اقتصادالتقاريرالصفحة الرئيسية

في مواجهة سلاح العقوبات.. روسيا تسعى لكسر هيمنة الدولار

كتبت – ولاء عدلان

تعاني روسيا منذ العام 2014 جراء خطوة ضم شبه جزيرة القرم – التي كانت جزءا من الأراضي الأوكرانية منذ 1954- المتهورة، من عقوبات اقتصادية فرضتها أمريكا بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي، هذه العقوبات أضيف لها نهاية العام الماضي حزمة جديدة من العقوبات الأوروبية على خلفية تورط النظام الروسي في حادثة تسميم المعارض البارز أليكسي نافالني، وفي مارس الماضي قرر الرئيس جو بايدن فرض أول عقوبات على موسكو منذ وصوله إلى البيت الأبيض، هذه العقوبات تتضمن حظر توريد التكنولوجيا الدفاعية الأمريكية إلى روسيا ومنع المؤسسات الحكومية الأمريكية من إقراض موسكو وفرض عقوبات مباشرة – وبالتنسيق مع بروكسل- على 7 مسؤولين روس بارزين و14 مؤسسة تعمل في مجال تصنيع المواد الكميائية.

موسكو تسعى لتحييد خطر العقوبات اقتصاديا

روسيا ردت على العقوبات بفرض عقوبات مماثلة على بعض الشركات الأمريكية والأوروبية، كما سعت لتعزيز علاقاتها مع الصين باعتبارها الخصم الأبرز لواشنطن تجاريا، وأصر نظام بوتين كعادته على إنكار مخالفاته الصارخة للأعراف الدولية واعتبر أن شبه جزيرة القرم شأن داخلي ويمس أمنه القومي، وفيما يتعلق بقضية نافالني اعتبر أن الغرب يعتم على حقيقة ما جرى من أجل فرض عقوبات “ظالمة” على موسكو لا غير.

وأدان وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف – في تعليق له على العقوبات الأمريكية الجديدة في مارس الماضي- سلاح العقوبات، ووصفه بأنه إجراء أحادي الجانب يفتقر للشرعية، تستخدمه الولايات المتحدة ومن يحذون حذوهم، في إشارة إلى الاتحاد الأوروبي.

في محاولاتها المتواصلة سواء للرد على العقوبات أو حماية نظامها المالي والاقتصادي من هذه العقوبات، سعت موسكو منذ 2014، إلى  كسر هيمنة الدولار باعتباره رمزا لتبعية اقتصادها لواشنطن التي تعتبرها مصدرا للأعمال العدائية ضده، وذلك من خلال عدة خطوات كان أهمها استحداث نوع من البطاقات المصرفية الوطنية أطلق عليه “مير” لمنافسة خدمات “فيزا” و”ماستركارد” الأمريكيتين في روسيا، وتقليص الاعتماد على الدولار في تعاملات التجارة الخارجية.

بالأمس، أشار المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إلى إمكانية تقييد خدمات “فيزا” و”ماستركارد” في روسيا، ردا على السياسة العدائية لواشنطن، وقال في تصريح صحفي: هناك قيود عدة مفروضة على بلادنا من عدد من الدول، لذا لا يمكنا استبعاد أي شي، في ظل هذا الوضع.

وأضاف: بالنظر إلى مثل هذه السلوكيات غير الودية وحتى العدائية في بعض الأحيان، فأفضل طريقة للحماية من مخاطر العقوبات هي إنشاء أنظمة مالية بديلة يمكن أن تحل محل الأنظمة الأجنبية، وهنا أشار إلى نظام الدفع الروسي “مير” مؤكدا أن خدماته ستصبح في نهاية المطاف عالمية.

نظام دفع بديل لـ”فيزا” و”ماستركارد”

في العام 2014 أطلق المركزي الروسي بطاقات الدفع “مير” – وكلمة مير تعني في اللغة الروسية السلام أو العالم- للحد من تداعيات العقوبات الأمريكية والأوروبية ضد بعض البنوك ورجال الأعمال الروس واستباقا لأي عرقلة ممكنة للمعاملات المعتمدة على خدمات “فيزا” و”ماستركارد”.

 حتى اللحظة نظام بطاقات “مير” الروسي لا يخضع للعقوبات الغربية، ويستخدم داخل روسيا على نطاق جيد يشكل نحو 30% من سوق البطاقات المصرفية فيها، إذ تلزم الحكومة الموظفين المدنيين بتلقي رواتبهم عن طريق “مير” وكذلك أصحاب المعاشات وكافة الشرائح المستفيدة من الإعانات الحكومية، أما في الخارج فعدد محدود من الدول قبل بتفعيل خدمات “مير” على أراضيه منها تركيا، إذ تشعر الدول والشركات بالقلق المتصاعد من التعامل مع المؤسسات الروسية خشية تعرضها لمزيد من العقوبات مستقبلا.

تسعى موسكو منذ نحو 6 سنوات لتقديم بطاقاتها “مير” للأسواق الخارجية، وتحديدا الدول التي يسافر إليها الروس بكثافة، إلا أنها تواجه عدة عقبات أهمها العقوبات التي تحد من مصدقية مؤسساتها الحكومية لدى الجهات المالية الأجنبية، وعدم توافق نظام “مير” مع منصات التسوق الدولية.

كسر هيمنة الدولار

إلى جانب محاولة منافسة كل ما هو أمريكي في عالم الدفع الإلكتروني والمصرفي، حاولت روسيا أيضا فك ارتباط اقتصادها تدريجيا بالدولار، وذلك من خلال عدة خطوات منها التوسع في استخدام “الروبل” لتسوية مدفوعات المبادلات التجارية مع غيرها من البلدان.

بحسب رئيس الدوما الروسي فياتشيسلاف فولودين، حاليا تتم تسوية 74% من المدفوعات الناتجة عن المبادلات التجارية مع بلدان الاتحاد الاقتصادي الأوراسي – روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وأرمينيا وقرغيزيا- بالعملات المحلية.

كما سعت روسيا ومع اشتعال الحرب التجارية الأمريكية ضد الصين في عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ووصولها إلى الذروة في العام 2019، إلى التواصل مع بكين من أجل تشكيل تحالف لمواجهة سلاح العقوبات الأمريكية والقرارات أحادية الجانب، وبالفعل توصلا إلى اتفاق على تعزيز التعاون الثنائي في المجال الاقتصادي وتقليل الاعتماد على الدولار في مبادلاتهما التجارية، وكذلك تعزيز التعاون في إطار “مبادرة الحزام والطريق” وزيادة الاعتماد على العملات المحلية أثناء دفع مخصصات المبادرة.

وسعت موسكو وبكين إلى إنشاء نظام جديد لتداول عملات “الروبل” و”اليوان” مباشرة، وقام المركزي الروسي بتحويل جزء من احتياطاته – نحو 20% من احتياطات النقد الأجنبي- المقومة بالدولار إلى اليوان الصيني، كما اتفق البلدان على دعم استخدام العملات المحلية في بورصات موسكو وبكين، وخفضت روسيا حصلة الدولار الأمريكي واليورو في صناديق سيادية كصندوق الرفاه الوطني من 45% إلى 35%.

لكن جهود موسكو لتقليل الاعتماد على الدولار في تعاملاتها التجارية ما زالت بطيئة وبعيدة عن فكرة كسر الهيمنة، فعلى سبيل المثال ما زال أكثر من 70% من تعاملاتها التجارية مع الصين يعتمد على الورقة الخضراء.

خلال زيارته إلى الصين الشهر الماضي، جدد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، التأكيد على رغبة بلاده في تشكيل تحالف أوسع مع ما أسماه “الدول المعارضة للعقوبات أحادية الجانب”، مشيرا إلى ضرورة تقليل مخاطر العقوبات من خلال تعزيز الاستقلال التكنولوجي، والتحول إلى التسويات بالعملات الوطنية والعملات العالمية، كبديل للدولار.

إذا كانت روسيا تسعى لكسر “هيمنة الدولار” ردا على الأعمال العدائية الأمريكية، فواشنطن تصر على الدفاع عن مصالحها في وجه تصرفات روسية “غير شرعية” مثل الاختراقات الإلكترونية والتدخل في الانتخابات، هذا ما أكده الرئيس بايدن في اتصاله أمس مع نظيره الروسي، لكن الرجلين أكدا نيتهما متابعة الحوار الاستراتيجي حول مجموعة من القضايا، واقترح بايدن عقد اجتماع قمة مع بوتين في دولة ثالثة لمناقشة القضايا الشائكة بينهما، إلا أن الكرملين قال صباح اليوم، إن المكالمة جرت في جو عملي وإنه ما زال يدرس اقتراح “القمة”، وإن كان هذا الرد “الفاتر” دليل على صعوبة تجاوز التوتر بين البلدين باجتماع قمة، إلا أن الأكيد أن استمرار المواجهة أمر أيضا بالغ الصعوبة، فموسكو لا يمكنها أن تكسر هيمنة الدولار منفردة – حتى ولو أنضمت إليها الصين- كما أنها تحتاج إلى التنسيق مع واشنطن في عدة ملفات، وأمريكا وبحسب ما جاء في بيان البيت الأبيض أمس تسعى إلى بناء علاقات مستقرة معها في ضوء مصالحها، ما يعني أن بايدن سيلجأ إلى حيلة العصا والجزرة في تعامله مع الدب الروسي، وقد يقدم بعض التنازلات لكسر الجمود الراهن في العلاقة مع بوتين، وبالمثل سيفعل الأخير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى