأذهان بسهولة.

لفتت السوشيال ميديا الأنظار ليس فقط إلى النجوم البارزين، لكن حتى الجنود المجهولين كان لهم مكانا ومكانة، من عمال النجارة والكورال والعازفين وصانعي الإكسسوارات، وغيرهم ممن يجب أن تضرب لهم أعظم تحية على مساهماتهم ليخرج الحفل بصورة متكاملة.

وأخيرا كانت رسالة الحفل الكبرى هي استعراض للقوة المصرية، فإذا كان القدماء دافعوا عن الأرض وبنوا الحضارة، فاليوم نحن نحافظ على هذه الحضارة ومعركتنا  هي النيل الذي لن نسمح لأحد بأن يحرم مصر من حقها التاريخي فيه، واجتماع مصر أمام الشاشات وفي الشوارع على قلب رجل واحد فخورون بتاريخهم يثبت أن المصريين وقت الشدائد قادرون على قهر المستحيل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى