التقاريرالصفحة الرئيسيةسياسة

إسرائيل في قلب طهران.. هرولة نحو الحرب

رؤية

كتب – د. محمد عبدالدايم

بعد تفجير نطنز الأسبوع الماضي، وجهت إيران أصابع الاتهام إلى إسرائيل، على عكس التفجيرات “الغامضة” في المنشأة ذاتها العام الماضي، ولم تؤكد إسرائيل مسؤوليتها، فيم لم تنف أيضا، وإنما خرج بنيامين نتنياهو في مؤتمر صحفي ليكرر تهديده لطهران، وعدم السماح لها بإنتاج سلاح نووي.

الخسائر التي سببها الانفجار شبيهة بالأضرار التي أصابت منشأة فوردو في قُم عام 2012، التي شهدت تفجيرا مماثلا، سبب قطعا للأبراج وكابلات الكهرباء، وتفجيرا للبطاريات، وما حدث في نطنز مؤخرا، وما سبقه من عمليات أخرى، سواء سرقة وثائق المشروع النووي والتفجيرات “الغامضة” في محيط نطنز، واغتيال فخرزاده، كل هذا يؤكد أن إسرائيل تنشط منذ وقت طويل في قلب إيران، بزرع عملاء لجلب معلومات، كما لو أن طهران أصبحت مرتعا لجواسيس إسرائيل، إضافة إلى الهجمات السيبرانية التي تشنها من داخل مقرات وحدات الحرب الإلكترونية التابعة للجيش الإسرائيلي.

مع اعترافها بالخسائر التي وقعت بعد انفجار نطنز؛ أعلنت إيران مؤخرا أنها ستشرع في تخصيب اليورانيوم بنسبة 60%، وهي أعلى نسبة تعلن عنها في تاريخ مشروعها النووي، في الوقت الذي تعارض فيه إسرائيل العودة لاتفاق النووي 2015، وتكثف هجماتها على إيران في الداخل وفي الساحة البحرية.

وحدة أبحاث الاستخبارات العسكرية

لا تدخر إسرائيل وسعا في حربها ضد إيران على جميع المستويات، السياسية والعسكرية والاستخباراتية، وبالنسبة للحرب الاستخباراتية تحديدا تبرز وحدة الأبحاث (حطيفات هامِحقر) المعروفة باختصارها العبري (حطم) هي وحدة عسكرية تابعة لشعبة الاستخبارات بالجيش الإسرائيلي، وهي هيئة متخصصة في أبحاث الاستخبارات على جميع المستويات، ورغم أنها وحدة عسكرية، فإن دورها ليس في مجال أبحاث الاستخبارات العسكرية فحسب، وإنما تعمل على تقييم الأوضاع في المجالات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية، إضافة إلى الأبحاث العسكرية.

ضمن أقسام هذه الوحدة يوجد قسم خاص بالاستخبارات التكنولوجية، وهو قسم مسؤول عن جمع المعلومات التقنية وتقييم التكنولوجيا التي تملكها دول على عداء مع إسرائيل، أو حتى دول صديقة أو حليفة، ويضم هذا القسم نخبة من ضباط الجيش الإسرائيلي، معظمهم من جنود الاحتياط، إضافة إلى جنود نظاميين.

يجب أن يكون أفراد هذا القسم على دراية بتقنيات الأسلحة الحديثة وغير التقليدية، الطائرات بدون طيار، والأسلحة الكيميائية والبيولوجية، إضافة إلى تصميمات البنى التحتية، وطبوغرافيا الدول والكيانات الإقليمية المجاورة، ومنها بالطبع سوريا وإيران.

في ستينيات القرن الماضي كانت وحدة الأبحاث معروفة باسم “الفرع 7″، وكانت تعمل للحصول على معلومات حول التسليح في الدول العربية خصوصا، وساهمت تقاريرها في الحصول على معلومات حول النشاط “النووي” في العراق، ومن ثم شاركت الوحدة في الهجوم على مفاعل نووي عراقي عام 1981، وهي العملية المعروفة باسم “أوبرا” وكذلك “بابل”، وكان المفاعل قيد الإنشاء بهدف الاستخدام لأغراض سلمية.

مشروع السوسن

جدير بالذكر أن الجيش الإسرائيلي قد دشن في السنوات الأخيرة برنامجا نوعيا لرفع كفاءة أفراد وحدات الاستخبارات، وهو عبارة عن برنامج “تميز أكاديمي عسكري”، حمل اسم “حفتسالوت” (السوسن)، ويتضمن مسار البرنامج دراسات أكاديمية متخصصة في الجامعة العبرية بالقدس، إضافة إلى تدريب استخباراتي مكثف وتدريبات في فنون القيادة والعسكرية، وهو أحد البرامج “المرموقة” داخل الجيش لتأهيل الضباط للعمل بعد ذلك في الخدمة الدائمة لمدة ست سنوات في شعبة الاستخبارات العسكرية.

يضم قسم الاستخبارات التكنولوجية إذا نخبة من ضباط الاستخبارات المؤهلين أكاديميا وعسكريا   لجمع المعلومات التقنية وتحليلها، وفك الأسرار التكنولوجية للدول المحيطة والمعادية لإسرائيل، ومن ضمن أنشطة هذا القسم ما تم جمعه من معلومات وكشف الأنشطة السورية في مجال الأسلحة الكيميائية.

من سوريا إلى إيران

مؤخرا تم الكشف عن وثيقة أعدها قسم الاستخبارات التكنولوجية عام 2003 حول محاولات النظام السوري لدخول النادي النووي،  وفي عام 2007 أعد القسم تقريرا شاملا قدمه لرئيس شعبة الاستخبارات العسكرية آنذاك، عاموس يادلين، وبعدها بعامين في 2007 شنت إسرائيل هجوما جويا على ما يُشتبه في كونه مفاعل نووي سوري في دير الزور، وهي العملية المعروفة باسم “عملية البستان” (مفتسع بوستان).

في الفترة الأخيرة أصبح المشروع النووي الإيراني يمثل الأولوية القصوى لقسم الاستخبارات التكنولوجية، ووحدة الأبحاث بكامل تشكيلها، فأفراد هذا القسم يعملون ليل نهار للكشف عن ماهية البرنامج النووي الإيراني، بمكوناته وأهدافه، ومسار العمل فيه، فأي مشروع يقوم على معلومات وأفراد ومواد خام وتقنيات وأشياء أخرى كثيرة، ولفهم أبعاد هذا المشروع (النووي الإيراني) يجب أن يكون قسم الاستخبارات التكنولوجية على دراية كاملة بأبعاد هذا المشروع، مع التأكد من عدم وجود خطأ أو نقص في المعلومات يكون له تأثيره على إلمام إسرائيل بجميع تفاصيل المشروع النووي الإيراني.

تعتبر إسرائيل أن تصفية محسن فخرزاده عمل مهم للغاية في مساعيها لإحباط البرنامج الإيراني، لأنها اعتبرت فخرزاده بمثابة مهندس نووي استثنائي، ليس له مثيل، لا يعني غيابه عن المشهد التوقف التام، ولكن على الأقل كان اغتياله مؤثرا بشكل كبير، ووضع طهران في أزمة كبيرة، ربما أكثر من الأزمة التي سببها اغتيال الولايات المتحدة لقاسم سليماني.

كانت نقطة التحول عام 2018، عندما نجح الموساد في عملية نوعية لسرقة أرشيف البرنامج النووي الإيراني، ونقله إلى إسرائيل، وبدأت في فك رموز الوثائق المسروقة، وترجمتها، وتحليل المعلومات بها، وهي عملية كبيرة اشتركت فيها وحدات متعددة من الموساد والاستخبارات العسكرية والجيش، وأهم نتائجها هو تيقن إسرائيل من مساعي طهران لإنتاج سلاح نووي.

من أجل الإحاطة الكاملة بما تقوم به طهران، ينشط قسم الاستخبارات التكنولوجية، باستخدام وسائل تقنية حديثة، ومعلومات “دقيقة” من داخل المفاعلات الإيرانية، حتى أنهم يقيمون خطوات إيران من خلال إجراء تجارب محاكاة على أجهزة طرد مركزية، وفي الأخير أصدر القسم تقييما مفاده أن أجهزة الطرد المركزي الأكثر تقدما تساعد إيران على تخصيب اليورانيوم بسرعة أكبر، فعبر أجهزة الطرد المركزية العادية (IR1) يمكن لها تحقيق هدفها في غضون عام ونصف، لكن تؤكد التقييمات أن إيران بوسعها تخصيب اليورانيوم في وقت أسرع “بكثير” باستخدام أجهزة الطرد المركزي الأكثر تقدما (RI6).

القلق من النشاط السري

قلق شعبة الاستخبارات العسكرية بشأن أجهزة الطرد المركزي الجديدة ليس راجعا إلى قدرة إيران إلى سرعة التخصيب فحسب، وإنما التخوف الإسرائيلي من نقل هذه الأجهزة إلى موقع سري بعيد عن أعين الاستخبارات الإسرائيلية.

جاء إعلان طهران عن الحصول على أجهزة طرد مركزي متطورة قبل أيام من حصول التفجير “الغامض” في مفاعل نطنز، حيث أدى التفجير لانقطاع التيار الكهربي وإتلاف معدات بالمنشأة، وتتحرك إسرائيل لتعقب مسار الأجهزة الحديثة، حيث أن منشأة نطنز هي عبارة عن “مفاعل ضخم يضم أجهزة طرد مركزي قديمة نسبيا”، وتستهدف إسرائيل بضرباتها السيبرانية والعملياتية إلى التضييق على خط سير أجهزة الطرد الحديثة، قبل أن تخفيها إيران في مواقع أخرى لا يمكن تعقبها قبل الانتهاء من تخصيب اليورانيوم.

هرولة نحو الحرب

إذا كانت إسرائيل مسؤولة عن تفجير نطنز، فإنه لم تتحرك دون “موافقة” أمريكية، ولو “بغض البصر”، ورغم عدم إعلان الإدارة الأمريكية صراحة لخطواتها في مسألة العودة للاتفاق النووي 2015، فإنها تدفع للضغط على إيران، وتعمل إسرائيل كأداة الضغط وفاعله، وفي الأسابيع الماضية ارتفعت وتيرة المواجهات بين إسرائيل وطهران، خصوصا بعدما أصبحت “حرب السفن البحرية” حدثًا شبه أسبوعي، ورغم التفوق الإسرائيلي “الظاهر”، فإن خشيتها من رد الفعل الإيراني تدفعها لرفع درجات استعداد الجبهات الداخلية بالجيش، وفي الوقت نفسه يبدو أنها وصلت إلى مرحلة “عدم التوقف” عن تنفيذ هجماتها النوعية، مما يؤشر لمرحلة الهرولة نحو المواجهة بين الطرفين، لاستباق أية نتائج عن تحركات الإدارة الأمريكية والقوى الدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى