اقتصادالتقاريرالصفحة الرئيسية

على مسار تعافي الاقتصاد العالمي.. السياسات المالية «المرنة» حتمية!

كتب – حسام عيد

من الواضح أن صندوق النقد الدولي متفاءل حيال نمو الاقتصاد العالمي خلال عام 2021 الجاري، وخصوصًا بعد أزمة كوفيد-19 وتداعياتها التي عانى منها العالم في العام الماضي.

يرى صندوق النقد أن النمو الاقتصادي سيصل إلى 6% وهو الأعلى منذ عدة سنوات، ولكن على ما يبدو أن هناك ثمنًا بالغًا وتكلفة كبيرة نراها اليوم على أرض الواقع لبلوغ ذلك المعدل، فالعجز المالي ارتفع بصورة قياسية خلال العام الماضي، والذي أيضًا سيستمر حتى العام القادم.

ورغم تحذيرات الصندوق من اقتراب الدين في العالم من 100% من إجمالي الناتج المحلي بسبب العجز المالي الضخم، إلا أنه أصر على إبقاء التعافي والنمو المأمول مرهونًا بالسياسات المالية المرنة للحكومات وضرورة استمرارها على المدى القصير.

عجز واسع في 2020

كان العجز المالي للدول المتقدمة قبل الجائحة الوبائية عند حدود 2.9%، لكنه سرعان ما تضخم إلى 11.7% في عام 2020.

وفي الدول الناشئة، تضاعف العجز في الموازنات المالية إلى 9.8% في عام 2020 مقارنة بـ4.7% في 2019.

وكذلك سجلت الدول النامية عجزًا ماليًا بمعدل 5.5% في 2020 مقابل 3.9% في عام 2019. وقد يستمر العجز المالي في التصاعد خلال العام 2021.

ويتوقع صندوق النقد الدولي تقلص العجز المالي للدول المتقدمة من 10.4% في 2021 إلى 4.6% في 2022، ولكن في الدول الناشئة سنشهد تراجعًا أقل حدة من 7.7% في العام الجاري إلى 6.7% فقط في 2022، والدول النامية من 4.9% في 2021 إلى 4.4% لعام 2022.

مستويات غير مسبوقة للدين العالمي

وقد جاء العجز المالي نتيجة ارتفاع الديون في العالم إلى مستويات قياسية جديدة، حيث وصل دعم الحكومات عبر خططهم وبرامجهم التحفيزية إلى 16 تريليون دولار بقيادة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

الرقم التحفيزي الضخم أوصل الدين العام العالمي إلى مستويات قياسية عند 97% من الناتج المحلي الإجمالي بمعدل ارتفاع سنوي يقدر بـ16%، ويتوقع بلوغه الـ100% خلال العام الجاري.

وخلال مؤتمر صحفي على هامش اجتماعات الربيع للصندوق والبنك الدوليين، عُقدت لمناقشة السياسات المالية للعالم في خضم جائحة كورونا، بحضور صناع القرار وكبرى المؤسسات الدولية، قال فيتور جاسبار، مدير إدارة شؤون المالية العامة في صندوق النقد، إنه في عام 2021، كانت هناك زيادة قوية في الديون والعجز، بخاصة في الاقتصادات المتقدمة، حيث قفز الدين العام بأكثر من 16 نقطة مئوية إلى أكثر من 120% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي هذه البلدان، ارتفع عجز الميزانية بنحو 9 نقاط مئوية من الناتج المحلي الإجمالي إلى 11.7%.

ضرورة استمرار السياسات المالية المرنة

وقد رأى صندوق النقد الدولي أن خفض أسعار الفائدة وشراء السندات الحكومية كانت من الأمور الضرورية لتسهيل الاستجابة المالية للوباء، وهذا ما شهدناه بقيادة بالبنك المركزي الأمريكي “الاحتياطي الفيدرالي”، البنك المركزي الأوروبي، بنك إنجلترا المركزي، بنك اليابان المركزي، وجميع البنوك المركزية حول العالم.

تلك السياسات المالية خففت بشكل كبير من حدة الأزمة الاقتصادية، سواء على صعيد تقليص خسارة الوظائف، فعديد من الدول كانت بحاجة إلى تمويل ميسر وإعادة هيكلة الديون.

وأشاد الصندوق باستجابة السياسات المالية غير المسبوقة للحكومات من حيث السرعة والحجم في مواجهة جائحة كورونا حيث هرولت لتقديم الدعم المالي في الوقت المناسب وبطريقة حاسمة. وقال جاسبار إن السياسات المالية أسهمت في التخفيف من تراجع النشاط الاقتصادي والعمالة، وجنبت السقوط في الكساد الكبير.

ورفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي إلى 6% من 5.5% المتوقعة سابقًا في يناير وقدر الصندوق توقعاته لاقتصادات العالم المتقدمة عند 5.1% والولايات المتحدة عند 6.4% معيدًا الأسباب إلى الدعم من خطة التحفيز الأمريكية الأخيرة إلى جانب إطلاق اللقاحات في جميع أنحاء العالم.

ودعا جاسبار إلى ضرورة تكييف السياسات المالية لتناسب ظروف كل دولة في مواجهة الوباء، قائلاً إن بلدان العالم تواجه مقايضة بين الدعم المالي على المدى القصير وبناء الهوامش الوقائية من منظور متوسط ​​إلى طويل الأجل. وأشار إلى أن هذه المقايضات يمكن أن تساعد كثيراً من خلال أطر موثوقة متوسطة الأجل.

وتحدث جاسبار عن تحسن طال الاقتصادات والمجتمعات تدريجًا في ما يتعلق بقدرتها على مواجهة الوباء. وقال إن الولايات المتحدة تقدم مثالًا جيدًا على الاستخدام القوي للسياسة المالية. فمنذ خريف عام 2020، وافقت على 2.8 تريليون دولار أمريكي في إجراءات مالية إضافية. ومن اللافت للنظر أن مسار نسبة الدين العام تراجع إلى أسفل.

كما استشهد جاسبار بالتجربة الصينية في مواجهة تداعيات الوباء، قائلاً إن الصين تعد واحدة من الدول التي تعافت بشكل أسرع خلال عام 2020، منوهاً إلى تعافي مستويات النشاط الاقتصادي إلى مستويات ما قبل الجائحة. وتوقع أن تنمو الصين بقوة في عام 2021 لتكون واحدة من أسرع الاقتصادات نمواً في العالم.

وأضاف أنه من الواضح أن الصين في ما يتعلق بالحيز المالي يجب أن تحافظ على المرونة في السياسة المالية وتتجنب سحب الدعم المالي قبل الأوان.

دعم الدول النامية واقتراح بهيكلة وشطب الديون

ولكون الدول والأسواق النامية الأكثر تضررًا من جائحة كورونا، وتسارع تضخم ديونها مع ضعف نطاق نمو الإيرادات لذلك هناك اقتراح اليوم بضخ تمويل بحجم 650 مليار دولار إلى العديد من هذه الدول، وربما حتى شطب ديون لكثير منها.

وقدم صندوق النقد الدولي توصيات، من بينها؛ تسريع عمليات التلقيح والتطعيم ضد فيروس كورونا، وفي حالة النجاح في السيطرة على الوباء، يرى الصندوق بأن العالم سيشهد الاقتصاد العالمي 9 تريليون دولار من المكاسب للناتج المحلي الإجمالي بحلول 2025.

وختامًا، يمكن القول؛ إن الأولوية الرئيسية للاقتصاد العالمي اليوم من أجل بلوغ التعافي والعودة لمعدلات نمو ما قبل أزمة كوفيد-19؛ هي للسياسات المالية وضرورة أن تظل مرنة للاستجابة لمتطلبات الوضع سريع التطور. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى