اقتصادالتقاريرالصفحة الرئيسية

قمة مجموعة السبع.. شعور زائف بالوحدة وفرصة ضائعة

كتبت – ولاء عدلان

اختتم قادة مجموعة الدول السبع في منتجع كاربس باي في كورنوال جنوب غرب بريطانيا، أمس الأحد، أعمال قمتهم الحضورية الأولى منذ ما يقرب من عامين، بتعهدات تتعلق بالجائحة والتغير المناخي ووضع حد لممارسات الصين وروسيا، وسط مشهد هيمن عليه حضور الرئيس الأمريكي جو بايدن الراغب بشدة في طي صفحة التوترات التي كانت عنوانا لعهد سلفه ترامب.

الصين تهيمن على البيان الختامي للقمة

منذ اللحظة الأولى هيمنت الصين على أجندة قمة مجموعة السبع -التي تضم الدول الصناعية الكبرى وهي الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا واليابان وكندا- فقال بايدن، قبيل القمة: أمريكا يجب أن تقود العالم من موقع قوة، بما في ذلك مواجهة الأنشطة الضارة لحكومتي الصين وروسيا، لذا لم يكن غريبا أن يتطرق البيان الختامي للقمة إلى ملف الصين في أكثر من نقطة.

حث قادة المجموعة في بيانهم الختامي، الصين على احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية في منطقة سنجان ذاتية الحكم -التي تقطنها أقلية الأويجور- وكذلك احترام الحريات في هونج كونج والحكم الذاتي الممنوح للمنطقة بموجب الإعلان الصيني-البريطاني المشترك.

كما عبر البيان عن قلق دول المجموعة حيال التوترات في منطقة بحر الصين الجنوبي، محذرا من خطورة الخطوات أحادية الجانب الرامية إلى تغير الوضع القائم هناك ومؤكدا على ضرورة ضمان الاستقرار في مضيق تايوان.

وتطرق البيان الختامي أيضا للنفوذ الصيني العالمي، فقال: إن دول مجموعة السبع ستواصل التشاور بشأن مناهج جماعية بهدف التصدي للسياسات والأساليب “غير السوقية” التي تقوض العمل العادل والشفاف للاقتصاد العالمي، في إشارة إلى ممارسات الصين.

لكن البيان أضاف: “في سياق مسؤولياتنا المناسبة ضمن النظام العالمي متعدد الأطراف، سنتعاون مع الصين بخصوص تحديات عالمية لدينا مصالح مشتركة فيها، بما في ذلك مواجهة تغيرات المناخ”.

ولم يغب عن البيان أن يتطرق للجدل بشأن أصل فيروس كورونا، فطالبت المجموعة منظمة الصحة العالمية بتحقيق شامل ودقيق يشمل الصين، للكشف عن المنشأ الحقيق للفيروس وإنهاء الجدل بشفافية استنادا إلى القواعد العلمية.

وفي الشق البيئي، طرحت المجموعة خطة لمنافسة مبادرة الحزام والطريق الصينية، وهي عبارة عن خطة بنى تحتية عالمية واسعة النطاق تستهدف الدول الفقيرة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، للتشجيع على النمو وتحفيز الاستثمار في موارد الطاقة المتجددة والتكنولوجيا النظيفة، وهي في الأساس جاءت باقتراح من بايدن في إطار استراتيجيته لمواجهة نفوذ الصين.

بيئيا أيضا، تعهد القادة بتوفير ملياري دولار لدعم تحول الدول الفقيرة إلى الطاقة النظيفة، إذ كرّر البيان الختامي التزام دول المجموعة بخفض انبعاثات الغازات الدفيئة إلى النصف بحلول 2030 ووقف المساعدات الحكومية لمحطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم اعتباراً من العام الجاري.

فيما يتعلق بالجائحة، تعهدت المجموعة بتوزيع أكثر من مليار جرعة من لقاحات كورونا بحلول نهاية 2022.

على صعيد أخر، طالبت المجموعة في بيانها الختامي روسيا بوقف أنشطتها المزعزعة للاستقرار الإقليمي والعالمي، ودعتها إلى احترام حقوق الإنسان، فيما توعدت بمحاسبة المسؤولين عن تنفيذ هجمات إلكترونية انطلاقا من الأراضي الروسية.

وحدة زائفة وخلافات جوهرية

سعى قادة دول المجموعة طوال ثلاثة أيام مضت إلى إظهار أنهم يد واحدة في مواجهة التحديات الكبرى كالجائحة والتغير المناخي وممارسات الصين وروسيا المزعزعة للاستقرار، إلا أن الأمور خلف الكواليس كانت مختلفة تماما.

بحسب مصادر دبلوماسية كانت المجموعة منقسمة بشأن البند المتعلق بالصين في البيان الختامي، ونقلت “رويترز” عن مصدر دبلوماسي أن اليابان تحديدا كانت ترغب في موقف أكثر صرامة حيال بكين.

فيما لم يخف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون امتعاضه من فكرة تشديد اللهجة ضد الممارسات الصينية، فقال في تصريح صحفي: إن المجموعة ليست نادياً مناهضا للصين، مضيفا نسعى للعمل مع الصين بشأن كافة القضايا العالمية بمعزل عن الخلافات.

وكذلك المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي لا تحبذ وصف الصين بالخصم والانخراط في الحروب الكلامية، وأكدت في أكثر من تصريح ضرورة التعاون مع الصين في العديد من الملفات العالمية الأكثر إلحاحا كالتغير المناخي والجائحة.

لا ننسى أن القمة تأتي بعد شهور فقط من التنفيذ الفعلي لصفقة البريكست بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، ووسط خلافات ما زالت بلا حل تتعلق تحديدا بوضع أيرلندا الشمالية فيما بعد “البريكست”، لذا كان من الطبيعي أن تتضمن الكواليس نقاشات ساخنة بين بوريس جونسون وقادة الاتحاد الأوروبي تحديدا ماكرون وميركل التي رفضت مصافحة جونسون أمام الكاميرات بعد تهديده بتعليق بروتوكول أيرلندا الشمالية واتهامه لبروكسل بمحاول عرقلة صفقة الانفصال.

انتقادات.. تعهدات مخيبة للآمال

-أول الانتقادات كانت من بكين بالطبع، والتي حذرت في بيان شديد اللهجة صادر عن سفارتها في لندن “من أن الأيام التي كانت تملى فيها القرارات العالمية من قبل مجموعة صغيرة من الدول قد ولت”، مضيفة “هناك نوع واحد فقط من التعددية، وهو التعددية الحقيقية القائمة على مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، والتي تتميز بالمعاملة المتساوية والتعاون والمنافع المتبادلة، وليس التعددية الزائفة التي تخدم مصالح مجموعة صغيرة من البلدان”.

في الشق الخاص بالجائحة، اعتبرت منظمة الصحة العالمية أن تعهّدات المجموعة جاءت ضئيلة للغاية، معتبرة أن العالم بحاجة إلى 11 مليار جرعة لقاح للقضاء على الجائحة، في حين اعتبر رئيس الوزراء البريطاني السابق جوردون براون أن القمة ذهبت كفرصة ضائعة وشكلت فشلا أخلاقيا لا يغتفر، عندما لم تتوصل إلى خطة شاملة لتوفير متطلبات “الصحة العالمية” والاكتفاء بتعهد بتوفير لقاحات بنحو 870 مليون فقط.

-وجه النشطاء البيئيون أيضا انتقادات لبيان القمة، معتبرين أنه دون مستوى تحديات أزمة الاحتباس الحراري، إذ جاء بتعهدات فضفاضة بلا جدول زمني محدد، وعكس النشطاء غضبهم من خلال تنظيم تظاهرات في كورنوال بالتزامن مع انعقاد القمة، ووصفت منظمات مثل “غرينبيس” و”إكستينكشن ريبيليون” و”أصدقاء الأرض” القمة بـ”الفاشلة”، وقال جيمي بيترز المتحدث باسم “أصدقاء الأرض”: لقد رأينا كلمات جميلة حول أهمية تغير المناخ، وما لم يتم وضع هذه الكلمات موضع التنفيذ بشكل صحيح، فإن القمة ستكون مجرد مشاهد مسرحية وخطب مصقولة.

ماكس لوسون من منظمة أوكسفام اعتبر -في تصريح نقلته صحيفة “الإندبندنت”، اليوم- أن هذه القمة فشلت فشل ذريع وشكلت عارا على دول المجموعة، في مواجهة أكثر حالة طوارئ صحية منذ قرن وكارثة الاحتباس الحراري.
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أيضا علق على خطة المجموعة لتوزيع اللقاحات قائلا:  “نحن بحاجة إلى أكثر من ذلك، بحاجة إلى خطة تطعيم عالمية ونحتاج إلى التصرف بمنطق وإحساس بالإلحاح وأولويات اقتصاد الحرب”.

إذا بنظر الكثيرين قمة أغنى بلدان العالم فشلت في الإجابة على العديد من الأسئلة، إلا أن هناك فرصة لإثبات قدرتها على النجاح كما فعلتها سابقا في العام 2002 عندما قامت بتأسيس صندوق دولي لمكافحة أمراض الأيدز والسل والملاريا –والذي ساهم في أنقذ حياة حوالي 27 مليون شخص- وأيضا لا ننسى أن المجموعة العريقة التي عقدت أولى اجتماعتها عام 1975 كان لها دور كبير في تفعيل اتفاقية باريس للمناخ عام 2016.. الآن هذه البلدان فقط في حاجة إلى ترجمة ما تعهدت به بأقصى سرعة إلى واقع ملموس وتقديم جدول توزيعها لجرعات اللقاح على البلدان الفقيرة وكذلك التعليق المؤقت لبراءات اختراع اللقاحات المصنعة لديها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتوفير التمويل اللازم لدعم تحول البلدان الفقيرة إلى الطاقة النظيفة،وعلى بريطانيا تحديدا أن تتولى قيادة الأمور بهذا الاتجاه لضمان نجاح استضافتها لقمة الأمم المتحدة للمناخ في غلاسكو.  

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى