التقاريرالصفحة الرئيسيةسياسة

محاربة الجريمة المنظمة دوليًا.. الدلالات والنتائج

رؤية ـ جاسم محمد

تمثل شبكات عمل الجريمة المنظمة، تهديدا مباشرا، لأمن الشعوب والمجتمعات، بالتوازي مع التنظيمات المتطرفة بجميع أنواعها، وهذا ما يصعد جملة التحديات التي تواجهها الدول في تأمين أمنها القومي.

أعلنت الشرطة الأوروبية يوروبول، يوم 07.06.2021 ، أنها ألقت القبض على 800 شخص في واحدة من العمليات الواسعة جدا ضد الجريمة المنظمة دوليا . ونفذت وكالات الاستخبارات والشرطة حول العالم، عمليات “تعرضية” فنية بالتنصت على هواتف شبكات عمل الجريمة المنظمة، بزرع هواتف مشفرة تستخدمها شبكات “مافيوية”.  وقال جان فيليب لوكوف، نائب مدير العمليات في يوروبول، أن “هذه المعلومات  ساعدت على تنفيذ المئات من عمليات الأمنية دوليا ، من نيوزيلندا إلى أستراليا إلى أوروبا والولايات المتحدة. أسفرت العمليات عن “اعتقال أكثر من 800 شخص وتفتيش أكثر من 700 موقع وضبط أكثر من 8 أطنان من الكوكايين . الشرطة الأسترالية هي الأخرى أعلنت أنّ الشرطة الدولية ـ إنتربول نفذت بالتعاون مع أجهزة أمنية في عشرات الدول عملية أمنية من الأكثر تعقيداً في العالم لمكافحة الجريمة المنظّمة حول العالم.

الجريمة المنظمة 

الجريمة المنظمة، هي نوع من أنواع المجموعات الإجرامية المنظمة التي تتخصص في توفير الحماية القانونية العالية  للأفعال غير القانونية. وتصنف على أنها فئة من التجمعات لشركات ومشاريع عالية المركزية وتكون هذه التجمعات إما محلية أو دولية عابرة للحدود وتدار هذه الشركات عن طريق المجرمين الذين ينوون الانخراط في نشاط غير قانوني. في أغلب الأحيان تكون بهدف المال والربح، وبعض المنظمات الإجرامية مثل الجماعات الإرهابية  تكون لها دوافع سياسية، يطلق على شبكة أو مجتمع المجرمين باسم العالم السفلي. يعرف عالم الاجتماع الأوروبي “دييجو جامبيتا” المافيا كنوع من أنواع المجموعات الإجرامية المنظمة التي تتخصص في توفير الحماية القانونية العالية للأعمال غير القانونية. الجريمة المنظمة  تشمل مجموعة من العمليات الإجرامية أبرزها: تجارة المخدرات، جرائم تهريب المهاجرين والإتجار بالبشر والجرائم الاقتصادية والمالية وغيرها.

وأظهرت شبكات الجريمة المنظمة، درجة عالية من الخبرات والتنظيم في إدارة أعمالها غير المشروعة، والتي غالبا ماتعمل على توفير “الواجهات” أو الغطاء” التجاري لعملياتها، مثل الشركات والمؤسسات المعنية في الاستيراد  والتصدير. 

تصاعد الجريمة المنظمة بالتوازي مع التطرف والإرهاب

وتشعر الحكومات بالقلق من تصاعد الجريمة المنظمة بالتوازي مع التطرف والإرهاب، من خلال غسيل الأموال وتنفيذ عمليات قتل وسرقة، اضرت كثيرا باقتصاديات الكثير من الدول. وتعتبر الجريمة المنظمة تهديد قائم في المجتمع، يذكر أن قبل هذه العملية الأمنية الدولية الواسعة، نجحت الشرطة في فرنسا وهولندا خلال عام 2020 من الدخول إلى شبكة “إنكروتشات”، المشفرة والتي كانت قد اعتمدتها  شبكات الجريمة المنظمة على أنها وسيلة اتصال آمنة.

كشفت التحقيقات أن شبكات الجريمة المنظمة “المافيا” ازدهرة أنشطتها خلال جائحة فيروس كورونا كوفيد 19، بسبب انشغال الحكومات بالجائحة، وكذلك انشغالها بمحاربة التطرف والإرهاب دوليا وإقليميا. لذا نشطت هذه الشبكات كثيرا على محركات الإنترنيت، بتنفيذ عمليات احتيال وتنفيذ عمليات إجرامية دوليا. وتعتمد شبكات الجريمة المنظمة، على تجارة المخدرات كثيرا ليصل عملها ما يقارب 40% في أوروبا خاصة وفي أستراليا وحول العالم، وفق تقارير استخبارية موثوقة. بعض التقارير نشرت أن واردات شبكة عمل الجريمة المنظمة حول العالم تصل إلى ما يعادل 1% من الناتج القومي لدول الاتحاد الأوروبي، وهذا يعني رقم كبير جدا.

وتقول كاثرين دي بول مديرة يوروبول إنه “نجحت شبكات الجريمة المنظمة بتكييف عملياتهم غير القانونية وطريقة عملهم  ووسائل تواصلهم  مع جائحة كورونا وأن هيئات يوروبول تمكنت من تعزيز موقعها لتحذير مواطني دول الاتحاد من عمليات الاحتيال التي تواجههم والتي تم رصدها، من خلال عمل استخباراتي منسق. ولكن رغم ذلك  تبقى عمليات الكشف عن عمل هذه الشبكات مهمة صعبة، بسبب عولمة الجريمة وتطور وسائل الاتصالات منها المشفرة. 

تفاصيل عملية” درع تروجان”

أطلقت أجهزة الأمن على العملية الامنية الواسعة حول العالم اسم  ” درع تروجان”. خطط مكتب التحقيقات الفيدرالي ـ الأمريكي بتشغيل شبكة ANOMوتوزيع الأجهزة سرا مع تطبيق الدردشة بين شبكات الجريمة المنظمة والتي تقدر ب 300 مجموعة وفقا لتقارير مكتب التحقيقات الفيدرالي . جاءت فكرة العملية بعد أن قامت وكالات إنفاذ القانون بإزالة منصتين مشفرتين أخريين ، تاركين العصابات الإجرامية في السوق للحصول على هواتف آمنة جديدة. تم استخدام الأجهزة في البداية من قبل شخصيات إجرامية بارزة مزعومة ، مما منح المجرمين الآخرين الثقة لاستخدام المنصة،  ولا يمكن للهواتف أن تصدر رنينًا أو إرسال بريد إلكتروني. يمكنك فقط التواصل مع شخص ما على نفس المنصة.

وكشفت االتقارير أن الهارب الأسترالي Ayik وتاجر المخدرات المزعوم هاكان أيك كان هو المفتاح وراء اللدغة ، بعد أن أوصى عن غير قصد بالتطبيق للمجرمين بعد أن أعطاهم ضباط سريون سماعة الهاتف وكان يعيش في تركيا منذ أن تهرب من الاعتقال ، ويعيش أسلوب حياة مترفة مع زوجة هولندية.  خلال العملية ، تم استخدام حوالي 12000 جهاز مشفر من قبل حوالي 300 عصابة إجرامية في أكثر من 100 دولة .  

ووصف نائب المدير التنفيذي لليوروبول جان فيليب لوكوف العملية بأنها “نجاح استثنائي”. ولم تفصل الوكالة عن الاعتقالات في كل دولة ، لكن مسؤولين محليين قالوا إنها شملت 70 شخصًا في السويد و 49 في هولندا ، وفقًا لوكالة رويترز للأنباء. وقالت ليندا ستاف ، رئيسة المخابرات بالشرطة السويدية ، إن العملية حالت دون وقوع 10 جرائم قتل ، وفق ما نقلته رويترز

تقييم

ـ العملية كانت ناجحة جدا، وفق المعايير الأمنية، بدون شك، أن تنفذ عملية واسعة دوليا، وبمشاركة، 9000 شخص وتعتقل ما يقارب 800 شخص فيما يقارب سبعة عشر دولة، يمكن اعتبارها بأنها سابقة وعملية فريدة. التقارير كشفت عن اعتقال 70 شخثا في ألمانيا، وكانت مدينة: هيسن” قد احتلت الحصة الأكبر إلى جانب فرانكفورت، كذلك اعتقل سبعون شخصا في السويد  وتسع وأربعون شخصا في هولندا.

 ـ تأتي العملية الواسعة في مكافحة الجريمة المنظمة في أعقاب “تفرغ” أجهزة الشرطة نسبيا من جائحة فيروس كورونا كوفيد 19، وكذلك النجاحات التي حققتها أجهزة الأمن دوليا، خاصة أوروبا في محاربة التطرف والإرهاب. العملية تأتي متأخرة نسبيا في مكافحة الجريمة المنظمة، وكان الحكومات استفاقت الآن على هذا النوع من الجريمة المنظم، الذي أضر كثيرا في اقتصادياتها وكذلك أمنها المجتمعي وتهديد للأمن القومي.

ـ تكمن أهمية العملية الأمنية الواسعة، ليس في القيمة المادية بالاستيلاء على الأموال وشحنات الكوكائين بقد ما حصلت عليه من تفاصيل حول عمل هذه الشبكات : كيفية إدارة عملياتها، ووسائل اتصالاتها وطرق العمل. 

ـ العملية الأمنية الواسعة ضد الجريمة المنظمة، تجعل هذه الشبكات، أن تعيد وتراجع وسائل اتصالاتها وعلاقاتها وبدون شك ستعمل على “تعليق” عملياتها مؤقتا، للتتأكد من وسائل اتصالاتها وعلاقاتها من جديد.

ـ هذا النوع من الجريمة المنظمة، تعتبر موازية الى التطرف والإرهاب، رغم ماتقوم به الحكومات من مكافحة الجريمة ، فإن ذلك لا يعتبر نهاية للجريمة المنظمة في مجتمعاتنا، ولا يضع حد لها، لكن الأهم هو إيجاد سياسات وتطبيقات إقليميا ودوليا تقوم بالتوعية بالتوازي مع سياسات متكاملة، لمكافحة الجريمة المنظمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى