اقتصادالتقاريرالصفحة الرئيسية

عالم ما بعد الجائحة.. أوروبا على موعد مع «تسونامي» إفلاس

كتبت – ولاء عدلان

وسط موجة ثالثة من فيروس كورونا تضرب بلدان أوروبا، خرجت هيئة أوروبية رفيعة المستوى أخيرا لتحذر من خطر تعرض منطقة اليورو لموجة إفلاسات قاسية تشبه مفعول التسونامي، وذلك في حال انتهاء خطط الدعم الحكومي المقدم للشركات والتي فرضتها جائحة كورونا منذ العام الماضي وبعضها ما زال مستمرا، ما يعني أن الشركات المثقلة بالديون ستشكل تهديدا واضحا لآمال التعافي في القارة العجوز بمجرد العودة إلى الحياة الطبيعية ورفع يد الحكومات عن الاقتصاد وترك الأمور تعود إلى مسار ما قبل الأزمة.

تسونامي إفلاس

مجلس المخاطر النظامية الأوروبي “ESRB” برئاسة كريستين لاغارد رئيسة البنك المركزي الأوروبي قال – في تقرير صدر نهاية أبريل المنصرم- إن الشركات في منطقة اليورو طالبت بما مجموعه 1.5 تريليون يورو على شكل منح وتأجيلات ضريبية وقروض خلال الوباء، فإن حالات الإعسار المؤجلة ستحدث فجأة وتؤدي إلى ديناميكية ركود، مما قد يتسبب في المزيد من حالات الإفلاس، ومن ثم فإن المعدل المنخفض الحالي لحالات الإفلاس سيكون مماثلاً لتراجع البحر قبل كارثة تسونامي.

وأضاف المجلس – الذي تم تأسيسه في أعقاب الأزمة المالية العالمية عام 2010 ، بهدف مراقبة المخاطر الكبيرة التي تهدد الاستقرار المالي داخل الكتلة الأوروبية، والتحذير منها قبل وقوعها- عند إعادة فتح الاقتصاد في نهاية المطاف وتقليص الدعم المالي للشركات، قد تزيد حالات الإعسار المالي في أوروبا بنحو الثلث تقريبا، فالشركات المثقلة بالديون والتي تكافح من أجل البقاء في السوق بالاعتماد على الدعم الحكومي ستواجه أزمة خانقة بمجرد رفع هذا الدعم خلال الفترة المقبلة.

حتى اللحظة هناك الكثير من شركات أوروبا ما زالت تغلق أبوابها بسبب الجائحة، لذا كان من الطبيعي أن يصل معدل إفلاس الشركات في أوروبا إلى أعلى مستوى تاريخي خلال العام الماضي، متجاوزاً المعدل خلال الأزمة المالية العالمية، لكن تدخل الحكومات ساهم في الحيلولة دون مزيد من حالات الإفلاس، ودفعها للتراجع بنسبة 20% خلال الربع الثالث من 2020.

أشار التقرير إلى أن توقعات حديثة لـ”أليانز” و”يولر هيرميس” تتحدث عن زيادة في حالات الإعسار المالي بنسبة 32% في جميع أنحاء أوروبا الغربية وبـ34% في أوروبا الوسطى والشرقية بحلول نهاية العام الجاري، مع تراجع خطط الدعم الحكومي تدريجيا.

انتعاش أسوأ من الركود

خلال العام الماضي اقترضت الحكومات الأوروبية بكثافة لتمويل حزم التحفيز الاقتصادي المهولة التي تم رصدها لعلاج الآثار الاقتصادية لإغلاقات كورونا، بما في ذلك زيادة حالات الإعسار المالي للشركات، فكان من الطبيعي أن تقفز ديون منطقة اليورو إلى 11.1 تريليون يورو أو ما يعادل 98% من ناتجها المحلي الإجمالي، بحسب بيانات مكتب إحصاءات الاتحاد الأوروبي.

وبفضل هذا الرقم الضخم، خرجت العديد من الشركات التي تكافح طوال الوقت للبقاء في السوق من 2020 بسلام ولم تشهر إفلاسها رغم استمرار سقف مديونيتها المرتفع، وتراجع إيرادات الشركات الأوروبية عموما بنحو 70% في ظل إجراءات الإغلاق وما فرضته من تراجع في الاستهلاك والإنتاج.

الخبير الاقتصادي والمدير التنفيذي لمركز أبحاث مبادرة نيوزيلندا أوليفر هارتويتش يقول في مقالة نشرت اليوم الأربعاء في موقع “نيوزرووم” النيوزيلندي: أوروبا في 2020 -وليست وحدها- شهدت انكماشا اقتصاديا حادا، كان الأسوأ في تاريخها الحديث، لكن الآثار السلبية المعتادة لهذا الركود لم تحدث تحديدا زيادة إفلاس الشركات ومعدلات البطالة، والسبب الرئيسي في ذلك كان برامج الدعم والتحفيز الحكومي وتعليق العمل بقوانين الإعسار المالي في العديد من البلدان، ما أعطى مزيدا من الوقت للشركات التي كانت في طريقها للإفلاس فعليا.  

وأضاف قد يبدو تراجع حالات الإفلاس في 2020 سببا للاحتفال، وتأكيدا لنجاح الحكومات في الحفاظ على الشركات في أصعب الأوقات، لكن سيكون من السابق لأوانه الاحتفال، لأن الشركات التي نجت ما زالت مثقلة بالديون الكبيرة ومع عودة الأوضاع إلى ما قبل الجائحة وتفعيل قوانين الإعسار، فقد تصبح مستويات الديون مشكلة للعديد من الشركات، وتحديدا “شركات الزومبي” – هي الشركات التي تكون أرباحها أقل من تكاليف تشغيلها، بمعنى أنها لا تكفي إلا لتغطية النققات الثابتة وفوائد القروض- والتي قد تنتهي نهائيا بمجرد أن تقرر البنوك المركزية رفع أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.

  وبحسب هارتويتش أوروبا قد تشهد موجة هائلة من حالات الإفلاس، مع إعادة فتح الاقتصاد ورفع الدعم الحكومة، ففي الوقت الذي ستعلن فيه القارة عن نهاية الركود وبداية التعافي، سيكون الانتعاش مزعجا أكثر بكثير مما كانت عليه الأوضاع في قلب الجائحة، أو قد ينتهي قبل أن يبدأ.

إذا قد تقوض حالات الإفلاس الخارجة عن السيطرة للكثير من الشركات قدرة بعض الدول الأوروبية على التعافي من صدمة “كورونا”، والأهم أنها ستضر بجودة الأصول في القطاعات المصرفية، ما قد يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي الذي من السهل أن ينتشر بجميع دول الاتحاد، بحسب ما ذكر تقرير مجلس المخاطر النظامية الأوروبي، ما يعني أن أوروبا ستواجه الأصعب في مرحلة ما بعد الجائحة وعليها أن تنتقل من تدابير الطوارئ الاقتصادية إلى علاجات حقيقية تحد من تسونامي الإفلاس، مثل توسيع قواعد المساعدات الحكومية وتحويل جزء من قروض الشركات وتحديدا الضخمة منها إلى منح، وفي المقابل تفعيل قوانين إفلاس صارمة لتجنب تضخم فقاعة شركات الزومبي والتي ارتفعت في ألمانيا وحدها العام الماضي بنحو 5000 شركة جديدة.. ومن الجدير بالذكر هنا أن الأزمة في أوروبا ما هي إلا مثال عن أزمات مماثلة ستضرب بلدان عدة حول العالم بسبب سياسات التيسير النقدي وخطط التحفيز التي شكلت طوق نجاة للشركات ذات المديونات المرتفعة خلال الجائحة وستكون عليها أن تدفع الحساب مضاعفا فيما هو قادم.   

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى