التقاريرالصفحة الرئيسيةثقافةرأى

النيل الخالد وأرض الكنانة.. قصة حياة أو موت

كتبت –  علياء عصام الدين

نعم هي قصة حياة أو موت؛ ففي البدء كان (النيل)، ثم على ضفافه قامت الحضارة العظيمة، حضارة مصر الفرعونية، ومن بعدها مصر الحديثة، هذا الارتباط العميق بين تاريخ الكنانة والنهر الخالد لا يدركه كثيرون؛ فالنيل ليس مجرد نهر بل هو شريان حياة المصريين وكرامتهم منذ قديم الأزل، هو المقدس وهو واهب الحياة والخضرة هو صانع السعادة ورمز الخصب والرخاء.

لطالما كان إيمان المصريون القدماء بالنيل راسخًا في الضمائر والأفئدة فهو الضامن للحياة من مهالك الضيق والقحط وهو الهبة الإلهية التي تمنح أرضهم الخير والخصب والاقتراب منه أو المساس به قصة حياة أوموت.

إله الخصب والحياة

النيل هو الواحد والإله عند المصري القديم، ففي النصوص الأدبية التي دونها المصريون: “فليحيا الإله الكامل، إنه غذاء مصر وطعامها ومؤونتها، إنه يسمح لكل امرء أن يحيا، الوفرة على طريقه، والغذاء على أصابعه، وعندما يعود يفرح البشر، كل البشر”

النيل معجزة الجغرافيا التي أسست مصر عندما انحدرت مياه النهر العذبة لتروي صحراء مصر وتحولها إلى جنة الله على الأرض، ذلك النهر المٌغيث الذي أنس به المصريون وسكنوا في رحابه وعلى ضفافه وأقاموا أقدم حضارة عرفها العالم.

blank

منذ عصور موغلة في القدم عرف المصريون أهمية نهر النيل وابتكروا الطرق للاستفادة من مياهه فحفروا الترع لزراعة أكبر قدر من أرض الوادي لاحظوا أوقات فيضانه وانحساره ومنها اهتدوا للتقويم النيلي الذي يبدأ بفيضان النهر العظيم، فكان نقطة انطلاقهم لتحديد بداية العام وقياس ارتفاع منسوب مياه الفيضان فقسموا السنة إلى ثلاثة فصول تحددت وفق أحوال النيل، “آخت” فصل الفيضان وبذر البذور و”برت” فصل النمو و”شمو” فصل حصاد الزرع، كما اكتشف المصري القديم على ضفاف النهر نبات البردي الذي استخدمه في التدوين.

على جدران المقابر سجل المصري القديم ترانيمه حول النهر المقدس، وعكست رسوماته للأسماك والقوارب التي كانت تستخدم للصيد وللمواصلات أهميته، فبفضله تشكلت المجتمعات الصغيرة التي سرعان ما اندمجت في كيان واحد في عهد الملك “مينا” ليظهر أول شكل سياسي واجتماعي للأراضي المصرية.

النيل المقدس

شكلت مياه النيل عنصرا أساسيا ومعينًا لا ينضب للحياة عند المصري القديم حسب ما قال عالم الإنثروبولوجيا الفرنسي البارز جورج بالانديه، فقد نظر المصريون إلى النيل بعين القداسة، فتطهروا من مائه جسدًا وروحًا.

blank

وحرص المصريون على نظافة النيل ذاته وحماية النهر من كل دنس فكان هذا واجبهم المقدس فمن يلوث ماء النيل تحل عليه لعنة الآلهة حسب النصوص القديمة.

وتظهر هذه الأهمية في نصوص “كتاب الموتى” فمن ضمن اعترافات المصري القديم في العالم الآخر يقول: “لم أمنع الماء في موسمه، لم أقم عائقا (سدا) أمام الماء المتدفق”، لذا كان أول ما يدون في سجلات الميت ما إذا كان قد أقدم على تلويث مياه النيل أو حافظ عليها أو قام باحتجازها ومنعها أم لا، فقد اعتقد المصري القديم أن الحفاظ على النيل وحمايته هو أول ما يسأل عنه الميت عندما يبعث في الحياة الأخرى.

الشرب من مياه  النيل عند المصري القديم كان بمثابة الحصول على الجنسية المصرية  فكان الإله آمون يقول لكهنته “إن البلد الذي يفيض فيه النيل هو مصر فكل من يشرب من النيل في مجراه التحتاني بعد جزيرة الفنتين فهو مصري”.

أرباب النيل.. حابي وخنوم

يتجلى تقديس المصري القديم للنهر بالنظر إلى تعداد الآلهة القديمة التي ارتبط ذكره بها، فقد خصص القدماء أربابًا للنيل فالإله “خنوم” برأس الكبش هو رب الماء يجلب الحياة على ضفاف النهر فينبت المحاصيل والنباتات.

blank

 أما الإله “حابي” فكان يسيطر على الفيضان وهو رب الخصب ناشر السعادة ومصدر الحياة الأولى، وحابي في اللغة المصرية تعني “سعيد” وهو رب النيل ثنائي الجنس الذي جمع بين شخصية الأب والأم ليحقق الخصوبة بملامحه الذكورية وجسده العلوي الأنثوي.

فحابي هو الروح التي تكمن وراء النهر العظيم، تقول إحدى ترنميات النيل التي أوردها جان فيركوتير في دراسته لمصر القديمة

“تحية لك يا حابي، أخرج من هذه الأرض واحضر لتهب مصر الحياة، إنك تخفي مجيئك في الظلمات، وتغطي أمواهك البساتين، أنت واهب الحياة لكل ظمآن، عندئذ ارتفعت أصوات الأرض مهللة، البطون فرحة وسعيدة، والزهور تهتز من الضحك والأسنان تمضغ”.

أساطير النهر العجيب

تنوعت الأساطير المصرية حول النيل وتعددت فمنها أسطورة أوزريس الذي قتله أخوه ست بسبب الغيرة  ورماه في مياه النيل بعد أن قطعه إلى 40 قطعة، وما يقال حول أن فيضان النيل وانحساره ارتبط بموت وبعث أوزوريس ودموع زوجته إيزيس التي ذرفتها حزنًا عليه .

blank

ويحتفل المصريون لمدة أسبوعين بفيضان فيما يسمى بعيد “وفاء النيل” ومنها انبثقت أسطورة عروس النيل البكر التي يتم التضحية بها تضرعًا لفيضان النيل وغيرها من الأساطير حول منابعه التي ظلت لغزاً محيراً، فخرجت روايات زاخرة بالجن والشياطين والعفاريت والوديان المخيفة والمخلوقات العجيبة.

توالت الأعوام وتعاقب الحكام على أرض مصر من يونان ورومان وصولًا لسنوات الفتح الإسلامي وظل النيل مبجلًا ومصونًا، ونظر إليه العرب باعتباره معجزة إلهية وهبة الله من السماء إلى مصر، فتغنى به الشعراء وأصبح ملاذا للمحبين والعشاق ومنبعًا للإبداع والكتابة والتأليف، ولا يتسع المقام لسرد بعض ما قيل عن النيل في الأدبيات فهو موضوع بحث بأكمله.

قال فيه أحمد شوقي على سبيل المثال:-

 مِنْ أَيِّ عَهدٍ في القُرَى تتَدَفَّقُ … وبأَيِّ كَفٍّ في المدائن تُغْدِقُ

ومن السماءِ نزلتَ أَم فُجِّرتَ من … علْيا الجِنان جَداوِلاً تتَرقرقُ

وبأَيِّ عَيْنٍ, أَم بأَيَّة مُزْنَةٍ … أَم أَيِّ طُوفانٍ تفيض وتَفْهَقُ

ويقول في قصيدة أخرى: –

النيلُ العَذبُ هُوَ الكَوثَر

وَالجَنَّةُ شاطِئُهُ الأَخضَر

رَيّانُ الصَفحَةِ وَالمَنظَر

ما أَبهى الخُلدَ وَما أَنضَر

وقال ابن الصايغ الحنفي

 “أرض مصر فتلك أرض من كل فن بها فنون، ونيلها العذب ذاك بحر ما نظرت مثله العيون”

هكذا برهن النيل العظيم على مر العصور على معناه العميق في وجدان كل المصريين والعابرين على ضفافه.

blank

هبة النيل

لقد أثبت التاريخ في طيات صفحاته أن اسم مصر ارتبط باسم النيل، وقد أبدع “هيرودوت” عندما أوجز فقال: “مصر هبة النيل” لم يقل السودان ولا إثيوبيا، فمصر دون غيرها هي هبة النيل، والنيل هبة من الله وهبات الله لا تهمل ولا تترك ولا يستهان بها.

وكي تدرك عزيزي القارئ معنى النيل لدى المصري القديم وامتداد هذا المعنى لدينا حتى اليوم، تأمل العبارات التي نقشت على لوحة جدارية بمقياس النيل في أسوان

 ” إذا انخفض منسوب النهر فليهرع كل جنود الملك ولا يعودن إلا بعد تحرير النيل مما يقيد جريانه”.

“على الملك أن يستعد لتأمين النهر، وتأديب الهكسوس والحيثيين وطرد شعوب الشمال – الشردنا”

“الملك المصري متأهب بجنوده دوما، لا تخشوا على مصر فهي بلاد أوائل الموحدين في الأرض”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى