التقاريرالصفحة الرئيسيةمنوعات

حواديت مصرية على مقهى جروبي

هدى إسماعيل

اسم «جروبي» أسطوري بالنسبة للمصريين، خاصة لمن عاصروه حينما كانت أفراد عائلة «جروبي» تُدير العمل بنفسها، كان المكان يتسِم بالأناقة وكانت الخدمة مميزة، كان النوبيون والسودانيون، الذين يعملون على خدمة الزبائن، يتمتّعون بالاحترافية والبشاشة والذوق، والتواضع مع الاحتفاظ بكرامتهُم،لم يبخسوا بأنفسهُم ولم يتعالوا على الناس، فكان «الزبون» يُحب الذهاب إلى «جروبي» ، وأغلب الزبائن من الباشوات، ويقول، أقدم خادم بالمقهى: «كُنا نحفظ طلبات الزبائن».

تلكَ كانت المُقدمة التي عرضَها، التلفزيون السويسري، لفيلم بعنوان رحلة نجاح «جاكومو جروبي»، السويسري الأصل، وعائلتُه في مصر، وكيف مرّت هذه المؤسسة الفريدة عبّر الحقب السياسية، والاجتماعية المختلفة مُنذ الحرب العالمية الأولى، ومرورًا بالثانية، وحريق القاهرة، وثورة 1952، بالإضافة لعصر عبد الناصر والسادات.

لم يدرك الحلواني السويسري «جاكومو جروبي» المولود 1863 أن لقبه «جروبي» سيصبح المكان المفضل لنجوم المجتمع والطبقة الراقية، عندما جاء «جروبي» إلى مصر باعتبار أن المناخ جاذب للاستثمار قصد الإسكندرية وكانت الميناء البحري المستقبل للأجانب القادمين بعدها يحدد كل منهم وجهته وكان الأغلب الاستقرار والعمل كانت وجهة جروبي القاهرة 1884 ولكنه بعد فترة من العمل استمرت 6 سنوات افتتح أول محل لصناعة الحلوى والمعجنات والشيكولاته والآيس الكريم، وذاع صيت جروبي كواحد من أشهر صناع الحلوى في الإسكندرية ليفكر في الانتقال لوسط البلد بالقاهرة وافتتاح مقهى جروبي على طراز معماري أوروبي خاص يحمل صفات تختلف عن المحلات المجاورة وقد قصد جروبي ذلك .

مقهى الباشوات

خلال فترة قصيرة أصبح جروبي مقصد الطبقة العليا من باشوات الزمن ورجال فكر وصحافة أمثال «مصطفى أمين – كامل الشناوي» وغيرهما الكثير ،  ليصبح مكان يلتقي فيه رجال الفن وفيه اكتشف «يوسف شاهين» «عمر الشريف» ليصبح ممثلا عالميا .. ولم يكتفى جروبي بالمكان الخاص في طلعت حرب ولكنه اشترى مكانا آخر كفرع في شارع عدلي بحديقة خاصة ومدخل خاص .

لم تكن محلات جروبى مجرد مكان للجلوس أو مقهى يقدم فيه الحلوى والمشروبات ولكنه أصبح المسئول الأول عن الحفلات الخاصة برجال الطبقة العليا من تجهيز الحفل واستقدام الجرسونات بالزي الخاص وبشرتهم السمراء وأصبح جروبي عنوانا لثراء صاحب الحفل .

لم يقف الأمر عند هذا الحد بل أصبح «جروبي» البوصلة في جميع الأفلام حيث ترددت جمل «حستناك عند جروبي – قاعد في جروبي – الحفلة في جروبي» في الكثير من الأفلام بل وأصبح المكان نفسه بطل الأفلام كـ« حلاق السيدات- يوم من عمري- العتبة الخضرا».

وبعد نجاح محلات جروبي بوسط البلد ، فكر الابن الأكبر «اكيللى جروبي» في افتتاح محليين اصغر لتقديم المعجنات باسم الأمريكيين في وسط البلد وانضم المحليين إلى امبراطورية جروبي لصناعة الحلوى والمعجنات وملتقى الساسة ورجال المال وربما لم يفكر العامة دخول جروبي في فترة سابقة .

وعندما قامت ثورة يوليو لم يتم تأميم جروبي حيث كان مسئول عن حفلات بعض الضباط وعلى علاقة طيبة برجال الثورة  حتى بعد سقوط شبكة جواسيس عام 1960 تعمل لصالح الموساد والقبض على 10 جواسيس كان منهم أحد عمال جروبى «جورج استاماتيو» ظل جروبي محتفظا بمكانه ومكانته دائما .

كناسة جروبي

على الجانب الآخر من ناصية جروبي وقف من يحاول الدخول والحصول على قطعة حلوى ولم يتمكن من تحقيق مساحة الحلم البسيط.. ولكن دائما تبقى حيلة المصريين فقد ابتكر المصريين اسم «كناسة جروبي» على البواقي من قطع الحلوى والجاتوهات التي يتم التخلص منها بإعادة بيعها حيث تجتمع فجر كل يوم بعض البائعات لشراء بواقي محلات الحلويات في صاجات خاصة تحملها كل بائعة.

ربما لم يدرك «جاكومي جروبي» إن المكان الذي أنشأه للطبقة الراقية ورجال المال وحفلات الكبار سيصبح باب رزق للعامه وحلويات جروبى ستكون في صاج صغير للبسطاء.

جروبي وحريق القاهرة

انتماء مقهى جروبي لمؤسسين أجانب جعله عُرضة لمناوشات وأعمال شغب من قِبَل رافضي وجود المحتلّ بمصر، مُعتبرين أنّ كلّ ما يحمل عنواناً غربياً فهو تابع للدولة البريطانية المحتلّة، ففي الخامس والعشرين من يناير عام 1952، قبيل اندلاع ثورة يوليو، حدث ما عُرِف وقتئذ بـ”السبت الأسود”، عندما استيقظ المصريون على حرائق شتّى تلتهم الكثير من بنايات القاهرة، قدّرتها مجلة “نيوز ويك” بثلاثمائة متجر، فضلًا عن المعالم، بما في ذلك دار أوبرا القاهرة.

ويروي شاهد عيان لـ”نيوز ويك” أن البعض تسلّق مقهى جروبي، وخلع اللافتة، ثمّ نزع الشعار الملكي وعلى الرغم من ذلك لم يتراجع أبناء جروبي عن إكمال المسيرة، خِشية تشريد 1800 عامل -بحسب ماركو جروبي في تصريحه لمجلة “نيوز ويك”- وضخوا مبلغًا ضخمًا لترميمه.

بعد جلاء المحتلّ البريطاني على يد الضباط الأحرار، نجا “جروبي” من التأميم بأعجوبة، وظلّ ملكًا لأصحابه، لأنهم كانوا “يُلبّون حاجات الملوك والرؤساء”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى