اقتصادالتقاريرالصفحة الرئيسية

كورونا وألمانيا.. ظلال قاتمة بأفق الاقتصاد الأكبر أوروبيًا!

كتب – حسام عيد

يبدو أن رياح جائحة “كوفيد-19” الوبائية لم تهدأ بعد على القوة الاقتصادية الأكبر أوروبيًا، فمع دخول ألمانيا موجة ثالثة لفيروس كورونا المستجد، تصاعد الحديث عن إمكانية فرض قيود صارمة وإجراءات وتدابير احترازية ووقائية لفترة أطول، لتتبدد معها آية احتمالات للنمو في الأفق، بل ربما تزداد الأمور سوءًا مع اتساع نطاق التوقعات التشاؤمية والسلبية للاقتصاد الألماني.

لا نمو بأفق 2021

من المرجح ألا يحقق اقتصاد البلاد توقعات النمو للعام الحالي، هكذا أفاد رئيس البنك المركزي الألماني “بوندسبنك” ينس فايدمان.

ففي يوم الثلاثاء الموافق 6 أبريل 2021، رأى فايدمان أن القيود المرتبطة بالجائحة لا تزال تضغط على نمو الاقتصاد، وربما يكون التعافي في العام المقبل (2022) أسرع مما كان يُعتقد من قبل.

وتكافح ألمانيا موجة ثالثة من إصابات فيروس كورونا وتجري مناقشات لفرض قيود لفترة أطول وربما أكثر صرامة مما يربك توقعات البنك المركزي التي استندت لإعادة فتح الاقتصاد بوتيرة أسرع، الأمر الذي تقلصت معه احتمالات تحقيق معدل نمو 3% هذا العام كما كان التوقع في ديسمبر الماضي. وفي وقت سابق، توقع البنك المركزي الألماني نموًا نسبته 4.5% في 2022 و1.8% في 2023.

وكان معهد “آي.إف.دبليو” الاقتصادي، توقع في مارس الماضي، إن الاقتصاد الألماني سينمو على الأرجح بمعدل 3.7% في 2021 ويبلغ مستويات ما قبل الأزمة بحلول الربع الثالث من العام الجاري؛ إذ من شأن التقدم على صعيد حملة التطعيم الإسهام في زيادة. لكن على ما يبدو أن هذا الأمر بات صعب المنال على المدى القريب.

أسوأ انكماش منذ الأزمة المالية.. والتوقعات تشاؤمية

بنهاية العام الماضي، كانت البيانات الرسمية كشفت تراجع إجمالي الناتج الداخلي في ألمانيا بما يقارب الـ5% خلال 2020 أو كما يُعرف بـ”عام كورونا”، وذلك في أسوأ انكماش منذ الأزمة المالية عام 2009.

معهد الإحصاء «ديستاتيس» أفاد أن الاقتصاد الألماني دخل في ركود عميق بعد عقد من النمو، فبعد مرور 8 سنوات من الفائض أظهرت حسابات الإدارات العامة عجزاً بنسبة 4.8% من الناتج المحلي، وهو أعلى عجز شهدته ألمانيا منذ إعادة توحيدها.

لقد بلغت تداعيات أزمة كورونا حد عدم صمود الاقتصاد الألماني، أكبر قوة اقتصادية بأوروبا، أمامها، وأدخلته فعليًا في واحدة من أسوأ فترات الركود في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وأحدثت فجوات عميقة في الميزانية الوطنية.

الأرقام السلبية القياسية لم تقتصر على عام 2020 أو تمضي معه، ففي مارس 2021؛ توقع البنك المركزي الألماني “بوندسبنك” أن يسجل اقتصاد ألمانيا انكماشًا حادًا في الربع الحالي، مع تضرر قطاع الخدمات من قيود مكافحة الجائحة، وامتداد التباطؤ إلى قطاع البناء المزدهر.

وفي أحدث تقرير شهري، يبدو أن البنك المركزي الألماني “بوندسبنك” تخلى عن توقعاته بتعافٍ في الربيع، وتغاضى عن الإشارة لحملة التطعيم باعتبارها عاملًا محفزًا، وذلك في الوقت الذي تمر فيه حملة التطعيم بصعوبات بسبب تأخر في التسليمات وتقارير عن آثار جانبية محتملة للقاح أسترازينيكا.

وأيضًا، ساهمت ضريبة المبيعات التي خُفضت مؤقتًا العام الماضي، في تراجع كبير في عمليات البناء في يناير الماضي.

كما هبط الإنتاج الصناعي في يناير 2021، لكن الطلبيات كانت قوية وزادت الصادرات من السلع.

فيما قال مجلس المستشارين الاقتصاديين للحكومة الألمانية، في مارس 2021، إنه يتوقع انكماش أكبر اقتصاد أوروبي بنحو 2% في الربع الأول من العام الجاري، والسبب أيضًا إجراءات الإغلاق الرامية لاحتواء جائحة كوفيدـ19.

اقتراض قياسي بآمال الإنقاذ

وعلى مسار مساعي البحث عن حلول للخروج من نفق الأزمة، أقرت الحكومة الألمانية بنهاية مارس الماضي 2021، ميزانية تكميلية ممولة من الدين بقيمة 60 مليار يورو (71 مليار دولار)، ترفع الاقتراض الجديد إلى مستوى قياسي يتجاوز 240 مليار يورو العام الجاري.

وتبرز الميزانية المعدلة استعداد برلين لمواصلة الإنفاق الضخم الممول من الاقتراض خلال جائحة «كوفيد-19»، فيما يعاني أكبر اقتصاد في أوروبا من موجة ثالثة من الإصابات بفيروس كورونا المرتبطة بسلالة أكثر نقلًا للعدوى.

كما اقترح وزير المالية أولاف شولتز، أيضًا، مسودة ميزانية للعام المقبل تتضمن صافي دين جديد 81.5 مليار يورو، وهو ما يعني أن يعلق البرلمان للعام الثالث على التوالي قيودًا يفرضها الدستور على الاستدانة.

وتعني خطط الدين أن إجمالي اقتراض ألمانيا بسبب الجائحة قد يتجاوز 450 مليار يورو من عام 2020 إلى عام 2022.

وبالتالي ستتخلف البلاد للعام الثالث على التوالي عن قواعدها الدستورية للتقشف في الموازنة، التي تمنعها من اقتراض كل عام أكثر من 0.35% من إجمالي الناتج الداخلي.

وتنوي الحكومة الألمانية العودة إلى احترام مبدأ “كبح الاستدانة” اعتبارًا من 2023 مع قروض متوقعة قدرها 8.3 مليار يورو.

التضخم يتجاوز هدف المركزي الأوروبي

في 30 مارس 2021، أظهرت بيانات من مكتب الإحصاءات الاتحادي الألماني، أن ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد دفعا التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في ألمانيا في مارس لتجاوز المستوى الذي يستهدفه البنك المركزي الأوروبي الذي يقل قليلًا عن 2%.

وارتفعت أسعار المستهلكين في أكبر اقتصاد في منطقة اليورو 2% من 1.6% في فبراير.

وختامًا، يمكن القول؛ إن جائحة كوفيد-19 ربما استطاعت حتى الآن التغلب على قواعد نظام السوق الحر، فالعرض والطلب فشلا في إحداث التوازن التلقائي، وهو ما يعني أن هناك قصور شاب الليبرالية الاقتصادية التي لطالما اشتهرت وتغنت بها اقتصادات وقوى عالمية كبرى مثل الولايات المتحدة وألمانيا. فحتى الآن لم تنجح خطط التحفيز أو المساعدات الحكومية أو حتى التقشف في إحداث التعافي المنتظر من تداعيات الفيروس الوبائي المستجد. ربما أيقظت جائحة كورونا العالم على ضرورة مراجعة فكر السوق الحر والعولمة الاقتصادية، وقد يتمخض عن تلك الأزمة فكر أو نهج جديد في المستقبل القريب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى