التقاريرالصفحة الرئيسيةسياسة

مواقع عسكرية بأرمينيا.. تأمين حدائق موسكو الخلفية

رؤية – محمد عبدالله

بعد أشهر من توقيع اتفاق السلام بين أرمينيا وأذربيجان، يتساءل كثيرين، هل ما تم انتصار كامل؟ أم منقوص؟ وماذا فعل الروس؟ وهل تدخلهم جاء كطرف محايد أم تدخل الروس لإنقاذ ما يمكن إنقاذه لصالح أرمينيا؟ وما الموقف التركي من التمدد الروسي في أرمينيا؟

تعزيز الوجود الروسي

في أحدث فصول هذا الملف الشائك، أقام الجيش الروسي موقعين عسكريين جديدين في جنوب أرمينيا قرب الحدود مع أذربيجان، في تعزيز للوجود الروسي في منطقة حيوية للأمن القومي لروسيا الاتحادية، وحيث تتحرك تركيا على الجبهة المقابلة، في أذربيجان ضمن أجندة تمدد في جنوب القوقاز، بع تدخلها الأخير دعماً لباكو في النزاع بإقليم ناغورنو قره باخ ضد الأرمن.

ونقلت وكالات أنباء روسية عن رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان أن الجيش الروسي أقام موقعين عسكريين جديدين في جنوب أرمينيا قرب حدود أذربيجان باعتبارهما “ضماناً أمنياً إضافياً” بعد صراع العام الماضي.

وحسب موقع «أحوال تركية»، فإن روسيا ليست بتلك السذاجة السياسية والعسكرية لتسمح لتركيا باللعب في فضائها الجيوسياسي، بدعوى التقارب معها بعد أزمة إس 400، مع واشنطن وحلف شمال الأطلسي. كما أن تغاضيها عن الاختراق التركي لساحاتها، لن يكون أمراً مجانياً ولا مطلقاً، فروسيا حددت ضوابط للتحرك التركي في فضاءاتها.

شبح الدولة العثمانية

كثيرة هي التصريحات الغربية بشأن بسط النفوذ «العثماني» في المتوسط والمنطقة ومخاوف عودة شبح الدولة الإسلامية العثمانية رغم سقوطها منذ أكثر من قرن من الزمان. ربما هذا ما دفع موسكو حسب موقع «السويداء 24» الذي نشر إطلاق روسيا حملة في الآونة الأخيرة لتجنيد أبناء محافظة السويداء للقتال في أرمينيا وأوكرانيا.

يعود أساس الصراع في المنطقة لعام 1921 إثر احتلال روسيا البلشفية كلا من أذربيجان وأرمينيا، وتأسيسها فيهما حكومتين شيوعيتين تخضعان لها، أعلنت موسكو حكما ذاتيا لـ«قرة باغ» الآذرية، ذات الأغلبية الأرمنية، لتزرع بذلك نواة توتر بين البلدين ما يزال قائما.

وما يحدث بين أذربيجان وأرمينيا هو خلاف تاريخي خلفه الاتحاد السوفيتي الذي كان يضم كل مناطق القوقاز وقبل سقوط الاتحاد قام بتأمين أرمينيا عسكرياً وأمن الأغلبية الأرمينية التي كانت تقع في أذربيجان في منطقة قره باغ، واستمر الدعم الروسي لأرمينيا حتى حصلت حكم ذاتي في سنة1992. ومع نهاية الحرب الأخيرة بين أرمينيا وأذربيجان وإعلان استسلام أرمينيا، باتت موسكو الرابح الأكبر حتى دون أن تطلق رصاصة واحدة ودون أن يسقط أيا من جنودها في ساحة المعركة.

مكاسب الروس

الحديث عن مكاسب موسكو من الحرب الآذرية الأرمنية، يتطلب العودة إلى السياق التاريخي لفهم ما جرى وما يجري، وهو ما سبق الإشارة إليه. وبالنظر إلى خريطة أرمينيا، يمكن أن تلحظ بوضوح خبث الدب الروسي، في عزل أنقرة عن عمقها الاستراتيجي، لأنه لو حدث هذا الاتصال «جغرافيا» مع الأتراك والآذريين فستكون أمام روسيا كتلة بشرية هائلة ممتدة على مساحة شاسعة تقع على حدودها.

أرمينيا ظلت تابعة لروسيا منذ الاتحاد السوفيتي حتى عام 2018، فما الذي حدث في هذا التاريخ ؟ في هذا التاريخ نظمت مختلف الأحزاب السياسية في أرمينيا بقيادة رئيس الوزراء الحالي «باشنيان» مظاهرات مناوئة لرئيس الحكومة وقتها الموالي لموسكو، سرج سركسيان، ونجحت بالفعل في إسقاطه ليترك مكانه لـ«باشنيان» الذي يحكم إلى اليوم.

ما أزعج الدب الروسي هو أن السلطة الجديدة بقيادة هذا الرجل – باشنيان – كانت سلطة موالية للغرب، وحدث ما يمكن وصفه بالعبث الأوروبي في حدائق موسكو الخلفية، وهو ما لا يقبل به الدب الروسي. لذلك أذربيجان وتركيا بالخصوص يعرفون جيدا كيف يستفيدون من التناقضات الدولية ويجنون منها المكاسب السياسية والعسكرية،حدث ذلك في ليبيا وسوريا وغيرها.

لذلك لا يمكن استبعاد فكرة أن تكون تحرير قره باغ من بنات أفكار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لأنه متأكد من أن السياق الحالي يشجع على استعادة إقليم قره باغ، ويعرفون جيدا أن بوتين يرغب في تأديب الأرمن، والتأكيد على خذلان الغرب لهم ويتخلى عنهم عندما يكونون بأمس الحاجة إليه. وبالتالي موسكو من أكثر الرابحين من ذلك، لإعادة أرمينيا إلى «بيت الطاعة» الروسي وستبعدها عن الغرب، فضلا عن استفادة موسكو من خلال نشر قوات لها في إقليم قره باغ بدعوى حفظ السلام وسيصبح الجيش الروسي متصلا على الحدود مع حليفتها إيران، والسؤال: هل يدوم الأمر طويلا؟ أم تكون لأذربيجان وتركيا رأي آخر؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى