اقتصادالتقاريرالصفحة الرئيسية

في بريطانيا.. متحورات كورونا تهدد آمال التعافي الاقتصادي وخطة رفع الإغلاق

كتبت – ولاء عدلان

على شاطئ خليج كاربيس تجمع قادة الدول السبع الكبرى لالتقاط صورة جماعية، أمس الجمعة الموافق 11 يونيو 2021، قبيل انطلاق قمتهم -الأولى منذ عامين- في كورنوال غرب المملكة المتحدة، في مشهد يحاول من خلاله بوريس جونسون التأكيد على أن بريطانيا بعيدا عن أحضان الاتحاد الأوروبي ستكون قادرة على أن تلعب دورا هاما على الساحة العالمية حتى وسط ضبابية جائحة كورونا، وبالتزامن مع هذا المشهد أعلنت حكومته عن نمو الناتج المحلي خلال أبريل الماضي بأسرع وتيرة شهرية منذ يوليو 2020، في أحدث مؤشر على بدء تعافي الاقتصاد الوطني من تداعيات الجائحة مع رفع القيود الصحية تدريجيا.

إعادة فتح البلاد تحرك عجلة الاقتصاد

بحسب ما أعلنه مكتب الإحصاء الوطني، أمس، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي في أبريل بنسبة 2.3%، مسجلا زيادة شهرية منذ يوليو 2020، وذلك بفضل تخفيف القيود الصحية عن قطاع الخدمات مع إعادة فتح أبواب المطاعم والحانات والمتاجر والشركات الصغيرة وصالونات التجميل والنوادي الرياضية، فيما شهدت الصناعة والبناء انخفاضا في إجمالي الناتج المحلي، وفقا لمكتب الإحصاء.

وقال وزير المالية البريطاني ريشي سوناك -معلقا على بيان مكتب الإحصاء- هذه الأرقام هي إشارة واعدة على أن اقتصادنا بدأ بالتعافي.

منذ مطلع العام دخلت بريطانيا في مواجهة ثقيلة مع كورونا، حيث عانت من تفشي سلالة جديدة أكثر شراسة وأسرع انتشارا  من تلك التي كانت منتشرة في الموجة الأولى من الجائحة، فعمدت حكومة جونسون ورغم معارضة جناح من حزب المحافظين وقطاع الأعمال إلى إعلان إغلاق عام في البلاد وتشديد الإجراءات الاحترازية وقيود الحركة، ومع حلول 29 مارس بدأت المرحلة الأولى من خطتها لتخفيف قيود الإغلاق الوطني الثالث فسمحت للأسر بالتجمعات في الهواء الطلق مع الحفاظ على تدابير التباعد الاجتماعي، وأيضا بات في إمكانهم التمتع بأداء الأنشطة الرياضية والترفيهية في الملاعب المفتوحة وحمامات السباحة الخارجية، وجرى أيضا استئناف أنشطة الرياضة الجماعية.

ومن المنتظر أن يعلن جونسون خلال الأيام المقبلة عن الرفع الكامل لقيود الإغلاق في 21 يونيو، لكن بعض التقارير الإعلامية تحدثت أخيرا عن إمكانية تأجيل هذا الموعد لأسابيع بناء على نصائح خبراء هيئة الخدمات الوطنية الصحية، في ظل استمرار ارتفاع معدلات الإصابة بكورونا وظهور متحورات جديدة من الفيروس، فبالأمس ذكرت السلطات الصحية البريطانية، أن إجمالي عدد حالات الإصابة بسلالة دلتا الهندية قفز إلى 42323 حالة.

متحورات كورونا تهدد خطة رفع قيود الإغلاق

صحفية “صن” البريطانية، أفادت -في تقرير نشرته مساء أمس- بأن حكومة جونسون تدرس إمكانية إرجاء رفع قيود إغلاق كورونا إلى 19 يوليو، لافتة إلى أن الحكومة ستعلن الإثنين المقبل عن خطتها لرفع قيود الإغلاق في هذا الموعد وغالبا ستشمل على بند للمراجعة بعد أسبوعين، وهو ما يعني احتمال رفع القيود في الخامس من يوليو إذا انخفضت حالات الإصابة داخل المستشفيات.

وقبل ذلك قال جونسون -في تصريح يوم 9 يونيو- “من السابق لأوانه البتّ في رفع الإغلاق العام في 21 من يونيو، فالبيانات حول ما إذا اللقاح يوفر حماية كافية من الانتشار السريع لمتحور “دلتا” ما تزال قيد التقييم”.

تحتل بريطانيا المركز الـ7 عالميا من حيث عدد الإصابات بكورونا والمرتبة الـ5 من حيث حصيلة ضحايا الجائحة، وخلال الأيام الأخيرة شهدت زيادة ملموسة في أعداد الإصابات الجديدة، بالأمس -على سبيل المثال- سجلت 17 حالة وفاة جديدة وأكثر من 8100 إصابة جديدة، مقارنة مع 7393 إصابة و7 وفيات تم تسجيلها أول أمس الخميس.

هذه الأرقام ترجح صحة التقارير التي تتحدث عن إمكانية إرجاء موعد رفع قيود الإغلاق إلى الشهر المقبل، وإلا سيكون على جونسون تحمل سيل من الانتقادات في حال الإصرار على المضي قدما في الخطة دون تعديل، رغم زيادة أعداد الإصابات وإنهاك موظفي هيئة الخدمات الوطنية الصحية وموظفي الرعاية الصحية والاجتماعية نتيجة الجائحة، وكانت لجنة الرعاية الصحية بالبرلمان البريطاني دعت إلى ضرورة دعم موظفي الخدمات الصحية في تقرير لها مطلع هذا الشهر، محذرة من خطورة خروج الأمور عن السيطرة.

التوازن المطلوب بين احتواء الجائحة وهدف التعافي الاقتصادي

خلال افتتاح قمة مجموعة السبع أمس، قال جونسون: يجب أن نتعلم الدرس من الوباء، وأيضا التأكد من عدم تكرار بعض الأخطاء التي تم ارتكابها خلال الـ18 شهرا الماضية، مع السماح لاقتصادياتنا بالتعافي.

وأضاف: هناك أسباب كثيرة تدعو إلى التفاؤل، إلا أنه من الضروري عدم تكرار خطأ الأزمة الكبرى الأخيرة، وهي الركود الاقتصادي الكبير الأخير في عام 2008، عندما لم يكن التعافي موحدا في جميع أجزاء المجتمع، مؤكدا “عندما نتعافى، فإننا نرتقي في مجتمعاتنا ونعود مرة أخرى بشكل أفضل”.

ربما يكون من ضمن الأسباب التي تدعو للتفاؤل التي يتحدث عنها رئيس الوزراء البريطاني هنا هو عودة الناتج المحلي لبلاده إلى تسجيل قفزات إيجابية في النمو، على الرغم من أن هذا القفزات لم تصل بالناتج المحلي إلى مستويات ما قبل الجائحة عندما كان يسجل نموا بأكثر من 5%.

سبب آخر يدعو للتفاؤل، وهو التقدم الذي تحرزه بريطانيا في الحملة الوطنية للتطعيم ضد كورونا، حتى اللحظة يُقدر متوسط معدل التطعيم في بريطانيا بـ500 ألف و570 جرعة في اليوم الواحد، وبهذا المعدل، يتوقع أن تستغرق البلاد شهرا واحدا لتطعيم 75% من سكانها بلقاح من جرعتين، وبحسب بيانات رسمية تم منح 70.3 مليون جرعة من لقاحات كورونا للبريطانيين.

ستكون الأيام القادمة فاصلة لحكومة جونسون لتظهر من الحكمة ما غاب عنها في بداية التعامل مع الجائحة، فهي الآن تعلمت الدرس جيدا وتعرف أن السبيل الوحيد للمواجهة هو تشديد القيود الصحية، لكنها في حاجة إلى وقف نزيف ثالث أكبر اقتصاد في أوروبا والسادس عالميا، فبحسب دراسة أجراها مركز الاقتصاد وأبحاث الأعمال في لندن ونشرتها صحيفة “الجارديان” يوم 22 مارس الماضي، كلفت عمليات الإغلاق منذ قرار الإغلاق الوطني الأول في مارس 2020 وحتى مارس 2021، الاقتصاد البريطاني نحو 251 مليار جنيه استرليني، وذلك بعد أن سجل خلال 2020 أكبر تراجع له منذ 300 عام.. الأرجح أن جونسون سيكون أكثر ميلا لتأجيل الرفع الكامل لقيود الإغلاق، لكنه سيواصل الرفع التدريجي ما سيعزز نتائج الربع الثاني ويدفع باتجاه تسجيل نمو اقتصادي بأكثر من 4% وتعزيز الثقة في بريطانيا ما بعد البريكست.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى