اقتصادالتقاريرالصفحة الرئيسية

في معركة وجودية مع الجمهوريين.. بايدن يطلق خطة لإعادة بناء أمريكا

كتبت – ولاء عدلان

يبدو أن الرئيس الأمريكي جو بايدن يتخلى شيئا فشيء عن هدوءه المعهود منذ أن كان نائبا للرئيس السابق باراك أوباما، فهو لم يعد “جو النعسان” كما كان يحلو لـ”دونالد ترامب” أن يسميه، فبعد أن وافق الكونجرس مطلع مارس الماضي على حزمة تحفيزية ضخمة بـ1.9 تيليون دولار لدعم الأسر والشركات المتضررة من تداعيات جائحة كورونا، كشف بايدن الأربعاء الماضي النقاب عن خطة أكبر وأكثر طموحا لدعم البنية التحتية وتعزيز الاقتصاد واستعادة زخم “الوظائف” في مرحلة ما بعد الوباء، ما يعني أن الأيام المقبلة ستشهد مواجهة مصيرية بين الديمقراطيين “فريق الرئيس” والجمهوريين داخل الكونجرس.

خطة طموحة

خطة بايدن التريليونية الجديدة – وهي الثانية من نوعها في أقل من 100 يوم من عمره الرئاسي- تقترح إنفاق  2 تريليون دولار وربما 4 تريليونات على مدى العقد المقبل، من أجل إصلاح البنية التحتية للبلاد وخلق ملايين من الوظائف الجديدة وموائمة الاقتصاد مع مرحلة ما بعد الوباء بشكل أفضل، كل ذلك مع مراعاة المعايير البيئية وضرورات تغير المناخ.

قال بايدن – في خطاب ألقاه في بيتسبرغ بولاية بنسلفانيا يوم 31 مارس المنصرم- “أقترح اليوم خطة لأمة تكافئ العمل وليس الثروة فقط، خطة تبني اقتصادا عادلا يمنح الجميع فرصة للنجاح، خطة ستخلق اقتصادا هو الأقوى والأكثر صلابة وابتكارا في العالم”.

وأضاف: “أنه استثمار يحدث مرة واحدة كل جيل في أمريكا، هو لا يشبه أي شيء رأيناه أو فعلناه منذ أن بنينا نظام الطرق السريعة بين الولايات وخضنا سباق الفضاء منذ عقود، وتعد هذه الخطة أيضا أكبر استثمار في الوظائف منذ الحرب العالمية الثانية، إذ ستخلق ملايين الوظائف برواتب جيدة وستزيد من حجم الاقتصاد، وستجعلنا أكثر قدرة على المنافسة في العالم، وستعزز مصالح أمننا القومي، وستضعنا في موقع يمكننا من الفوز في المنافسة العالمية مع الصين خلال السنوات المقبلة”.

بحسب ما أوضحه بايدن، أهداف خطة “إعادة بناء أمريكا بشكل أفضل”، التي يمتد تنفيذها لثماني سنوات، يمكن تلخيصها فيما يلي:

– ضخ 620 مليار دولار لتحديث شبكة النقل في البلاد، بما يشمل 32 ألف كم من الطرق السريعة، وإصلاح آلاف الجسور ومضاعفة التمويل الفدرالي للنقل المشترك، والمطارات وتطوير المركبات الكهربائية.

– تخصيص 300 مليار دولار لتحسين البنية التحتية لمياه الشرب وتحديث الشبكات الكهربائية.

– تخصيص أكثر من 300 مليار دولار لقطاع التعليم.

– تخصيص 580 مليار دولار لدعم قطاع الوظائف.

– دعم تطوير دور رعاية كبار السن وكل ما يتعلق بهذا القطاع بـ400 مليار دولار.

إدارة بايدن تستعد لتمويل هذه الخطة الضخمة، من خلال زيادة ضرائب الشركات من 21% إلى 28% بالإضافة إلى اقتراحات بزيادة الضرائب على الأسر والشركات ذات الدخل المرتفع، لكن هذا بحسب تقديرات الخبراء لن يكون كافيا لتوفير مبلغ التريليوني دولار، ما يعني أن الحكومة المثقلة بديون تعادل 98% من الناتج الاقتصادي للبلاد، سترفع سقف الديون من أجل تأمين جزء من التمويل.

خطة بايدن لـ”البنية التحتية” وعقبة “الجمهوريين”

في وقت يتبارى فيه مسؤولو إدارة بايدن للترويج للخطة باعتبارها ستؤمن نموا مستداما للوظائف، بدأ الجمهوريون في تسديد سهامهم صوبها، وتعهد الأسبوع الماضي الزعيم الجمهوري ميتش ماكونيل بالتصدي لخطة بايدن في كل خطوة على الطريق ومنع تمريرها في الكونجرس، وقال: إن هذه الخطة جريئة وجسورة، لكنها سترفع الضرائب وتزيد الديون، وهو أمر مرفوض.

الجمهوري البارز روجر ويكر اعتبر خطة البنية التحتية ستسهم في زيادة الضرائب أكثر من إصلاح الاقتصاد وإعادة بناء قطاعات المواصلات وشبكات المياه والكهرباء.

ردا على هذا، قال براين ديس مدير المجلس الاقتصادي الوطني في البيت الأبيض – في تصريح لـ”فوكس نيوز” أمس الأحد- إن خطة البنية التحتية طويلة الأمد، ومن المتوقع أن تخدم البلاد حتى ثلاثينات القرن الحالي وما بعدها.

وأوضح أن مؤشر الوظائف في أمريكا ما يزال أقل بـ 8.4 ملايين وظيفة مقارنة بمستويات ما قبل الوباء، وهنا تبرز الحاجة إلى مثل هذه الخطة لدعم الوظائف، مضيفا لن نحقق انتعاشاً قوياً في الوظائف فقط هذا العام، بل بإمكاننا جعله مستداماً لسنوات عدة إلى الأمام.

ودافعت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي عن خطة بايدن أيضا، وقارنتها بخطط بناء قناة إيري والحدائق الوطنية، وقالت: الآن في هذا العصر لدينا رئيس يحاكي تفكير الرؤساء العظماء السابقين.

الرئيس بايدن حاول استمالة ناخبي الحزب الجمهوري قبل النواب – لتأمين الضغط الشعبي اللازم لدعم خطته- فقال في خطابه الأربعاء الماضي: لا يمكننا أن نتأخر دقيقة واحدة في تحديث البنية التحتية الأمريكية المتداعية.

وعند سؤاله عن تعليقه على انتقادات ماكونيل، قال في تصريح للصحفيين، الجمعة الماضية: هل ينكر الجمهوريون حاجة البلاد إلى إصلاح البنية التحتية أم أنهم في غنى عن ذلك لذا قرروا ألا يدعموا خطتنا؟، وماذا سيكون موقفهم لو اكتشفوا أن مبنى الكونجرس في حاجة إلى صيانة هل سيفعلون ما يلزم أم سيتخذون نفس الموقف؟.

 لن يكون سهلا أن يدعم الجمهوريون خطة بايدن، فالأمر سيكون بمثابة تقديم هدية للرئيس الديمقراطي، ومن جهة أخرى فزيادة الضرائب على الشركات هي بمثابة تنازل عن إنجازاتهم – إن جاز التعبير- في عهد ترامب عندما خفضوا هذه الضرائب من 35% إلى 21%.

بالطبع سيكون من المزعج لأصحاب الأعمال والشركات أن ينجح مسعى بايدن في زيادة الضرائب، لكنه شدد في خطاب الأربعاء، على أنه ليس لديه “أي ضغينة ضد هذه الفئة” وأنه يؤمن بالرأسمالية الأمريكية، في رسالة لطمأنة قطاع الأعمال.

“الصراع الحزبي” و”الجائحة” قد يخدمان بايدن

يخطط الجمهوريون الآن لمعارضة خطة بايدن مع بدء جلسات الكونجرس لمناقشتها خلال الأيام المقبلة قبل موعد التصويت الملزم الذي حددته بيلوسي في الرابع من يوليو المقبل كحد أقصى، أي أنهم سيفعلون ما فعلوه سابقا مع حزمة التحفيز الاقتصادي قبل شهر، سيحاولون عدم المشاركة لتحميل المسؤولية كاملة للديمقراطيين، جدير بالذكر هنا أن “الديمقراطيين” يسيطرون على مجلس النواب فيما يتقاسمون مع الجمهوريين مجلس الشيوخ بـ50% من المقاعد لكل منهما، والورقة الرابحة في يد الديمقراطيين تظل صوت نائبة الرئيس كاملا هاريس التي تحتفظ بحقها بالتصويت.

سبق أن فعل الجمهوريون هذا عندما عارضوا خطة أوباما إبان أزمة 2009، لكن الأوضاع تغيرات اليوم، ويبدو أن ناخبيهم سئموا فكرة الصراع الحزبي، وبينهم قطاع كبير يؤيد سياسات بايدن، فبحسب استطلاع رأي لـ”أسوشيتد برس” هناك نحو 73% من الأمريكيين بما في ذلك “الجمهوريين” يدعمون نهج بايدن لإدارة أزمة كورونا.

على مدار السنوات الأربع الماضية لعبت سياسات ترامب دورا في إحداث شرخا بصفوف الحزب الجمهوري، فاليوم هناك أصوات تغرد خارج السرب وترى أنه من الضروري إصلاح سياسات الحزب وجعلها أكثر عدالة فيما يتعلق بحقوق العمال والفقراء، لاسيما في ظل استمرار تداعيات “كورونا”.

بالأمس دعا الجمهوري روي بلانت رئيس لجنة السياسات في مجلس الشيوخ – عبر شاشة “إيه بي سي”- الديمقراطيين إلى التركيز على الدعائم التقليدية للبنية التحتية، وليس الإنفاق الأوسع نطاقا كما في خطة بايدن بهدف توفير فرص العمل ومكافحة التغير المناخي والتصدي للصين معا، مقترحا خفض قيمة الخطة لتكون أكثر قبولا لدى المشرعين الجمهوريين، وقال هدف أصغر حجما بـ615 مليار دولار سيصبح مقبولا.

من جهة أخرى قال وزير النقل بيت بوتيدجيج لـ “إيه بي سي”: الخطة التي بين أيدينا يتوقع أن توفر 19 مليون فرصة عمل، هذه فرصة تسنح مرة واحدة في العمر، لذا أتوقع أن يدعم الجمهوريون الخطة.

تبقى كلمة السر في أيامنا هذه هي “الجائحة” فقد غيرت وجه العالم، بما في ذلك السياسات، فالآن لا يمكن للحكومات أن تتخلى كليا عن دعم النشاط الاقتصادي وتترك السوق تصلح نفسها بنفسها، فهذا غير ممكن، بالنسبة لـ”بايدن” ليس أمامه خيارات واسعة فعليه قيادة الاقتصاد الأمريكي للخروج من الأزمة بأي ثمن، وبحسب وزير الطاقة جينفر جرانهولم وزعيم الديمقراطيين في “الشيوخ” تشاك شومر قد يلجأ لاستراتيجية تسمح بتمرير خطته دون موافقة الجمهوريين، على الجانب الأخر داخل الكونجرس سنجد أن كلا الحزبين يعتبر نفسه أمام معركة وجودية للدفاع عن سياساته، فالديمقراطيون يعتقدون بضرورة أن تتولى الحكومة زمام المبادرة في حل مشاكل الأمة؛ فيما يعتقد الجمهوريون أن القطاع الخاص قادر على تقديم الحلول، لذا يجب دعمه، لكن على الأرجح الفريق الأخير سيتراجع قليلا تحت ضغط ناخبيه وضغط من المتغيرات التي فرضتها الجائحة، بما سيسمح في نهاية المطاف بتمرير الخطة الطموحة وربما تخليد اسم بايدن في التاريخ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى